هل تتجه إيران نحو أزمة مائية؟


٢٨ يناير ٢٠١٨ - ٠٤:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

يمكن القول بأن الجملة الأكثر أهمية في اللغة الفارسية هي "الأب أعطى الماء". وهذه هي الجملة الأولى التي يتعلمها الأطفال الإيرانيين عندما يتعلمون القراءة والكتابة. وبعيدا عن بساطتها الصوتية، فإنه يحدد الإحساس بالتزام الآباء تجاه أبنائهم. كما أنه يضع توقعا بأن يهتم كبار السن بالشباب وأن القوة ستهتم بالعجز. وبمعنى آخر، فإن جملة "الأب أعطى الماء" أصبحت التعبير الأكثر وضوحًا للوعود الاجتماعية في إيران، فاليوم، تكافح الحكومة الإيرانية لتوفير المياه لشعبها.

في تقييم الخبراء، إيران على شفير "إفلاس مائي"، وهو المصطلح الذي يعكس المشاكل الاقتصادية في البلاد. ففي ورقة بحثية عام 2016، أكد كل من كاوه مدني، وأمير أغاكوشاك، وعلي ميرتشي بأن أزمة المياه في إيران في معظمها من صنع الإنسان، على الرغم من تفاقمهما بسبب تغير المناخ.

إن العوامل المؤثرة في أزمة المياه لا تعد ولا تحصى، وتشمل النمو السكاني، والتحضر، وضعف البنية التحتية، والزراعة غير الفعالة، وغياب إلى الحكم السليم، وسلوكيات التبذير. وفي ضوء هذه التحديات، يحذر المؤلفون من أنه "لن يوجد حل منفرد" لمشاكل المياه في إيران ... ومن أجل حل هذه القضايا، من الضروري تبني نهج تجميعي يستهدف تنفيذ استراتيجيات متزامنة متعددة".

والجدير بالذكر أن كاوه مدني هو الآن نائب رئيس إدارة البيئة في إيران، وقيادته النشطة في هذه القضية تدل على زيادة التعاون بين المنظمات الحكومية والتجارية ومنظمات المجتمع المدني في محاولة لتخفيف حدة الأزمة. إن مشاهد المجتمعات الإيرانية التي تصلي من أجل المطر، وإمكانية الربط بين انعدام الأمن في المياه والاحتجاجات الأخيرة، تؤكد الطبيعة الملحة للمهمة المطروحة. ومع وصول الأزمة إلى نقطة حرجة، قد تصبح الاستجابة أكثر تنظيما. ويقترح المؤلفون ما يلي:

الأحداث المتطرفة المؤدية إلى زيادة الضغط والوعي العام يمكن أن تقلل التكلفة السياسية للتغييرات التنظيمية الراديكالية، وعلى الرغم من أن الأحداث والأزمات المتطرفة مدمرة ومكلفة على المدى القصير، يمكن أن تكون لها فوائد طويلة الأجل إذا لم ينهار النظام الإداري قبل تطبيق الإصلاحات

إن الفكرة القائلة بأن الأحداث المتطرفة المتصلة بأزمة المياه يمكن أن تؤدي إلى انهيار "النظام" قد غذت خيال جماعات معينة. ومن بين الأمثلة على ذلك المقال الأخير للكاتب الأمريكي توماس فريدمان، الذي فتح بشكل غريب نقاشًا حول أزمة المياه في إيران، من خلال تخيل تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول هذه القضية. وقد كان أقل تفصيلا بكثير من تحقيقه في مايو 2013 حول الدور الذي قد يلعبه الجفاف في الحرب الأهلية السورية. وذلك لأن فريدمان كان قادرا على تقديم تقارير واقعية في سوريا، أما في مقاله حول إيران فيعتمد بشكل مكثف على الاقتباسات من تقارير صحفية مختلفة عن الأزمة من أجل جعل موضوعه أسهل نوعًا ما.

ويعتقد فريدمان أن أزمة المياه هي رمز لمجموعة أوسع من الإخفاقات الاجتماعية في إيران. وهذا أمر بديهي. ولكن الأقل وضوحًا هو دافعه وراء تسليط الضوء على هذه الحقيقة. فلم يكن فريدمان أول معلق ناقد للحكومة الإيرانية يسلط الضوء على أزمة المياه. وإلى هذه النقطة، فإن مصدره الرئيسي في هذا المقال هو نيك كوسار، الناشط السياسي الذي يدير موقعا مكرسا لأزمة المياه في إيران والمعارض للجمهورية الإسلامية.
 
خلال العام الماضي، كانت أزمة المياه نقطة اتصال في التعليقات ووسائل الإعلام الاجتماعية لشخصيات من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومتحدون ضد إيران النووية، والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، و رضا بهلوي، ابن شاه إيران الأخير.

وتتجاهل هذه الجماعات، في إشاراتها إلى أزمة المياه وكتاباتها، الجهود البناءة التي يبذلها المسئولون الحكوميون ورجال الأعمال البارزون وأعضاء المجتمع المدني لإيجاد حلول للأزمة. ولنكن واضحين، فهذه هي جهود الأقلية المصممة، وليست جهود المؤسسة ككل. ولكن من خلال عدم تقديم أي اقتراحات مفيدة حول كيفية استفادة الإيرانيين من أقرانهم الدوليين في جهودهم العاجلة، فإن المدافعين يرفضون فكرة التحسين بعيدا عنهم.

هذه التجاهلات تكمن في استخدام أزمة المياه كدليل إضافي على ضرورة تغيير النظام. كما أعلن عن ذلك رضا بهلوي في مقال نشره عام 2017 في هافينجتون بوست:
 بسبب السياسات اللاإنسانية لحكام الجمهورية الإسلامية، لا يستطيع الملايين من المغتربين الإيرانيين المتعلمين أن يعودوا ويساعدوا على إنقاذ بلادهم الحبيبة من الكارثة ... هذا النظام السياسي الفاشل والفاسد الذي يحكم إيران يدمر وطننا، يجب أن نضع حدًّا لهذا من أجل الحفاظ على إيران للأجيال القادمة

إن تجاهل بهلوي الكامل للجهود المحلية التي تتصدى لأزمة المياه، والاقتراح المهين بأن "المغتربين الإيرانيين المتعلمين" فقط يمكنهم المساعدة في منع وقوع الكارثة، يشير إلى السخرية القابعة في قلب هذه المناشدات للحصول على المساعدة. إذا كانت الحكومة الإيرانية ستحدث تغييرا جذريا في سياساتها وتحرز تقدما في تحسين أمن المياه، فمن المستبعد جدا أن تجد شخصيات مثل بهلوي أي راحة في تلك الأخبار. ووفقا لهذه الصيغة المريبة، فإن حل أزمة المياه يتطلب تغييرا في النظام السياسي الإيراني.

ومع ذلك، فإن كون سوء إدارة الموارد الطبيعية نتيجة فشل الحكم ليس جديدًا على الجمهورية الإسلامية. وحتى في الولايات المتحدة، فإن نقص المياه يهدد الولايات الجنوبية الغربية، ويمكن للحكومات المحلية أن تفشل في توفير مياه الشرب المأمونة حتى عندما تكون وفيرة، كما هو الحال في فلينت، ميشيجان.
 
ولحسن الحظ، أثبت المجتمع الدولي استعداده للبحث عن حلول في ظل المناخ السياسي الحالي. وقد اضطلع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعمل مكثف لتعزيز الزراعة المستدامة التي تستخدم كميات أقل من المياه واستعادة مياه بحيرة أورميا، بدعم مالي من اليابان. وفي سياق التجارة والاستثمار ما بعد العقوبات، حددت حكومات النرويج والدنمارك وهولندا والنمسا إدارة المياه باعتبارها مجالا رئيسيا للتعاون. وفي ديسمبر 2016، اعتمد الاتحاد الأوروبي وإيران إطارا للتعاون التقني بشأن البيئة.

لكن المجموعات نفسها التي سعت من ناحية لتسليط الضوء على أزمة المياه في إيران، اتخذت من جهة أخرى خطوات لمنع وصول هذا التعاون الدولي إلى إيران. على سبيل المثال، سعت مجموعة متحدون ضد إيران النووية لتشويه شركة فيوليا الفرنسية وذلك لنيتها دخول السوق الإيرانية. وشركة فيوليا هي إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال إدارة المياه، حيث تمتلك مجموعة من التقنيات التي يمكن أن تحسن بشكل كبير من كفاءة البنية التحتية للمياه البلدية في إيران. وبصفة عامة، أدت معارضة هذه الجماعات لإعادة إدماج إيران في الاقتصاد العالمي، واستهداف الشركات والمنظمات التي تسعى إلى العمل في إيران، إلى عرقلة توفير التكنولوجيات الحيوية والاستثمارات التي تشتد الحاجة إليها لتعزيز أفضل السبل لإدارة المياه. وعلى النحو المبين في إحدى الحلقات النقاشية التي أجريت مؤخرًا في المجلس الأطلسي، كان لابد من تقليص التبادلات العلمية الأساسية، التي أثبتت وجود قناة مرنة للحوار بين الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك المبادرات الأكاديمية المتعلقة بإدارة المياه.

لقد سعت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة إلى ضمان ألا يحظر برنامج عقوباتها "تسليم المساعدات الإنسانية وصادرات السلع الإنسانية إلى إيران". وقد اقتصر نطاق المساعدات الإنسانية إلى حد كبير على المواد الغذائية والأدوية وتكنولوجيات الاتصالات (بنية تشجيع الحريات الديمقراطية). ومع ذلك، ونظرًا لتفاقم أزمة المياه في إيران وتأثيرها البشري الواضح، أصبحت هناك أسباب قوية للتكنولوجيات المتعلقة بإدارة المياه وما يصاحبها من تدريبات ومساعدات تقنية ينبغي تغطيتها بموجب الترخيص العام الإنساني. و يمكن أن تساعد مثل هذه الخطوة على التأكيد على التزام الحكومة الأمريكية برفاهية الشعب الإيراني، كما أنه سيساعد على تسهيل تدفق المساعدات من أطراف ثالثة، وخاصة الدول الأوروبية.

وفي أثناء الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ذهب بهلوي إلى الكونجرس الأمريكي  للضغط من أجل هذا التوسع في سياسة ترخيص وزارة الخزانة حول تقنيات الاتصالات. وقد أقدم على هذه الخطوة لأنه يسعى لإعطاء الإيرانيين الأدوات التي يعتقد أنهم سيستخدمونها للإطاحة بحكومتهم. ولكن أليس من الأفضل أن يبذل جهده، هو ومن على شاكلته، للمساعدة في ضمان حصول الآباء في إيران على المياه لإعطائها لأطفالهم، حتى لو تدفق الماء من البحيرات والأنهار في بلد يدعى جمهورية إيران الإسلامية؟!

المصدر - lobelog

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق