كيف ستغير ثورة الطاقة الأمريكية من قواعد اللعبة؟


٠٨ يناير ٢٠١٨ - ٠٨:٤٥ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
المصدر – واشنطن تايمز
ترجمة – شهاب ممدوح


قال فاتح بيرول -رئيس وكالة الطاقة الدولية, وهي مؤسسة بحثية مقرّها في باريس- إن "الولايات المتحدة ستصبح القائد الذي لا منازع له في إنتاج النفط والغاز لعقود قادمة". أدلى "فاتح بيرول" بذلك التصريح خلال مؤتمر صحفي في شهر نوفمبر, بمناسبة إطلاق فعالية "توقعات الطاقة الدولية 2017" التي تنظمها وكالة الطاقة الدولية. وبفضل التكسير الهيدروليكي, زادت الولايات المتحدة من إنتاجها النفطي والغازي بشكل سريع وملموس, وهو ما ستكون له آثار واسعة على المدى الطويل.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية, أنه بحلول منتصف عشرينيات القرن الحادي والعشرين, ستصبح الولايات المتحدة أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم, وستصبح بعد بضعة سنوات من ذلك التاريخ, مصدِّرا صافيًا للنفط أيضا. إن آخر مرة كانت فيها الولايات المتحدة مصدِّرا صافيًا للنفط كان في خمسينيات القرن العشرين.

يرجع هذا التحوّل في حظوظ الولايات المتحدة, إلى التكسير الهيدروليكي, وهو عبارة عن تقنية مبتكرة في الاستخراج. لقد حدث هذا بسرعة, في غضون عشر سنوات فقط. ما يمثل أكبر تغيّر يشهده مجال إنتاج الطاقة في التاريخ, محطمًا بذلك الأرقام القياسية السابقة. وبحلول عام 2025, سيتفوق نمو إنتاج  أمريكا النفطي على نمو إنتاج السعودية في ستينيات القرن العشرين, بينما سيتفوق نمو إنتاج أمريكا الغازي على نمو إنتاج الاتحاد السوفيتي من الغاز في حقول سيبيريا.

سيكون الاقتصاد الأمريكي, الذي يمر الآن بالمراحل الأولى من إعادة التصنيع, من أكبر المستفيدين من هذا الوضع. لقد بدأت الصناعات التي غادرت أمريكا بحثًا عن الأيدي العاملة الرخصية, بالعودة مرة أخرى إليها. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى "الروبوتات" التي تقلل من فرق التكلفة مقارنة بالعمالة الأجنبية. والسبب الثاني يتمثل في وفرة الطاقة الرخيصة, وهو أمر يتسم بأهمية خاصة للصناعات التي تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة مثل الكيماويات والألومنيوم.  

تعمل إدراة ترمب على إعطاء المستثمرين ثقة بأن الازدهار في قطاع النفط والغاز سيتواصل. إذ وافقت الإدارة على بناء أنبوب "كي ستون" النفطي, وسمحت بالتنقيب في الأراضي والمياة الفيدرالية, وحسّنت المناخ التنظيمي لمجال الطاقة.

لكن الأثر الأكبر لثورة الطاقة سيكون على ميزان القوى العالمي. وأكبر الخاسرين سيكون روسيا, التي وصفها عضو مجلس الشيوخ "ليندزي جراهام" بأنها عبارة عن شركة نفط وغاز متنكّرة في هيئة دولة. شكّلت الطاقة في عام 2014 نحو 70 بالمائة من صادرات روسيا, ونحو 50 بالمائة من ميزانيتها الاتحادية. تحتاج روسيا أن يكون سعر برميل النفط فوق 70 دولارًا, وذلك لضبط ميزانيتها, لكن أسعار النفط العالمية بقيت تحت هذا المستوى لسنوات عدة. وقد كانت الزيادة التي شهدها إنتاج أمريكا من الطاقة أحد الأسباب الرئيسية لإنخفاض الأسعار.

تُجبر الأسعار المتدنية للطاقة روسيا على توخّي الحذر في إنفاقها على قواتها المسلحة ومغامراتها العسكرية الخارجية. إذ تعرّض الاتحاد السوفيتي في نهاية ثمانينيات القرن العشرين للإفلاس والتفكك عندما حاول الدخول في سباق تسلّح مع الولايات المتحدة.

لكن خسارة روسيا الأكبر هي جيوستراتيجية. فسوق النفط عالمي, ومعظم النفط يتم نقله بواسطة سفن ناقلة للنفط. أما أسواق الغاز فهي إقليمية, حيث يتم نقل معظم الغاز بواسطة أنابيب. لقد وفّرت أنابيب الغاز القادمة من روسيا ثلث حاجة دول الاتحاد الأوربي من الغاز في عام 2016. لكن اعتماد بعض الدول الأوربية مثل بولندا ودول البلطيق على الغاز الروسي تجاوز 80 بالمائة.

عندما غضبت روسيا من أوكرانيا في عامي 2006 و2009, لجأت إلى قطع إمدادات الغاز المتدفقة عبر أنبوب أوكرانيا. تسبب ذلك في حدوث نقص في إمدادت الغاز (بعضه في الشتاء) في أوكرانيا وبقية أوربا. تسلّط روسيا هذا السيف الاقتصادي على رقبة أوربا, لأن الأخيرة ليس أمامها سوى بدائل قليلة للغاز الروسي القادم عبر الأنابيب. لكن هذا على وشك أن يتغير.

ترسل الولايات المتحدة الآن الغاز الطبيعي المسال إلى أوربا بواسطة السفن, كما أن أستراليا وقطر, المصدّران الكبيران الأخران للغاز المسال, تحذوان حذوها. تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تكون مبيعات الغاز القادم عبر الأنابيب في عام 2040 أكبر بنحو 17 بالمائة عما هي عليه في عام 2017. لكن مبيعات الغاز الطبيعي المسال ستكون أكبر بنحو 164 بالمائة. سيصبح سوق الغاز أكبر, وأكثر تحررًا, وانتشارًا على مستوى العالم. كما سيتضاءل تأثير روسيا الاقتصادي على أوربا.

تُضعف الديناميات ذاتها أيضا من موقف روسيا مع الصين. يتعين على الصين استيراد 70 بالمائة من استهلاكها النفطي, ونحو 36 بالمائة من استهلاكها من الغاز. وبالرغم من العداوة التاريخية بين الدولتين, وقت الصين وروسيا صفقة غاز قدرها 400 مليار دولار في عام 2014, كما تسعى الدولتان لإقامة مشاريع طاقة مشتركة أخرى أيضا.

لكن سوق الطاقة العالمي يتغيّر. فالنفط والغاز اللذان كانا يذهبان في السابق للولايات المتحدة, يبحثان الآن عن مشترين. تبيع الولايات المتحدة وأستراليا وقطر الغاز الطبيعي المسال للصين. ما كان يعتبر فيما مضى سوقًا للبائعين, بات اليوم سوقًا للمشترين. وهو ما يجعل روسيا أقل أهمية بالنسبة للصين.

هناك اقتباس منسوب إلى بيسمارك, رئيس وزراء بروسيا العظيم, يقول فيه: "هناك عناية إلهية خاصة تأخذ بيد الحمقى والسكارى والولايات المتحدة الأمريكية" وذلك للإشارة إلى حُسن حظ الأمريكيين. يكمن جزء من نجاح عملية التكسير الهيدروليكي بالتأكيد في أن الولايات المتحدة غنية بالمواد الهيدروكربونية. لكن ثورة التكسير الهيدروكلي ما كانت لتحصل لولا رواد الأعمال والعلماء الأمريكيون الذين ساهموا بموهبتهم وعملهم الشاق, ولولا العمال الذي تحدّوا الظروف الصعبة في المواقع البعيدة, والمستثمرون الذين خاطروا برأس مالهم, والسياسيون الذين وفّروا الإطار التنظيمي اللازم.
ومثل جميع الأشياء الطيبة, فإن مكاسب ثورة الطاقة في أمريكا تُعزى جزئيا للعناية الإلهية, لكنها تُعزى أيضا للعمل الشاق.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق