ما هي مظاهر انتشار أفكار فرويد فى الشارع الثقافي والسياسي المصري؟


٢٤ يناير ٢٠١٨ - ٠٥:٢٨ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

رحب عالم الأدب العربي بأب التحليل النفسي سيجموند فرويد. فقد قرأ الروائيون العرب والنقاد الأدبيون وعلماء النفس والمعلمين والطلاب فرويد وأعادوا قراءته، أحد أكثر المفكرين استقطابًا في القرن العشرين.

وفي مصر، التي تمثل قوة الحياة الثقافية العربية، أصبح لفرويد وجودًا مألوفًا. وفي مقالة نشرت في مجلة الهلال الثقافية، لاحظت في عام 1938 أن جيلا جديدا من الطلاب المصريين يتشربون فرويد وأفكاره حول اللاوعي والدافع الجنسي..

وفي الحرب العالمية الثانية وأثناء الغارات الجوية الألمانية على مصر في عام 1941، نشر الكاتب المصري علي أدهم مقالاً مستوحى من أفكار فرويد حول "غريزة الموت". وأشار أدهم إلى أنه في الحرب، تحولت غريزة الموت إلى الخارج نحو الآخرين - حيث لا تستخدم فقط لإرضاء الملذات الجنسية، بل أيضًا لإرضاء العدوانية والحقد.

وبعد ذلك بعامين، نشر عالم النفس الأكاديمي يوسف مراد، الذي أسس مدرسة متميزة في علم النفس تعتمد على أساليب فرويد وممارساته، كتابه الشهير "شفاء النفس" (عام 1943). وقدم النص التحليل النفسي للقراء كمدرسة فكرية توفر تقنيات لاستعادة الذات، ولا سيما تلك النفوس المريضة.

لم تقتصر أفكار فرويد على العلماء فقط، ولا على الحياة الجامعية أيضًا. فقد أصدر طه حسين -في عام 1939- أول ترجمة علمية لرائعة سوفوكليس "أوديب ريكس"، والتي بدونها ستكون أي معرفة بفرويد ناقصة. وسرعان ما تلاها تعديلان.

وفي نسخة الكاتب المسرحي توفيق الحكيم في عام 1949، أعيدت صياغة الصراع المركزي في المسرحية فلم يعد بين الإنسان والمصير، بل بين الواقع والحقيقة (الخفية)، وهي قراءة فرويدية. ولكن نجيب محفوظ، الروائي المصري الحائز على جائزة نوبل، هو الذي أحيا عقدة أوديب لدى القراء العرب. وتم تقديم " كامل رؤبة لاظ " لقراء رائعة محفوظ "السراب" (1948) ، وكامل هو بطل الرواية، الذي يعاني من الانطواء الشديد ويرتبط جنسيًّا بأمه التي تسيطر عليه. ويخبرنا نجيب محفوظ على تعلق كامل بأمه قائلا: "كانت علاقية عاطفية غير سليمة تجاوزت حدودها المناسبة ... إنه نوع من العاطفة المدمرة". ويصف محفوظ صورة نفسية معقدة للشاب، وهو شخصية مضطربة تستمد المتعة والألم من عالم خاص أعدته له والدته. ففي شبابه، يغرق كامل نفسه في حلم يومي للهرب من الواقع الخانق. وفي النهاية يجد نفسه يعاني من الذنب الجنسي، ويفشل في علاقته الزوجية.

ولا عجب إذن أنه في عام 1951، قدم أحد مدرسي الفلسفة في المرحلة الثانوية المصرية اقتراحًا بإجراء اختبارات نفسية قبل الزواج للتغلب على الزواج الميؤوس منه بسبب عقد أوديب التي لم تحل.

ولعل الاستخدام الأكثر إثارة للدهشة لعقدة أوديب في مصر لا يوجد في الروايات وإنما في قاعة المحكمة. ففي أواخر الأربعينات، دافع محمد فتحي، أستاذ علم النفس الإجرامي في القاهرة، عن جدوى نظريات فرويد اللاوعي في قاعة المحكمة، ولا سيما لفهم دوافع القتل. وفي سلسلة من المقالات للجمهور العادي، قال فتحي إن التحليل النفسي وعلم الإجرام هما تخصصان متشابهان تماما. وأشار فتحي إلى أن التحليل النفسي يمكن أن يساعد على تفسير السلوك الإجرامي، والأسباب العميقة أو الدوافع وراء جرائم العنف، وحتى سلوك محققي الشرطة. حتى أن التحليل النفسي يمكن أن يقدم لنا هذه الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام، وهو نوع من الشخصيات الذي وصفه فرويد بأنه "مجرم نابع من الشعور بالذنب". فهؤلاء الأفراد يرتكبون جرائم رغبةً في معاقبة أنفسهم بسبب دوافعهم اللاواعية. حيث يسبق ضمير المذنب الجريمة، ولا يتبعها، ويتجاوز هؤلاء المجرمين. 

 وناقش المصريون نظريات فتحي. وادعى علماء النفس الأكاديميون أنه كان لا يريد سوى استرضاء الجماهير العامة، وتجاوز القوة التفسيرية التي أعطاها لعقدة أوديب لأنها تتعلق بالقصد الجنائي. وبالنسبة للمصريين، كانت أفكار فرويد تستحق النزاع حولها.

وبشكل ملحوظ، قرأ المصريون أعمال فرويد قبل أن تترجم إلى اللغة العربية. وكان مصطفى زيوار -أحد أوائل المترجمين العرب لأعمال فرويد، وأول عضو عربي في معهد باريس للتحليل النفسي- مرشدًا للعديد من المحللين النفسيين المصريين الذين سيتولون بعد ذلك وظائف مشهورة في مصر وفرنسا ودول المهجر الأخرى. وصفه مصطفى صفوان، وهو أحد طلاب زيوار، بأنه "شخص يقسم بفرويد قبل أن يقسم بالله". وقد أشرف زيوار على سلسلة "أسس التحليل النفسي"، والتي ترجم فيها إسحاق رمزي "محاضرات تمهيدية حول التحليل النفسي وما وراء مبدأ المتعة" في أوائل خمسينيات القرن العشرين، وتلى ذلك ترجمة زيوار "دراسة السيرة الذاتية لفرويد" في عام 1957، والترجمة التي قدمها صفوان لكتاب "تفسير الأحلام" (1958)، فضلا عن العديد من أعمال فرويد البارزة الأخرى. وقد عمل زيوار دون كلل من أجل وصول التحليل النفسي إلى جمهور أوسع نطاقًا. وفي القاهرة في أواخر الخمسينيات، استضاف سلسلة من البرامج الإذاعية الشعبية التي تناولت علم النفس، وعالجت المشاكل اليومية مثل الحشيش والقمار والاكتئاب.

في الخمسينيات والستينيات، بدأت هذه الموضوعات تحتل مركز الصدارة في مصر. وقد أنشأ الرئيس جمال عبد الناصر نظاما ذا برامج طموحة للرعاية الاجتماعية. وفي الواقع، فقد اهتمت جماعة الضباط الأحرار بنظريات نفسية قبل توليهم السلطة في ثورة 1952، ووجدوا أنها مفيدة في إجراء الاختبارات النفسية لضباط الجيش والطيارين. وفي وقت لاحق، تم إنشاء المركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية في منتصف الخمسينيات، حيث عمل علماء الاجتماع على مجموعة متنوعة من المشاكل الاجتماعية والثقافية كأهداف للدراسة. فعلى سبيل المثال، أجريت دراستان واسعتان حول البغاء وتعاطي الحشيش في القاهرة بين عامي 1957 و 1960، ومن 1960 إلى 1964 على التوالي. وقد أشرف زيوار نفسه على هذه الدراسة الأخيرة.

بالنسبة لبعض المثقفين المتأثرين بفكر فرويد في الدولة المصرية المستقلة حديثًا، أصبح التحليل النفسي أداة للحكم قادرة على إعداد مواطنين خاليين من الأمراض الاجتماعية والنفسية في حقبة ما بعد الاستعمار.

إن استخدام التحليل النفسي في محاولة خلق أو إصلاح البشر يمثل اتجاها خطيرا، وهو أمر لا يميز مصر إطلاقًا. وهذا بالضبط ما يقدمه التحليل النفسي، إنه اعتراف ونقد لحقيقة أن البشر يستخدمون الآخرين كهدف وأداة للمتعة، سواء كانت المتعة هي محرك المعرفة أو إعداد مواطنين قابلين للحكم أكثر تكيفًا وسلاسة مع بيئتهم السياسية والاجتماعية. في محاولة متحمسة لخلق مواطن وطني غير قابل للاستعمار، ولكن في بعض الأحيان ينسي المحللون النفسيون دروس النقد الأخلاقي والفلسفي هذه على مسئولياتهم الخاصة رغم المخاطر المحدقة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية نجيب محفوظ نجيب محفوظ aeon

اضف تعليق