لماذا تفضل جورجيا عدم المواجهة مع روسيا؟


١٨ يناير ٢٠١٨ - ١٠:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
رؤية
المصدر – إيكونوميست
ترجمة – بسام عباس


أسفل الشرفات الخشبية للمدينة القديمة الساحرة في تبليسي، تجد علامات ذات طابع قروسطى تدعو لتذوق النبيذ باللغة الروسية أو الجورجية أو الإنجليزية. حتى أن بعض الكتابات على الجدران تجدها باللغة  السيريلية. فبعد الحرب بين روسيا وجورجيا عام 2008 ، توقف السياح الروس عن القدوم للمدينة، لذلك تمت مخاطبة الزوار باللغة الإنجليزية. ولكن الروس بدأوا الآن في العودة، وكذلك عادت لغتهم.

وهناك جيل جديد من الزعماء السياسيين الجورجيين يتسم بالبراجماتية بنفس القدر عند التعامل مع روسيا. ورغم انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، إلا أن مسؤولي الدولتين يعقدون محادثات ثنائية منتظمة. والمبادرات العملية تسهل  التجارة والسفر والتنقل بينهما. يقول أوجارس كالنينز، وهو سياسي ودبلوماسي في لاتفيا: "هذه الحكومة تميل إلى التراجع حتى لا تثير غضب روسيا".

وهذا يختلف كثيرًا عن نهج جورجيا في عهد الرئيس السابق ميخائيل ساكاشفيلي. فقد كان يستمتع بإغضاب فلاديمير بوتين، ويقال أنه أطلق عليه اسم "ليلي بوتين"، ولم يكن يخفي إعجابه بأمريكا، التي اعتبرته بدورها منارة للديموقراطية في منطقة تعج بالمستبدين. لكن التوترات مع روسيا ازدادت وبلغت ذروتها في حرب استمرت خمسة أيام وخسرتها جورجيا. وكان ساكاشفيلي – في السنوات الأخيرة من حكمه – أكثر استبدادية، ولكن في الانتخابات البرلمانية عام 2012 هزم حزبه على يد حركة الحلم الجورجي، وهي حركة يقودها الملياردير بيدزينا إيفانيشفيلي، الذي يعتبر أغنى رجل في البلاد.

فهل تنساب جورجيا من بين يدي الغرب وتعود إلى الفلك الروسي؟ ليس تماما. فقد قالت سالوم زورابيشفيلي، وزيرة الخارجية السابقة  في حكومة ساكاشفيلي والآن نائبة مستقلة:  "لقد استعاضت جورجيا عن لهجة المواجهة التي كانت مهيمنة خلال عصر ساكاشفيلي بلهجة صامتة. ولكن المحتوى نفسه ليس مختلفًا جدًا ". ولا تزال جورجيا حريصة على أوروبا، حيث تسعى إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي. وفيما يتعلق بالقضية الرئيسية المتعلقة بالحدود، فإن موقفها لا يزال ثابتا. فالحكومة، التي يدعمها الاتحاد الاوربي والناتو، ترى المناطق الانفصالية التي ترعاها روسيا في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية إقليمًا جورجيًّا محتلاً.

ويرحب مسئولو الاتحاد الاوروبي بنهج الحكومة الجورجية "العملي ولكن المبدئي" تجاه روسيا. وهم يأملون في أن يحسن هذا النهج من الخطابات الأكثر هدوءا والروابط التجارية والنقل الجوي وفرص حل النزاع الحدودي. ولكن جهود جورجيا التوفيقية لا تقابلها روسيا بالمثل. وبدلا من ذلك، تسعى روسيا إلى دمج أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية أكثر في الهياكل الروسية، بل وأغلقت نقاط العبور، وفي العام الماضي، نقلت روسيا حدود الأمر الواقع إلى أكثر عمقًا في الأراضي الجورجية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال جورجيا أقرب إلى الاتحاد الأوروبي. ويصفها المسئولون بأنها أحد الدول الأكثر احتمالا للانضمام للاتحاد، وذلك بفضل الإصلاحات السياسية، مثل تعزيز حقوق الأقليات. وفي عام 2016، بدأ تنفيذ "اتفاقية الشراكة" التي تسهل التجارة بين الاتحاد الأوروبي وجورجيا. وفي مارس 2017 سمح الاتحاد الأوروبي للجورجيين بالدخول دون تأشيرة. بيد أن إحراز مزيد من التقدم سيكون أصعب؛ ذلك لأن المعايير البيئية للاتحاد الأوروبي وحماية العمال، على سبيل المثال، ستكون أكثر إيلامًا في تحقيقها.

كما يشعر البعض بالقلق من احتمال أن ينكل تحالف الحلم الجورجي الحاكم بالمعارضة. وبعد انتخابات عام 2012، تمت الإشادة بأول انتقال سياسي سلمي في جورجيا منذ الاستقلال. ورغم ذلك تم اعتقال عشرات المسئولين من الحكومة السابقة، واتهموا بسوء استخدام السلطة. ومن بينهم رئيس الوزراء السابق فانو ميرابيشفيلي الذي لا يزال يقبع في السجن. ويقول فانو تشيكفادزه من مؤسسة المجتمع المفتوح بجورجيا، وهي مجموعة حقوق إنسان: "لقد عزز الحلم الجورجي القوة، ولا نرى الكثير من الضوابط والتوازنات".

ومما يبعث على القلق بشكل خاص هو الخدعة التي تحيط بالملياردير بيدزينا إيفانيشفيلي، الذي لا يزال أقوى رجل في البلاد على الرغم من تنحيه عن منصب رئيس الوزراء عام 2013. فقبل دخوله لعبة السياسة كان وجوده غامضًا، ويشاع عنه أنه ذا ذوق غريب في أكل الحيوانات الأليفة – مثل الكنغر والحمير الوحشية والبطاريق – بالإضافة إلى أنه معروف بسخائه في العمل الخيري، ومنها أنه دفع ثمن المنازل لسكان قريته، وقام بتمويل بناء كاتدرائية تبليسي الجديدة البراقة؛ كما أنه في بعض الأحيان كان يغدق المفكرين الكادحين بالهدايا النقدية. ولا يمكن أن ننسى قصره المستقبلي الذي يشرف على تبليسي، وكرمه الذي عزز شعبيته وقوته. ويقال إن الوزراء يبقون ويرحلون لمحاباته.

يشير البعض إلى أن السيد إيفانيشفيلي يمنح سياسيي تحالف الحلم الجورجية المنتخبين سيطرة أكبر. وإذا كان الأمر كذلك، فإن البلد يمكن أن يدخل مرحلة جديدة. واليوم تفتقر الحكومة الجورجية إلى أيديولوجية شاملة. وفي مواجهة التحدي المتمثل في التعامل مع روسيا، بينما تحاول إقناع الناخبين بأن الإصلاحات التي قد تسمح لجورجيا بالانضمام للاتحاد الأوروبي تستحق هذا الجهد، يمكن للحكومة الجورجية أن تنفذ ذلك ببعض الرؤية، وهو شيء لا يفتقر إليه ساكاشفيلي أبدًا، رغم كل عيوبه. وتصفه زورابيشفيلي بقولها: "كان مبتكرًا مجنونًا. جورجيا أفضل حالا بدون ذلك المجنون؛ ولكن قد سيكون مرحبًا بالشخص الأكثر إبداعًا".

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية جورجيا روسيا

اضف تعليق