لماذا تشتري الصين موانئ أوروبية؟


٠٦ فبراير ٢٠١٨ - ٠٤:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - فورين بوليسي

ترجمة - شهاب ممدوح



كثيرًا ما يتعرض مشروع الصين الشهير للسياسة الخارجية, المعروف باسم "مبادرة الحزام والطريق", والبالغ تكلفته تريليون دولار, للسخرية, باعتباره مجرد مفهوم غامض ليس له وجود حقيقي على الأرض.

لكن, في الموانئ التي تشهد نشاطًا كثيفًا بداية من سنغافورة وصولاً لبحر الشمال, تعمل الشركات الصينية المملوكة للدولة على تحويل تلك الفكرة إلى حقيقة عبر سلسلة من عمليات الاستحواذ المحمومة التي باتت تعيد رسم خريطة التجارة العالمية والنفوذ السياسي.

أجرت شركتان صينيتان عملاقتان تملكان الكثير من المال, وهما شركة كوسكو للشحن البحري وشركة موانئ الصين القابضة (China Merchants Port Holdings), مؤخرًا عمليات شراء محمومة, إذ تم شراء محطات بحرية في المحيط الهندي, والبحر الأبيض المتوسط, وفي حافة الأطلسي. في الشهر الماضي فقط, أنهت شركة كوسكو عملية الاستحواذ على محطة "زيبروج" البحرية, وهي ثاني أكبر ميناء في بلجيكا, ما يمثل أول موطئ قدم لتلك الشركة الصينية في شمال غرب أوربا.

هذه الصفقة أعقبت مجموعة كبيرة من عمليات الاستحواذ في إسبانيا وإيطاليا واليونان خلال العامين الماضيين فقط. إن الشركات الصينية, التي كانت يوما ما تنشط فقط في السوق الصينية المحلية, باتت الآن تسيطر على عُشر طاقة الموانئ الأوربية.

إن صفقات شراء الموانئ هي أوضح دليل على خطط بكين الطموحة لإنشاء رابط مادي بين الصين وأوروبا عبر البحر والبر والسكك الحديدية والأنابيب. وتمثل تلك الموانئ الجزء البحري من مبادرة الحزام والطريق, إذ يبدأ هذا الطريق الذي يتلوى مثل الأفعى من بحر الصين الجنوبي, مرورًا بالمحيط الهندي, وعبورًا بقناة السويس, وصولا إلى المنطقة الرخوة في أوروبا.    

يقول "نيل دايفدسون"، كبير المحللين في شؤون الموانئ ومحطات الشحن البحري في مؤسسة "Drewry" للاستشارات البحرية، "بالنسبة لشركة مثل كوسكو, فإن تلك الصفقات تعتبر مربحة ماليًا, كما أن عمليات الشراء ستجعل أسياد تلك الشركات في بكين سعداء لأنها تصبّ في مصلحة مبادرة الحزام والطريق" مضيفًا أنه "في الأساس, هناك بُعد جيوسياسي لكل هذا".

بالنسبة للصين, التي ما تزال تنفض عن نفسها آثار ما ترى أنه قرن من الإذلال على أيدي الدول الغربية -والذي أفضى لفتح الموانئ الصينية بالقوة من جانب السفن الحربية الأوربية- فإن السيطرة على عصب التجارة الحديثة هو طريقة مّرضية لعودة الأمور لنصابها الصحيح.

يقول "بول فان دي بوتين", الخبير في شؤون الصين في معهد هولندا للعلاقات الدولية، "يبدو أن الهدف الأساسي هو التقليل من اعتماد الصين على العناصر الخارجية وزيادة نفوذ الصين حول العالم".

إن تصاعد النفوذ الصيني يخيف الكثيرين في أوروبا. فمع ارتفاع الاستثمارات الصينية بشكل حاد, يزداد تخوّف القادة الأوروبيين من أن الرئيس الصيني "تشي جي بينج"، يعمل على تحويل الثقل الاقتصادي الصيني إلى قوة سياسية. على سبيل المثال, منذ شراء شركة "كوسكو" لميناء "بيرايوس" اليوناني, الذي كان يسوده الهدوء يوما ما, بمبلغ مقداره مليار دولار, أصبحت الصين تعوّل على مساعدة اليونان لإجهاض إدانات الاتحاد الأوروبي الموجّهة ضد الصين في قضايا من بينها حقوق الإنسان وبحر الصين الجنوبي.  

والآن بعد أن باتت الشركات الصينية المملوكة للدولة تنشط في جميع أرجاء البحر المتوسط -بموازاة ضخّ استثمارات في وسط وشرق أوربا- فإن تلك المخاوف لن تزول.

يقول "تورلوك موني", الذي يغطي شؤون الموانئ العالمية لحساب مؤسسة "IHS Markit"، إن "حجم استثمارات مبادرة الحزام والطريق في البنى التحتية المهمة, يعني أن نفوذ الصين السياسي في هذه البلدان سيزداد" مضيفًا "هذا أمر مؤكد".

لقد كانت شركات الموانئ والشحن البحري الصينية يوما ما مجرد أسماك صغيرة في عالم يهيّمن عليه شركات عملاقة مثل إيه بي مولر ميرسك. (A.P. Moller-Maersk)، وشركة هوتشيسون بورتس “Hutchison (Ports. لكن في عام 2016, شكّلت الصين شركة وطنية عملاقة, وذلك عبر دمج الشركة الصينية للشحن عبر المحيطات (China Ocean Shipping) مع شركة الشحن الصينية (China Shipping Company)، وهو ما أدّى لولادة شركة "كوسكو", وهي مجموعة متشعّبة تضمّ خطًا للنقل البحري يحمل ذات الاسم, ومشغل للموانئ, فضلا عن أعمال شحن أخرى.  

الأمر لم يتوقف هنا: أنفقت الشركة في العام الماضي 6 مليارات دولار للاستحواذ على شركة منافسة أصغر حجمًا, أورينت أوفرسيز إنترناشيونال (Orient Overseas International) معززة بذلك من مكانتها في قطاع الشحن البحري. الآن, تسيطر شركة كوسكو على أحد أكبر شركات الشحن في العالم (والأكبر خارج أوروبا) وعلى أحد أنشط مشغلي الموانئ في العالم.

وعندما يتعلق الأمر بالموانئ, فإن شركة كوسكو لا تعتبر حتى أكبر الشركات الصينية المملوكة للدولة: تنقل شركة موانئ الصين القابضة (China Merchants Port Holdings) كميات أكبر من البضائع, وهي تنشط أيضا في الخارج, إذ اقتنصت تلك الشركة محطات شحن بحري في سريلانكا وجيبوتي والبرازيل, فضلا عن عمليات استحواذ سابقة أجرتها في أوربا.

تملك شركتا كوسكو وموانئ الصين القابضة ميزة تجعلهما متفوقتين على شركات أخرى منافسة معظمها أوربية: وصول سهل لكميات هائلة من المال الرخيص الذي تستخدمانه للمنافسة بقوة على شراء ممتلكات جذابة حول العالم. بإمكان الشركتين الحصول على قروض ذات فوائد منخفضة من البنوك الحكومية, كما يمكن لشركة كوسكو حتى الاستفادة من صندوق يبلغ حجمه مليارات الدولارات مخصص لتمويل مبادرة الحزام والطريق, يوفره بنك الصين للتنمية.

يقول "تورلوك مووني": "من منظور تجاري, فإن توفّر المال الرخيص والدعم الدبلوماسي الجيد يمنح مشغلي الموانئ الصينيين قدرة متزايدة على هزيمة المستثمرين المنافسين, والاستحواذ على الموانئ التي يرغبون بها".

إن هذه الحرية المالية تصبح مفيدة على وجه الخصوص, عندما يكون هناك ميناء مهم من الناحية الاستراتيجية لبكين, لكنه ليس جذاباً من الناحية التجارية لها. على سبيل المثال, انخفض حجم البضائع المنقولة في المحطة البحرية التي تملكها شركة موانئ الصين القابضة في جيبوتي, في النصف الاول من العام الماضي بالرغم من ازدهار أعمال تلك الشركة في مناطق أخرى. لكن جيبوتي تظل منطقة حيوية للصين, لأنها تحتضن القاعدة الصينية العسكرية الوحيدة في الخارج, ولأنها تشرف مباشرة على الممرات البحرية الحيوية للمحيط الهندي.

ويمضي "تورلوك مووني" قائلا: "في حالة المشاريع الموجودة في المناطق التي قد تكون لها قيمة إستراتيجية للحكومة الصينية, يمكن للشركات الصينية أن تجري عمليات استحواذ, وتستمر في الاستثمار في أصول حتى لو لم تكن هناك قيمة تجارية واضحة ستتحقق من وراء ذلك"

هذا لا يعني أن عمليات الاستحواذ المحمومة تتعلق فقط بالأوضاع الجيوسياسية.

يلفت "دروري ديفيدسون" إلى أنه عقب الضربة التي تلقتها شركات الشحن البحري بسبب انحسار النشاط التجاري في عام 2016- خسرت شركة كوسكو 1,4 مليار دولار في ذلك العام- كانت عوائد الموانئ أفضل حالاً.

ويمضي قائلا: "الموانئ والمحطات البحرية مربحة, لكن أعمال الشحن البحري تشبه شركات الطيران, فهي عمل تجاري ذو هامش ضئيل".

تأمل شركات مثل كوسكو في جني الكثير من المال من استثماراتها, عبر تحويل موانئ كانت يوما ما هادئة, إلى مراكز عملاقة لشحن البضائع. إذ حوّلت كوسكو ميناء "بيرايوس" اليوناني من مجرد ميناء معزول, ليصبح محطة نشطة ومهمة للشحن العابر, حيث تلتقي أوربا والشرق الأوسط وآسيا. تأمل الشركة في أن تفعل شيئا مشابهًا في غرب المتوسط عبر ميناء "فالينسيا" الإسباني, وفي شمال غرب أوربا عبر ميناء "زيبروج" البلجيكي.

لكن التوسّع الصيني في قطاعات حساسة في الاقتصاد الأوروبي, من بينها الموانئ والطاقة والتكنولوجيا الحديثة, زاد من قلق القادة الأوروبيين.

حذر رئيس المفوضية الأوروبية "جان كلود يونكر" في الخريف الماضي تحديدًا من عمليات الشراء الأجنبية لأصول مثل الموانئ, من دون ذكر اسم الصين. تعمل المفوضية لإيجاد طرق جديدة لتمحيص الاستثمارات الأجنبية في قطاعات حساسة.

ذهب الرئيس الفرنسي" إيمانويل ماكرون" لأبعد من ذلك -خلال زيارته الرسمية التي اجراها الشهر الماضي للصين- مشيرًا بوضوح إلى استحواذ الصين على بنى تحتية أوربية مهمة, داعيًا إلى تشكيل جبهة أوربية موحّدة. إذ نقلت وكالة "رويترز" عن ماكرون قوله إن " الصين لن تحترم قارة أو سلطة, طالما هناك بعض الدول الأعضاء التي تشرّع أبوابها بحرية".

إن عمليات الشراء الصينية لشركات محلية بالغة الأهمية, يمكن أن تؤدي لرد فعل عنيف -مثلما حدث عندما استحوذت الصين على شركة "كوكا" (Kuka) الألمانية لصناعة الروبوتات عام 2016- وذلك يعود إلى خشية الأوروبيين من استيلاء بكين على التكنولوجيا الحديثة التي تحتاجها الاقتصاديات الأوروبية للحفاظ على تفوقها.

يقول "فان دير بوتين"، من معهد هولندا, إن صفقات الموانئ, ومشاريع البنى التحتية الأخرى المرتبطة بمشروع "الحزام والطريق" في وسط وشرق أوروبا, تهدد بانفصال بعض الدول الأعضاء الضعيفة, سياسيًا عن الاتحاد الأوربي المترنّح أصلا.

ويضيف "بوتين" قائلا: "هناك مزيد من النقاشات الآن بشأن الآثار السياسية المحتملة للاستثمارات الصينية. لكن الاختلاف الكبير الآن هو وجود افتراض بأن الاستثمارات الصينية في دول البحر المتوسط ووسط أوروبا, ستؤثر على مواقفها تجاه الصين". 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق