بداية الحرب الثانية فى سوريا.. تعرف على ملامحها وأطرافها


٢٧ يناير ٢٠١٨ - ٠٦:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
المصدر - فورين بوليسي

ترجمة - شهاب ممدوح



هناك قول تكرر كثيرًا في الأشهر الأخيرة، لدرجة أنه أصبح شيئًا عاديًا، ومفاده أن الحرب الأهلية السورية باتت تضع أوزارها. لكن هذا الرأي ليس صحيحًا تمامًا.  

أكدّ مسؤولون أمريكيون مؤخرا نية واشنطن البقاء لأجل غير مسمى في حوالي 28 بالمائة من مساحة الأراضي السورية، بالشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الكُرد. لكن هذه الخطط الأمريكية تتعارض بصورة متزايدة مع اللاعبين الدوليين الكبار الآخرين في هذا البلد الذي مزقته الحرب. وهذا يشمل تركيا، الحليف السابق للولايات المتحدة، والتي أطلقت مؤخرا عملية "غصن الزيتون" بهدف التوغل في منطقة عفرين التي يسيطر عليها الكُرد في شمال غرب سوريا. في غضون ذلك يهاجم نظام الرئيس بشار الأسد المتمردين العرب السنّة في الجنوب، ويعمل على إتمام السيطرة على مطار أبو الظهور في إقليم إدلب في شمال سوريا.

كل هذه الدماء لا تفسد خطط واشنطون فحسب، بل إنها تثير الشكوك حول ما إذا كان المشاركون في الحرب السورية، وأنا هنا أقتبس عبارة أخرى متكررة، "يستنزفون أنفسهم". وحتى لو كانت الديناميات التي تحرّك الصراعات المتشابكة في الحرب السورية تقترب من نهايتها، إلا أنها لا تولّد مستقبلاً سلميّا ومستقرًا للشعب السوري الذي طالت معاناته. وبدلا من ذلك، تظهر صراعات جديدة مكتملة من رحم الصراع القديم.

لقد شهدت سوريا منذ منتصف عام 2014 حربين متوازيتين. الحرب "الأصلية" وهي عبارة عن قتال بين المتمردين العرب السنّة ونظام الأسد، وتركّزت في المنطقة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في غرب سوريا. أما الحرب الثانية، فهي المنافسة بين تنظيم داعش والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والذي تشكّل لقتاله.

هاتان الحربان بالطبع تقتربان من نهايتهما. لقد مالت الحرب الأولى لصالح الأسد في الثلاثين من سبتمبر 2015، اليوم الذي ظهرت فيه الطائرات الروسية فوق سماء سوريا. لقد وجد المتمردون، الذين كانوا يفتقرون حتى لأبسط الأسلحة المضادة للطائرات، أنفسهم عاجزين أمام مزيج من القوة الجوية الروسية والقوات البرية المدعومة والمسلحة من جانب إيران.

وبالتالي، لم يعد بقاء النظام موضع شك. لكنه أصبح كيانًا يختلف عن ذلك الكيان الذي شنّ حربًا ضد المتظاهرين المعارضين للأسد في صيف عام 2011. وبعد مرور سبع سنوات، لم يعد النظام في دمشق قادرًا على التحكم في سير الأحداث في سوريا كما كان يفعل في الماضي، وبدلاً من ذلك بات يتعين عليه الخضوع لرغبات القوى التي ضمنت بقاءه.

إن الأحداث الأخيرة في عفرين تقدم لنا مثالاً مفيدًا. إذ عبّر الأسد نفسه عن معارضته الشديدة للتوغل التركي، قائلاً: "لا يمكن فصل العدوان التركي الوحشي على مدينة عفرين السورية عن سياسة النظام التركي منذ اليوم الأول للأزمة السورية، والتي بُنيت أساسًا على دعم الإرهاب والمنظمات الإرهابية"

صرّح فيصل المقداد، نائب وزير خارجية النظام، للصحفيين في دمشق إن القوات السورية "جاهزة لتدمير الأهداف الجوية التركية في سماء الجمهورية السورية".

لكن رعاة الأسد الروس اتخذوا موقفًا مغايرًا إزاء العملية التركية. إذ سحبت روسيا جنودها من ذلك الجيب الكردي قبل بدء العملية التركية. والطائرات التركية التي تقصف الآن المواقع الكردية في منطقة عفرين، ما كانت لتستطيع عبور الحدود من دون إذن روسي، نظرًا إلى وجود بطاريتي دفاع جوي لصواريخ "أس 400" أنشأتهما روسيا لضمان خلوّ الأجواء السورية من أي حضور غير مرغوب به. لقد طلب صانعو القرار الحقيقيون من حكومة الأسد أن تتساهل مع هذا الوضع، وهو ما حدث بالفعل، حيث لم تنفذ الحكومة السورية تهديدها بإسقاط الطائرات التركية.

بالمثل، تظهر الأحداث الأخيرة كيف أن حركة التمرد لم تعد في الأساس ظاهرة سورية. إذ إن المتمردين المشاركين في عملية عفرية ضد القوات الكردية هم عمليًا متعاقدون عسكريون يعملون لحساب المصالح التركية. لقد لعبت هذه المجموعات المسلحة الموجودة في الشمال السوري-مثل فيلق الشام ونور الدين زنكي والجبهة الشامية- دور التابع والوكيل منذ صيف عام 2016، عندما بات واضحًا لها أنها لم تعد قادرة على تحقيق نصر إستراتيجي على الأسد.

إن الفصائل المتمردة تقاتل الآن بصورة أساسية من أجل بقائها. والذين يقيمون في تركيا أو بالقرب من الحدود ليس لديهم خيار آخر سوي أن يكونوا وكلاء لطموحات تركيا. (حتى هيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تسيطر الآن على إدلب، باتت تحظى بعلاقة مثيرة للفضول مبنية على "التنسيق الناعم" مع تركيا، رغبة منها في تفادي القوة الجوية الروسية) كما أن المتمردين في أقصى الجنوب السوري يلعبون دورًا مماثلاً لحساب رعاتهم الأردنيين والأمريكيين والإسرائيليين.

إن الحرب ضد خلافة داعش الزائفة تقترب هي الأخرى من نهايتها. لم يُدمر تنظيم داعش تمامًا؛ إذ إنه يسيطر على بعض المناطق في صحراء دير الزور، ومازال قادرًا على شنّ هجمات مضادة مفاجئة، لكنه فقد أغلبية مناطقه. من الواضح أن تنظيم داعش يستعد مرة أخرى ليصبح منظمة سنّية عربية وحشية متنقلة، مماثلة للشكل الذي اتخذه التنظيم قبيل إعلانه الخلافة في يونيو 2014.

إذاً، ماذا تعني هذه التطورات فيما يتعلق بالمسار المحتمل للأحداث في الفترة المقبلة في سوريا؟

هناك ثلاثة "لاعبين" رئيسيين في سوريا اليوم. معسكر النظام وإيران وروسيا، الذي يسيطر على أكثر من نصف أراضي البلاد وغالبية السكان، وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الكُرد والمدعومة أمريكيًا، والتي تسيطر على منطقة دير الزور الجنوبية الغنية بالنفط، وجزءًا كبيرًا من أفضل الأراضي الزراعية للبلاد، وأخيرًا التحالف الذي يجمع بين تركيا (وبدرجة أقل قطر) والمتمردين الإسلاميين السنّة والجهاديين في شمال غرب سوريا. لكن هذه "المعسكرات" العريضة ليست مجرد هياكل منغلقة: هناك أطراف مختلفة داخل المعسكر الواحد تحتفظ بعلاقات مع أطراف محددة داخل المعسكر المنافس. إذ تعتبر تركيا والولايات المتحدة حليفين مفترضين داخل حلف الناتو، لكن الولايات المتحدة تعارض بشدة بعض الحركات الجهادية التي تتعاون معها تركيا.

لو كانت تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان الأخيرة بشأن نية تركيا الهجوم على مدينة منبج جديّة، فإن هذا سيضع تركيا في مسار تصادمي مع مصالح الولايات المتحدة. يحتفظ الكُرد بعلاقات مع روسيا ونظام الأسد، غير أن منطقتهم المستقلة بحكم الأمر الواقع، تخضع أساسًا لحماية الولايات المتحدة.

تتحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة، لكنها تعتمد على علاقتها الجيدة بروسيا لضمان قدرتها على التحرك ضد النظام والأهداف الإيرانية في جنوب سوريا، والمتحالفة بدروها مع روسيا، وهكذا.

إن الصراعات الجديدة في سوريا لم تنبع من الديناميات السورية الداخلية، وإنما بسبب القوى الخارجية المتنافسة التي تريد تحقيق مصالحها على أنقاض سوريا: الأتراك ضد الكُرد، وإسرائيل ضد إيران وحلفائها، والولايات المتحدة ضد إيران، والآن، الصراع المحتمل بين أنقرة واشنطن. إن كل هذه القوى الخارجية مصممة على تحقيق مكسب على حساب بعضها الآخر في سوريا. لذا، بالرغم من أن الصراعين اللذين طال أمدهما يقتربان من نهايتهما، إلا أن الحروب والنزاعات لن تغادر المنطقة. مرحبًا بكم في الحرب السورية في نسختها الثانية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق