كيف يمكن لبنغلاديش المساهمة في تحسين أمن المحيط الهندي؟


٠٥ فبراير ٢٠١٨ - ٠٤:٤٨ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - ناشيونال إنترست

ترجمة - شهاب ممدوح


نظرًا لتحوُّل استراتيجية الولايات المتحدة واهتمامها أكثر فأكثر من منطقة آسيا-المحيط الهادئ، نحو منطقة الهند-المحيط الهادئ، فإن دول جنوب آسيا والمحيط الهندي المهملة منذ زمن طويل، باستثناء الهند وباكستان، ستحظى بأهمية جيوسياسية أكبر في السنوات المقبلة. ومن بين هذه الدول، المملكتان الحبيستان في جبال الهيملايا "نيبال" و"بوهتان" الواقعتان شمال الهند، بالإضافة إلى جزيرتي سريلانكا والمالديف في الجنوب. لكن الدولة الأكبر وربما الأكثر أهمية في هذه المجموعة، تقع في الشرق: بنغلاديش.

تعتبر بنغلاديش ثامن أكبر دولة من حيث عدد السكان -نحو 165 مليون نسمة- ويعادل حجم سكانها إجمالي عدد سكان كل من بريطانيا وفرنسا وكندا. كما أنها رابع أكبر دولة من حيث عدد السكان المسلمين، بعد إندونيسيا والهند وباكستان. (هذا تذكير مفيد بأن معظم مسلمي العالم يعيشون خارج الشرق الأوسط).

إن الاخبار الجيّدة نادرًا ما تجد طريقها إلى صدر صفحات الصحف في واشنطون، وهو ما قد يفسّر السبب في أن بنغلاديش لا تحظى باهتمام كبير. تشهد بنغلاديش نموًا سريعًا، سريعًا جدا. إذ وصل نموها الاقتصادي في العام الماضي 7،1 بالمائة، وتجاوز نسبة 6 بالمائة خلال عقدين متتاليين، ما أدى لانتشال خمسين مليون مواطن من الفقر المدقع. واستشرافًا للمستقبل، تتوقع شركة "برايس ووتر هاوس كووبرز" (PricewaterhouseCoopers) أن تكون بنغلاديش واحدة من بين الاقتصاديات الأسرع نموًا حول العالم حتى عام 2050، ولا تسبقها سوى الهند وفيتنام.
 
وبالرغم من تزايد النمو، إلا أن القضية التي تحتل موقع الصدارة في أذهان معظم البنغلاديشيين الآن هي الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحملة العسكرية الوحشية في دولة بورما المجاورة. دفعت الهجمات التي قام بها الجيش البورمي، بداية من أواخر عام 2016، ضد أقلية الروهينجا أكثر من 650 ألف لاجئ للفرار والمكوث في معسكرات مؤقتة في بنغلاديش. اتهم وزير الخارجية الأمريكي "ريكس تيلرسون" الحكومة البورمية في شهر نوفمبر الماضي باتباع حملة "تطهير عرقي" ضد أقلية الروهينجا المسلمة.

تكافح بنغلاديش لمساعدة هذا العدد الضخم من اللاجئين، وتشعر بالصدمة مما تعتبره حملة منظمة يقودها الجيش البورمي. عبّرت "دكا" عن امتنانها لواشنطون لدعمها الذي قدمته أثناء الأزمة، لكنها تشدد على أن الضغط الدولي على النظام البورمي يجب أن يتواصل. تعقد بنغلاديش وبورما في الوقت الراهن مفاوضات للتوصل لاتفاق بشأن إعادة اللاجئين، ما سيسمح بعودة لاجئي الروهينجا بشكل تدريجي لمعسكرات مؤقتة في بورما، لكن لم يجر بعد الاتفاق على التفاصيل. لكن "دكا" ما تزال تخشى من أن هذا الاتفاق الطوعي لن يُكتب له النجاح من دون ضغط دولي مستمر.  

يشكّل المسلمون في بنغلاديش، مثلها مثل باكستان، ما يزيد على 90 بالمائة من السكان. لكن خلافًا لباكستان، اعتمدت بنغلاديش سياسة عدم التسامح مطلقًا مع الإرهاب الإسلامي. لكن الحال لم يكن كذلك دائما. إذ كانت الجماعات الإسلامية تتحرك بحرية أكثر في بتغلاديش أثناء حكم "حزب بنغلاديش القومي"، الذي حكم البلاد في الفترة بين 2001 و2006. لقد اتُهم الحزب بإقامة علاقات مع جماعات متطرفة مثل "الجماعة الإسلامية"، وبغضّ الطرف عن جماعات متطرفة أكثر عنفًا مثل "جماعة المجاهدين في بنغلاديش".

لقد تبنّت حكومة حزب "رابطة عوامي"، الذي يتولى السلطة الآن، موقفًا أكثر حزمًا تجاه الجماعات الإسلامية، كما كثفت الحكومة من إجراءاتها منذ التفجير الإرهابي الذي وقع في شهر يوليو عام 2016، والذي استهدف أحد المقاهي في العاصمة "دكا" ما أدّى لمقتل اثنين وعشرين شخصًا، وهو الهجوم الإرهابي الأكثر دموية في تاريخ البلاد. مع ذلك، ما تزال العديد من الجماعات المسلحة الإرهابية والمتطرفة المرتبطة بجماعات أخرى خارج الحدود، تشكّل تهديدًا ضد بنغلاديش والمنطقة.

وقعت الولايات المتحدة وبنغلاديش "مبادرة التعاون لمكافحة الإرهاب" في عام 2013، كما وصف مسؤولون أمريكيون منذ ذلك الوقت بنغلاديش بأنها "نموذج إقليمي في مجال التعاون في مكافحة الإرهاب". كما سارع مسؤولون في "دكا" لمدح التعاون في مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة، والذي يشمل برنامج تدريب يشرف عليه حاليا مكتب "الأف بي آي" فضلا عن برنامج آخر تشرف عليه قيادة العمليات الخاصة الأمريكية. في غضون ذلك، تدرس الحكومة تزويد شرطتها الاتحادية بقدرات جديدة لمكافحة الإرهاب. إن مكافحة الإرهاب هو مجال ذو إمكانيات نمو كبيرة بالنسبة للعلاقات الأمريكية-البنغلاديشية في السنوات القادمة.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن الشعب البنغلاديشي هو من أكثر الشعوب تأييدًا للولايات المتحدة في المنطقة، ويشعر المسؤولون في "دكا" بالحماس بشكل عام إزاء تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. وهم يتوقون بشكل خاص لزيادة التجارة المتبادلة، وتخفيف القيود التجارية، وتقليل الرسوم الجمركية، وتشجيع المزيد من الاستثمارات الأمريكية في قطاعات الطاقة. تعتبر الولايات المتحدة بالفعل أكبر مستورد للبضائع البنغلاديشية، كما أبرم الطرفان معاهدة الاستثمار الثنائية واتفاق تجنب الازدواج الضريبي.

يشكّل قطاع الملابس والمنسوجات 80 بالمائة من مجمل صادرات بنغلاديش، لكن صادرات المنسوجات للولايات المتحدة تخضع لرسوم جمركية مرتفعة تصل ل 32 بالمائة. تسعى "دكا" للوصول إلى السوق الأمريكي من دون فرض رسوم جمركية على منتجاتها، تماما كما فعلت الولايات مع بعض الدول الأفقر في إفريقيا. لقد أُعفيت نسبة قليلة من صادرات بنغلاديش من الرسوم وفقًا لــ"نظام الأفضليات المعمم"، لكن إدارة أوباما علّقت عضوية بنغلاديش في هذا النظام عام 2013، للضغط على "دكا" لإجراء إصلاحات قضائية وعمالية.

في غضون ذلك، ما يزال التعاون الدفاعي بين بنغلاديش والولايات المتحدة يمثل موطن قوة ومجالاً ذا إمكانيات نمو كبيرة. إذ يمتلك الطرفان بالفعل "حوار شراكة" رفيع المستوى فضلا عن "الحوار بشأن المسائل الأمنية". لقد أرسلت الولايات المتحدة زورقين لخفر السواحل البنغلاديشي عام 2013 و2015، بينما اشترك سلاح البحرية البنغلاديشي مع قيادة المحيط الهادئ الامريكية خلال عمليات التدريب البحرية المعروفة اختصارًا باسم "كارات" (CARAT).

إن النمو في علاقات بنغلاديش الخارجية لا يقتصر فقط على الولايات المتحدة. إذ خطت بنغلاديش خطوات كبيرة في السنوات الأخيرة لتحسين العلاقات مع جارتها الهند. إذ وقّع البلدان في عام 2015 اتفاقًا تاريخيًا لتبادل الأراضي الحدودية. وقبل ذلك بعام، قبلت دكا ودلهي قرارًا صادرًا من محكمة الأمم المتحدة يقضي بتعيين الحدود البحرية المتنازع عليها بينهما.

شدّد وزير النقل البحري البنغلاديشي في عام 2016 على أن بلده بحاجة إلى "علاقات ثنائية أقوى مع الهند" لحماية بنغلاديش من أي عدوان خارجي"، لافتًا إلى أن باكستان "تخطط لمؤامرة ضدنا". تجري الهند وبنغلاديش في الوقت الراهن تدريبات عسكرية مشتركة، كما اتفق البلدان في عام 2017 على زيادة التعاون الدفاعي فيما بينهما.

ومن المفارقات، أن بنغلاديش تحظى بعلاقات قوية نوعا ما مع الصين. لكن هذه العلاقات بالتأكيد تقوم بشكل أساسي على التجارة والمعاملات مقارنة مع روابط الصداقة "الشاملة" بين الصين وباكستان. مع ذلك، فإن نحو 80 بالمائة من واردات بنغلاديش من الأسلحة تأتي من الصين.

وفي عام 2016، أجرت سفن حربية صينية أول زيارة لها على الإطلاق لبنغلاديش، كما اشترت "دكا" في السنوات الأخيرة من الصين عددًا من السفن الحربية، وزوارق الدورية، فضلا عن غواصتين من طراز "Ming-Class". (عرضت الهند تدريب طاقم الغواصتين).   

تخيّم مبادرة "الحزام والطريق" الصينية بشدة على المنطقة. ترغب بنغلاديش، التي ما تزال إحدى أفقر البلدان حول العالم، بطبيعة الحال، للترويج لمسألة تطوير البنى التحتية والترابط الإقليمي. وتسعى للحصول على استثمارات ضخمة أينما وُجدت، وتعتبر الصين، في الوقت الراهن، هي اللاعب الوحيد في الساحة.

مع ذلك، هناك بعض الشكوك في "دكا" بشأن التداعيات الإستراتيجية الأوسع نطاقًا لمشروع "الحزام والطريق"، ومخاطر سقوطها في "مصيدة الديون" الصينية، والأساليب الملتوية التي تتبعها الشركات الصينية. ففي الأسبوع الماضي فقط، أدرجت "دكا" (شركة الصين لهندسة الموانئ) العملاقة المملوكة للدولة على القائمة السوداء، بعد أن حاولت الشركة، بحسب التقارير الإخبارية، تقديم رشوة لوزير الاتصالات البنغلاديشي.

وفي سريلانكا القريبة، اتُهمت الشركة ذاتها بتقديم 200 مليون دولار بصور غير قانونية، للمساعدة في إعادة انتخاب الرئيس "ماهيندا راجا باشكا" الموالي للصين في عام 2015. وفي العام 2006، أدرجت "دكا" شركة صينية أخرى- شركة Harbin Electric International- على القائمة السوداء بسبب عملها (أو انعدام عملها) في بناء محطة للطاقة في بنغلاديش.

الجدير بالذكر أن اليابان فازت مؤخرا بمشروع تبلغ تكلفته مليارات الدولارات لبناء ميناء، ومنصة غاز طبيعي مسال، ومحطة طاقة تعمل بالفحم في منطقة "ماتارباري"، ما يقوّض الاقتراحات الصينية لبناء أو تحديث موانئ في منطقة "تشيتاجونج" ومنطقة "سوناديا" القريبة.

محيط هادئ-هندي حرّ ومنفتح

مع ترويج إدارة ترمب لإستراتيجية "محيط هادئ- هندي حر ومنفتح" الجديدة، سيكون لدى بنغلاديش فرص جديدة لتنويع مصادر الاستثمار، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وترسيخ مكانتها كمساهم أساسي في الأمن في المحيط الهندي. وهذا المفهوم الأخير ينبغي أن يكون أمرًا سهلاً وطبيعيًا بالنسبة لبنغلاديش، نظرًا لكونها أكبر مساهم في مهمات حفظ السلام الأممية على مستوى العالم.

وفي هذا الصدد، ينبغي على "دكا" أن تدرس إعلان دعمها الصريح لإستراتيجية إدارة ترمب "محيط هادئ- هندي حر ومنفتح" فضلا عن رؤية الإدارة الخاصة بالبنية التحتية في المنطقة. تشدد تلك الرؤية على الشفافية والتمويل المسؤول ومعايير الجودة العالية، وهي الأمور التي يقول المنتقدون إن مشروع الحزام والطريق يفتقر إليها.

من جانبها، ينبغي على إدارة ترمب أن تدرس زيادة عدد زيارات الموانئ، وعمليات التبادل الدفاعي رفيعة المستوى مع بنغلاديش، فضلا عن التدريبات العسكرية الثنائية والثلاثية، التي قد تشمل الهند و/ أو اليابان. يمكن أيضا دراسة منح بنغلاديش صفة العضو المراقب في تدريبات "مارلبار" السنوية التي تجريها الهند والولايات المتحدة واليابان. أعلنت طوكيو، وهي شريك مهم للولايات المتحدة في استراتيجية "محيط هادئ- هندي حر ومنفتح" مؤخرا أنها ستنشر "فرق تعاون متنقلة" في سريلانكا وجيبوتي لتعزيز التعاون الخاص بالأمن البحري، ويمكن لبنغلاديش ان تكون مرشحًا مثاليًا في حال توسيع هذا البرنامج. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق