العملات المشفرة... مسارات مجهولة لتمويل الإرهاب


١٣ فبراير ٢٠١٨ - ٠٦:٠٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية

المصدر - ناشيونال إنترست

ترجمة - بسام عباس


أثارت عملة البيتكوين، مع غيرها من العملات المشفرة، جدلاً شديدًا في الأشهر القليلة الماضية نظرًا لارتفاع أسعارها بصورة متزايدة. ففي حين تصب الصحافة قدرًا كبيرًا من الاهتمام حول أثرياء نظام التشفير الجديد أو الادعاءات المعتادة بأن الظاهرة برمتها ما هي إلا فقاعة مماثلة لهوس ثورة التيوليب لدى صانعي السياسات، فيما تنشغل السلطات التنظيمية بمجموعة مختلفة من الاهتمامات، ومنها: مدى إمكانية أن تستفيد المنظمات الإرهابية والإجرامية من هذه الأدوات المالية.

وهذه المخاوف مبررة. فقد اكتسبت بيتكوين سمعة سيئة كوسيلة للحصول على المخدرات وغيرها من المواد غير المشروعة من خلال أسواق الإنترنت المظلم مثل "طريق الحرير". وحتى يومنا هذا، لا يزال يستخدم البيتكوين في بعض الأحيان عند التعامل على مواقع الظل التي خلفت طريق الحرير. وفي مجال الإرهاب، طور الجهاديون تدريجيا الكيفية التي يمكن أن يستغلوا بها العمليات الخفية في مآربهم. ففي عام 2014، نشرت مقالة بعنوان "بيتكوين وصدقة الجهاد" على مدونة إلكترونية، طرحت أسبابا مختلفة للجهاديين لكي يتعاملوا بالبيتكوين، موضحا أن النظام المصرفي العالمي القائم "قد ألغى عمليات تمويل الجهاد على نطاق واسع" وقدَّم عملة البيتكوين كوسيلة للتحايل على هذا النظام. وكشفت أبحاث حديثة أن تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة تعتمد على بيتكوين كآلية جديدة لجمع الأموال من أجل الاستمرار.

واليوم، لم يعد البيتكوين العملة المشفرة المختارة عند إجراء المعاملات غير المشروعة أو محاولة لنقل الأموال دون إمكانية الكشف عنها. والعملة ليست مجهولة تماما. ولكنها تستخدم اسمًا مستعارًا. حيث يقوم المستخدمون بإرسال البيتكوين من "عنوانهم الإلكتروني" إلى عنوان آخر، مع تسجيل كل هذه المعلومات على دفتر حسابات عام. وقد أثبت باحثون في جامعة قطر وجامعة حمد بن خليفة أنه من الممكن استغلال عملية التسجيل هذه، حيث قالوا: إن "المعلومات التاريخية يمكن استخدمها لتحديد هوية المستخدم". فإذا أمكن للمرء أن يربط عنوان بيتكوين المستخدم ببعض معلومات التعريف (على سبيل المثال، عنوان بيتكوين المستخدم في حسابه عند تحويل العملة المشفرة إلى عملة مجازة)، وعندئذ يمكن الكشف عن هوية المستخدم.

ولذلك فقد انتقل من يحاولون إخفاء مساراتهم المالية إلى ما يعرف باسم "العملات الخصوصية": العملات المشفرة التي تم تصميمها لمنح المستخدمين الخصوصية في معاملاتهم المالية، حيث تعمل في كثير من الأحيان عن طريق حجب تفاصيل محددة من معاملات العملة المشفرة. وأكثر العملات المشفرة شهرة هي عملة مونيرو، التي تشفر عنوان المستخدم وتخلق عناوين وهمية لإخفاء المرسل الأصلي. كما يتم إخفاء حجم العملة التي يجري التعامل بها. وهذه العملة المشفرة آمنة جدًا، فعندما صادرت السلطات أرصدة ألفاباي، أحج أسواق الانترنت المظلم، لم تستطع تحديد حجم عملة مونيرو التي يمتلكها متعهد الخدمة.

ومن حسن الحظ، هناك مبالغة في خطر تنظيم داعش وغيره من التنظيمات التي تستخدم العملات الخاصة، في الوقت الراهن. وكما أوضح تقرير صادر عن مركز الأمن الأمريكي الجديد:

يسعى  الإرهابيون إلى نقل الأموال من أماكن خارج المواقع التي يعملون فيها إلى المناطق التي يخططون فيها ويشنون هجماتهم منها. وكثيرا ما يستخدمون طبقات عديدة من الوسطاء حتى لا يعرف المانح الأول والمتلقي النهائي أحدهم الآخر  يستخدم الإرهابيون الأموال لشراء الأشياء التي يحتاجونها للحفاظ على تنظيمهم أو شن هجماتهم. ولأنهم يقومون بذلك من خلال الاقتصاد العام، فإنهم غالبا ما يحتاجون إلى إعادة تحويل العملات المشفرة التي يحصلون عليها إلى عملات مجازة. وتقدم هذه الخطوة النهائية طبقة جديدة من التعقيد غير ضرورية فضلا عن زيادة احتمالية تعطيل عملياتها من خلال إضافة عناصر وكيانات إضافية إلى مصفوفة جمع التبرعات. ولكن السبب النهائي والأهم في أن الجماعات الإرهابية لم تستخدم العملات المشفرة على نطاق واسع هو أن هذه الجماعات، والإرهابيين المنفردين، لم يجدوا الحاجة للقيام بذلك. وما زالوا يبحثون عن إمكانية التحايل على القواعد العالمية التي تحكم تمويل الإرهاب، بسهولة وتكرار كافيين لكي لا تُستخدم العملات المشفرة. وهي تستغل التنفيذ غير الكامل للمتطلبات التنظيمية والمعايير العالمية في المصارف، وتستخدم شركات الخدمات المالية غير المرخصة وغير الخاضعة للرقابة، أو ببساطة يحملون كامل النقد. وطالما أن طرق تحويل القيمة هذه متاحة بسهولة، فليس هناك حاجة كبيرة للاستثمار في تقنيات جديدة معقدة لتحويل القيمة.

وبالمثل، فقد كشف تقرير أصدرته لجنة البرلمان الأوروبي العام الماضي أن "التكنولوجيا حديثة جدًا، وعلى أية حال تتطلب بعض المعرفة والخبرة الفنية التي لها تأثير رادع على الجماعات الإرهابية. إن الاعتماد على العملات المشفرة لتمويل الأنشطة الإرهابية له بعض التكاليف غير الجذابة".

وعلى هذا النحو، لا يزال الإرهابيون يفضلون الاستفادة من العملات التقليدية. وقالت جنيفر فاولر، نائبة مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب والجرائم المالية: "على الرغم من أن العملات المشفرة تستخدم في المعاملات غير المشروعة، فإن حجمها صغير مقارنة بحجم النشاط غير القانوني الذي يتم من خلال الخدمات المالية التقليدية". كما كشفت دراسة أجرتها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بالتعاون مع مؤسسة تحليل العملات المشفرة، أن "النسبة المئوية الإجمالية "للبيتكوين القذرة " المحددة التي تذهب لخدمات التحويل صغيرة نسبيا. ولم يتسن التحقق من المصادر غير المشروعة إلا بنسبة 0.61 % فقط من الأموال التي تدخل خدمات التحويل خلال السنوات الأربع التي جرى تحليلها، حيث سجلت أعلى نسبة (1.07 % ) في عام 2013".

ومع ذلك، بدأت الهيئات التنظيمية وسلطات مكافحة الإرهاب في التخطيط للمستقبل تحسبا من أن تكتسب العمليات المشفرة زخمًا لدى الإرهابيين في يوم من الأيام. وفى كلمته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الشهر الماضي دعا وزير الخزانة الامريكي ستيفن منوشين الدول الاخرى للانضمام الى للولايات المتحدة في مساعيها لتنظيم الأعمال المشفرة التي تزداد اتساعاً. وأوضح أن "التركيز الأول يجب أن يكون على العملات المشفرة ، سواء كان ذلك عملات رقمية أو بيتكوين أو أشياء أخرى.. نريد أن نتأكد من أنهم لا يستخدمون هذه العملات في أنشطة غير مشروعة".

وحث سيجال ماندلكير -وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الإرهاب والمالية- المؤسسات المالية والهيئات التنظيمية في آسيا على بذل المزيد من الجهود لمنع الأنشطة غير المشروعة التي تغذيها العملات المشفرة.

ويراقب واضعو السياسات العملات المشفرة بحذر، ليتخذوا بعض الخطوات الاستباقية. ومن أبرز الإجراءات المتخذة حتى الآن مشروع قانون جديد قدمه الجمهوري تيد باد بعنوان "قانون الإبداع والدفاع للتكنولوجيا المالية". ويسعى مشروع القانون إلى "إنشاء فرقة عمل مستقلة للتكنولوجيا المالية" مكرسة "لإجراء بحوث مستقلة حول الاستخدامات الإرهابية وغير المشروعة للتكنولوجيات المالية الجديدة، بما في ذلك العملات الرقمية؛ و... وضع مقترحات تشريعية وتنظيمية لتحسين جهود مكافحة الإرهاب ومكافحة التمويل غير المشروع". وخلص التقرير المقدم إلى البرلمان الأوروبي إلى أن "أهم عنصر من عناصر الضعف بالنسبة للعملات المشفرة هو عدم وجود لوائح تنظيمية في الاتحاد الأوروبي". فيما تعتزم فرنسا وألمانيا تقديم مقترحات مشتركة بشأن تنظيم التعامل بالبيتكوين في القمة المقبلة لمجموعة العشرين.

وعلى الرغم من ذلك أن هذه الجهود ربما تساعد في مكافحة الإرهاب، فإنها على الأرجح لن تستطيع منع جميع المعاملات غير المشروعة. وسوف تقدم السوق المزيد من العملات الأحدث  الأكثر التنافسية ذات الخدمات الخاصة والأكثر أمنا مثل التحويلات اللامركزية (وهي التحويلات التي لا يحتفظ فيها طرف ثالث بأموال العميل، بدلا من تسهيل المعاملات بين الأقران). وفي السنوات القادمة، نتوقع المزيد من القصص المتعلقة بالمعارك بين المنظمين الماليين وخبراء مكافحة الإرهاب ضد الإرهابيين وغيرهم ممن يستخدمون العملات المشفرة لأغراض خبيثة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ناشيونال إنترست

اضف تعليق