توقعات عكسية ... 4 أسباب توضح لك لماذا ستنجح مبادرة الحزام والطريق


١٣ فبراير ٢٠١٨ - ٠٦:١٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

يبدو أن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية تتضمن كل شيء تلمسه الصين وكل شيء لا تلمسه في الوقت ذاته. لكن هذا لا يعني أن تلك المبادرة هي مجرد خديعة. إن هذه المبادرة يجري تطبيقها بالفعل: داخل غرف اجتماعات وقاعات مؤتمرات الحكومات والشركات الحكومية حول العالم، وعلى الأرض في مواقع استراتيجية من الناحية اللوجستية، وفي المناطق الاقتصادية الخاصة الناشئة في عشرات الدول. هذه المبادرة يجري تطبيقها على الأرض، بغض النظر عما إذا كان وزير الدفاع الأمريكي يعتقد بأنها مجرد خطابات رنانة.

السيطرة على شبكات البنى التحتية المادية  
 بالرغم من قلة جاذبيتها، إلا أن الموانئ والطرق وخطوط السكك الحديدية هي بمثابة الجهاز الدوري للعالم. وهي الشرايين التي يتدفق عبرها الأشخاص والبضائع من نقطة إلى أخرى، والسيطرة على هذا المجال هو المرحلة الأولى لمبادرة الحزام والطريق.

خلال السنوات الخمسة الماضية، باتت الشركات الصينية تدير ما لا يقل عن 77 محطة بحرية في عشرات البلدان، وتبني خطوط قطارات سريعة في كافة أرجاء جنوب شرق آسيا، وربما حتى في أوربا وروسيا، وتموّل بناء طرق سريعة في باكستان، وجسور في بنغلاديش، ومحطات طاقة في العديد من الدول التي لا يمكن حصرها هنا، وتشيّد مدنًا جديدة ومناطق اقتصادية خاصة في سريلانكا وعُمان وميانمار وماليزيا وأبو ظبي، وتبني مجموعة هائلة من أنابيب النفط والغاز الممتدة عبر وسط آسيا وروسيا وجنوب شرق آسيا، كما بنت هذه الشركات شبكة مكوّنة من 35 خطًا لقطارات الشحن المباشرة تربط بين المراكز الصناعية في وسط وغرب الصين بأوربا.

أظهرت الصين عبر تطوير هذه البنية التحتية أنها قادرة على التفوّق بأشواط على الشركات والحكومات الأخرى في الحصول على العقود. أن استراتيجية الصين بسيطة: الدفع بسخاء. لكن علينا أن نتذكر أن المبادئ الاقتصادية لمبادرة الحزام والطريق ليست هي المبادئ الموجودة في يومنا هذا، وإنما تلك التي ستكون موجودة بعد 10 و20 و50 عامًا من الآن. يبدو أن الصين تستثمر في عالم مستقبلي تمر فيه كل الطرق عبر بكين، وعندما يحدث هذا، حينها فقط سيجري الحديث عن الربح والخسارة.

تطوير البنى التحتية الناعمة
إن تطوير البنى التحتية المادية على المستوى الدولي، في جوهره، هو وسيلة من الصين لتأسيس وترسيخ العلاقات السياسية طويلة الأمد التي تعتبر بحق القلب النابض لمبادرة الحزام والطريق.

إن أكبر القفزات التي ربما أنجزتها مبادرة الحزام والطريق هي تطوير ما يمكن وصفه بأنه البنية التحتية الناعمة في مجال السياسة: اتفاقيات حكومية دولية، وصفقات تجارية، واتفاقيات جمركية، واتفاقيات معونات.  

منذ بداية عهد الرئيس "تشي جين بينج" في الصين، عقد هذا البلد بشكل منهجي صفقات تجارية مع العديد من البلدان حول العالم، مع التركيز بشكل خاص على الدول الواقعة على طرق مبادرة الحزام والطريق. تملك الصين رسميًا نحو 19 اتفاقية تجارة حرة، من بينها 14 اتفاقية تم تطبيقها بالفعل.

كما أن الرئيس "تشي" ورفاقه كانوا أيضا مشغولين جدا في عقد اتفاقيات جمركية في منطقة أوراسيا، وتوقيع اتفاقيات مع تايوان وفنلندا، وتوقيع اتفاق تاريخي مع الاتحاد الأوربي، فضلا عن احتمال توقيع اتفاق في المستقبل مع المملكة المتحدة. كما وقّعت الصين في العام الماضي على اتفاقية النقل البري الدولي، وهي اتفاقية تضم 70 دولة تهدف لتسريع الإجراءات الجمركية من أجل نقل البضائع بطريقة أكثر كفاءة.

بالإضافة إلى الاتفاقيات التجارية والجمركية، حققت الصين قفزة كبيرة في مجال المساعدات الخارجية. وفقا لدراسة أعدّها فريق مشروع "قاعدة بيانات المعونات" (AidData) في كلية "ويليام وماري": "يقدم بحث مشروع (قاعدة بيانات المعونات AidData) صورة عن عملاق مالي صاعد (الصين) بات يتحدى حتى أكبر الدول المانحة. قدمت الصين 354،4 مليار دولار في صورة تمويل رسمي حول العالم بين عامي 2000 و 2014، وهو رقم ليس ببعيد عن الأموال التي أنفقتها الولاياات المتحدة في الفترة ذاتها، والبالغة 394،6 مليار دولار. في بعض البلدان، بدت الدولتان وكأنهما تتنافسان مع بعضهما، إذ تفوّقت الصين في بعض الأحيان على الولايات المتحدة لتصبح المانح الأبرز."

وبالرغم من أن هؤلاء الباحثين اكتشفوا أن ممارسات الصين في تقديم المساعدات ربما ليست مخادعة كما يُقال عنها غالبا، إلا أنهم كشفوا عن وجود علاقة مثيرة للاهتمام بين تصويت بعض الدول الإفريقية لصالح الصين في الأمم المتحدة، وبين قيام الصين بزيادة معوناتها لتلك الدول.
وفرة مالية  

في وقت مبكر من هذا العام، تواردت تقارير كثيرة بشأن انخفاض احتياطيات بكين من النقد الأجنبي، إذ أشار البعض إلى خسارة الصين لما يزيد على 1 تريليون دولار. لكن يبدو أن هذا الانخفاض لم يكن إلا عثرة بسيطة، إذ ارتفعت احتياطيات الصين على مدى الأشهر الستة الماضية، لتتجاوز رقمها المعتاد البالغ 3 تريليونات دولار. أو يمكننا أن نشرح الأمر بطريقة أخرى: تحقق الصين نحو 40 إلى 60 مليار دولار في الشهر من الاختلال بين الواردات والصادرات فقط، كما أن إنفاق الصين الذي يبدو في ظاهره مسرفًا على مبادر الحزام والطريق، لا يبدو أنه يؤثر كثيرًا على احتياطيات الصين. ببساطة، فإن الصين تموّل مشروعها الممتد عبر القارات من خلال جزء بسيط من أموالها، وهذا المشروع لن يفقد زخمه في أي وقت قريب.

تجاوز الانقسامات الجيوسياسية  
بدلاً من الاختيار بين طرفين، تسعى الصين لإرضاء جميع الأطراف، متجاوزة كل الحواجز الجيوسياسية، وعاقدة صداقات مع دول لديها صراعات قديمة مع بعضها البعض. تعلن الصين أن السياسة الخارجية المستندة إلى مبدأ "إما معنا أو ضدنا"- حيث تتحالف الدول سياسيًا في تكتلات ضد دول أخرى- ما هي إلا "مناورة جيوسياسية عفى عليها الزمن". تهدف الصين بدلاً من ذلك، بحسب رواية الرئيس الصيني تشي جي بينج، إلى "عقد شراكات من دون الدخول في مواجهات، وبناء صداقات بدلاً من تحالفات". تمتلك الصين على نحو متزامن علاقات مع إسرائيل وإيران، وأذربيجان وأرمينيا، وروسيا وأوكرانيا، وباكستان و(في نهاية المطاف) الهند، وكوريا الشمالية والولايات المتحدة، متجاوزة بذلك كل الحواجز، وسالكة كل الدروب.

إن مزايا هذه الإستراتيجية واضحة: جلوس المزيد من الدول على الطاولة مع الصين، يعني نظريًا عقد المزيد من الصفقات، وزيادة النفوذ الجيو-اقتصادي، والتقليل من الحواجز أمام التجارة.

قوة التعاون الثنائي  
تتشكّل مبادرة الحزام والطريق في جوهرها من سلسلة من الصفقات التنموية والتجارية الثنائية التي تعقدها الصين إما مع كل دولة على حدة، أو مع مجموعة من الدول والتكتلات السياسية في آسيا وأوربا وإفريقيا. ليس هناك هيكل جامع، ولا بروتوكولات للعضوية، ولا ترهيب اخلاقي، ولا مجموعة محددة سلفا من المعايير التي يبنغي على المشاركين في مبادرة الحزام والطريق الالتزام بها بانسجام تام، كما أن الصفقات التي يجري عقدها لا يلزم تعديلها لكي تناسب القاسم المشترك الأدنى لأعضاء المجموعة القائمة. فكل دولة أو تكتل يفاوض وفق شروطه الخاصة، ويمكن هيكلة الصفقات وفقا لمعاييره الخاصة. وعندما تتأزم الأمور، يمكن للصين أن تعيد التفاوض مع الطرف المعترض بشكل مباشر بدلاً من وضع الشبكة متعددة الاطراف بأكملها في خطر.

ببساطة، يبدو أن الصين أدركت أن ليس كل البلدان سواسية، وليس كل الأنظمة الحكومة تعمل بصور مماثلة، وأنه لا يمكن التعامل مع كل الثقافات باستخدام المعايير والبروتوكولات الصارمة ذاتها. إن هذه الإستراتيجية تمنح الصين أيضا دورًا مهيمنًا على شركائها، إذ إنه في ظل افتقار هؤلاء الشركاء لتكتل من الدول يدعمهم، فإنهم سيجدون أنفسهم وجهًا لوجه مع غريم أقوى وأسرع وأكثر استقرارًا اقتصاديا منهم (الصين).

ببساطة فإن مبادرة الحزام والطريق بُنيت لتعمل بنجاح. 

المصدر - فوربس


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مجلة فوربس اقتصاد الصين

اضف تعليق