لم يعد لديه ملحمة ليرويها.. هل بدأت بروباجندا أردوغان في التآكل؟


٢٧ يناير ٢٠١٨ - ٠٦:٤٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
 
هناك جملة تتردد كثيرًا في تركيا, "حزب العدالة والتنمية لم يعد لديه ملحمة ليرويها". 

يمكن تفسير كلمة "ملحمة" على أنها الوعود التي تأسر الناخبين وتحمسهم. سُمع هذا الخطاب كثيرًا منذ شهر أغسطس, عندما تعرض عدة عمد من حزب العدالة والتنمية لضغوط لكي يستقيلوا. جاء هذا بعد أن لاحظ الرئيس رجب طيب أردوغان صراحة في مايو 2017 الحماس المتراجع في صفوف حزبه, والذي قارنه بـ"كلال المعادن".

لاحظ موقع المونيتور أن الهوس بأردوغان تحول إلى كلال أردوغاني بحلول شهر يوليو, ومنذ ذلك الحين يستخدم معظم المثقفين عبارة "نهاية ملحمة حزب العدالة والتنمية" كطريقة دقيقة لشرح الهيكل السياسي المنحل.
 
منذ شهر يوليو, ارتفع الانزعاج, برغم وجود رقابة مؤسسية على الإعلام. لم تنفد الأفكار لتحميس الجماهير من حزب العدالة والتنمية وحسب, بل إنه يختبر تآكل لنواته الأيدولوجية، تحديدًا حركة الإخوان المسلمين الإسلاموية. يبقى أردوغان, الذي يُعتبر جوهر حزب العدالة والتنمية, بلا منازع, لكن هو وشعاراته فقدوا تأثيرهم. يبدو أن الجماهير في كل مدينة يزورها أردوغان تهتف له وتصفق بنهاية كلمته, لكن توجد علامات على الاستياء.
 
على سبيل المثال, في 15 ديسمبر, أثناء إلقاء كلمة في اسطنبول, سأل أردوغان الحشود: "إلى من يتطلع العالم الإسلامي؟" وبعد فشله في الحصول على إجابة, قال: "أنتم صامتون؛ إلى أين تتجه أنظارهم؟ بالطبع تتجه أنظارهم إلى تركيا."
 
وفي يوم 24 ديسمبر, أثناء إلقاء خطاب في مدينة شرناق ذات الأغلبية الكردية, غضب أردوغان من الجماهير بسبب تهليلهم في اللحظة الخطأ. لقد تذكر كيف أن شرناق حصلت على تصويت بالموافقة بنسبة 28% فقط على الاستفتاء الدستوري في شهر أبريل والذي وسع السلطات الرئاسية. إن الرد في غير موضعه -من جمهور غير مهتم يهتف بدافع العادة وليس الحماس- أزعج الرئيس بوضوح, لكن الجماهير استمروا في التصفيق والتهليل. توقف أردوغان وقال: "لماذا صفقتم؟ أعتقد أنه سوء فهم".
 
هناك عدة مؤشرات على أن الحشود التي تتجمع للهتاف لأردوغان تخذله ببطء, لأن الأفكار الجديدة ووعد التضامن التي قدمها الإخوان المسلمون لم تعد تنجح في تركيا.
 
توجد ستة أمثلة رئيسية لشرح كيف أن الإخوان المسلمين الآن يحتضرون على أجهزة الإنعاش في تركيا.

أولًا, إبعاد الأكراد في تركيا. كان أحد أكبر الوعود التي قطعها حزب العدالة والتنمية هو احتضان كل مسلم وإنهاء إراقة الدماء في جنوب شرق تركيا في الحرب مع حزب العمال الكردستاني بالتحديد. إلى أن تمكن حزب الشعوب الديقراطي الموالي للأكراد من دخول البرلمان التركي, افتخر حزب العدالة والتنمية بتمثيل الأكراد. مع هذا انهارت عملية السلام ولم يظهر حزب العدالة والتنمية مجهودًا كافيًا لإعادة البدء فيها. بدلًا من هذا, اختار أردوغان تشكيل تحالف مع حزب الحركة القومية المتطرف, والمعروف أيضًا بالذئاب الرمادية, مما نتج عنه المزيد من التدمير للمدن الكردية.
 
في الوقت نفسه, ينبغي عزو الفضل لحزب العدالة والتنمية في فتح مجالات عامة اجتماعية وثقافية لمختلف الجماعات الإسلاموية. على مدار الأعوام, من أجل الدفاع عن الإسلام وتقوية قاعدته -أثناء محاربة الأحكام والتشريعات العلمانية المتطرفة- شجع حزب العدالة والتنمية عدة تنظيمات دينية. لعقود, تركز معظم الإهتمام على الجهد للسماح للمرأة بارتداء الحجاب في الأماكن العامة. لكن محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016 أظهرت أن الحركات الإسلاموية المختلفة -في هذه الحالة تحديدًا, حركة غولن- قد اخترقت مؤسسات الدولة بشكل موسع. إن جهود حزب العدالة والتنمية المضنية لتخليص الهيئات الحكومية من حركة غولن (التي تشير إليها تركيا الآن على إنها تنظيمًا إرهابيًا) تُظهر لنا أن هؤلاء الإسلامويين كانوا في الحقيقة مسئولين عن عدة هيئات حكومية لعقود. توجد الآن علامات على أن جماعات إسلاموية أخرى تحل محل هذه الحركة.
 
يقلّب أردوغان الجماعات الإسلاموية ضد بعضها البعض. على سبيل المثال, في 20 يناير, أعلنت الجريدة الرسمية أن 256 وقفًا معفيًا من الضرائب, من ضمنهم الطائفة الإسماعيلية ووقف الأنصار, تم منحهم مكانًا في بروتوكول رسمي للاحتفالات الوطنية. تم إنشاء الكثير من الأوقاف الدينية الأخرى في عهد حزب العدالة والتنمية, والتي تناصر معظمها مذاهب إسلامية أكثر تحفظًا من الإخوان المسلمين. باختصار, السبب الثاني لضعف الإخوان في تركيا هو ببساطة تنوع الجماعات الإسلاموية وقياداتها, على الرغم من أن ولا واحدة منها تتحدى أردوغان أو تطلب صراحة حل محل شبكات الإخوان. تتنافس المساجد والجماعات البديلة التي تعمل تحت مظلة الأوقاف وتكمل خدمات الهيئة الدينية الأعلى في تركيا, رئاسة الشئون الدينية (ديانت).
 
السبب الثالث لمكانة الإخوان المسلمين الضعيفة هو فشل حلم أردوغان: تنشئة جيل متدين. تم تأسيس مئات المدارس الدينية (مدارس إمام وخطيب) في جميع أنحاء البلاد, لكن جودة التعليم الذي تقدمه كانت غير مُرضية وانخفضت نسبة الالتحاق إلى 30%. لم تستطع الحكومة توفير بديل لهذا المدارس.
 
السبب الرابع هو فشل الحزب في الوفاء بوعوده الاقتصادية. بالرغم من معدلات النمو الوطني الرائعة والمشروعات الضخمة, إلا أن الاقتصاد التركي يصارع: مستويات التضخم والبطالة في خانة العشرات, والليرة التركية تخسر أمام اليورو والدولار الأمريكي, والمزارع تختفي بسبب الجفاف. مؤخرًا, كانت هناك حوادث قليلة حيث قاطع العمال المطالبون بوظائف دائمة حشود أردوغان. حاول أحد عمال البناء العاطلين إشعال النار في نفسه أمام مبنى البرلمان يوم 12 يناير. لقد أخبر وسائل الإعلام أنه كان عضوًا في حزب العدالة والتنمية وفي حاجة ماسة لوظيفة.
 
التفسير الخامس هو عجز حزب العدالة والتنمية عن إعادة هيكلة نفسه والسيطرة على المحسوبية المتفشية. على الرغم من صراع أردوغان لتجديد كوادر الحزب والساحة السياسية, يستمر عدد الأشخاص الذين يحصلون على مناصب في الحكومة والقطاع الخاص بسبب علاقاتهم الأسرية في الارتفاع. داخليًا, يبدو أن هناك خلافات مريرة وتنافسات صبيانية بين كبار أعضاء حزب العدالة والتنمية.
 
وأخيرًا وليس آخرًا تأثير الدومينو، وهو, شبكات الإخوان التركية التي تم إضعافها بالهزائم الإقليمية للحركة. مصر, وتونس, وسوريا, وقطر وحماس واجهوا جميعهم تحدياتهم الخاصة منذ ثورات الربيع العربي في 2011. حاولت حكومة حزب العدالة والتنمية استضافة المعارضين ومساعدة قادة الإخوان على جبهات متعددة, لكن لم تنجح. على وجه التحديد, سجن الرئيس المصري الأسبق, محمد مرسي, وفشل الإخوان في سوريا أعاق خطاب جماعة الإخوان التركية ومقاومتها.
 
في تركيا, لم تتم الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين على يد قوى إمبريالية أو جماعات علمانية مسلحة. إن تآكلها التدريجي مسألة داخلية. كانت شبكة الإخوان قائمة على تضافر وتعاون المجتمع المدني لملء الفراغات التي نشأت في المناطق التي أهملتها الدول مثل الرعاية الصحية, والتعليم والاحتياجات الأساسية الأخرى للمجتمعات. كانت الفكرة الأصلية هي تقديم قدوة يُحتذى بها ومساعدة الجميع. مع هذا في تركيا, بعد الحصول على سلطات وموارد الدولة, توقفت هذه الشبكات غير الرسمية تدريجيًا عن التوسع وأصبحت أدوات فعالة فقط في حشد الجماعات حول الحزب السياسي وصندوق الاقتراع.
 
بينما تطور حزب العدالة والتنمية تدريجيًا لحكم الرجل الواحد, فقدت جماعة الإخوان المسلمين التركية تضامنها. إلا أن هذا لا ينبغي أن يُفسر على إنه نهاية الإسلاموية في تركيا أو على إنه خسارة لمعقل أردوغان في البلاد. إنه يعني أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعد المحرك لانتصارات حزب العدالة والتنمية الانتخابية. وبالتالي, سوف يحتاج أردوغان للمزيد من اللحظات التي يلتف فيها الحشد حول العلم, مثل محاولة الانقلاب في يوليو 2016, أو العملية العسكرية في عفرين, سوريا.

المصدر - المونيتور

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق