ارتداد عكسي.. كيف ستدفع تركيا ثمن التسهيلات التى قدمتها لتنظيم داعش؟


١٩ فبراير ٢٠١٨ - ٠٥:٤٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

استفادت العراق وسوريا من انهيار الدولة الإسلامية التي أعلنتها تنظيم داعش، الذي اتخذ من أراضيهما ملاذًا آمنًا لمقاتليه، إلا أن التنظيم الإرهابي يشكل أيضا تهديدًا للدول التي قد يتوجه إليها مقاتلوه الفارين بعد ذلك.

وفي مقدمة هذه الدول، تأتي تركيا، التي تعد منطقة هبوط منطقية للعديد من المقاتلين الفارين من تنظيم داعش، وذلك لمجاورتها العراق وسوريا.

وفي مطلع فبراير، أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "آلاف" من مقاتلي داعش قد فروا من العراق وسوريا، وربما يختبئ عدد كبير" في دول مثل تركيا". وكشفت مقابلة أجرتها مراسلة صحيفة التايمز "روكميني كاليماشي" مع مقاتل سابق من ألمانيا عن أن داعش أرسل مئات المقاتلين إلى تركيا. ويستمر المهربون على جانبي الحدود في نقل الناس، بمن فيهم مقاتلو داعش، من سوريا إلى تركيا، وفي بعض الحالات يقدمون الرشى للمقاتلين الأكراد حتى يتمكنوا من المرور عبر الأراضي التي تسيطر عليها القوات الديمقراطية السورية.

وفي أعقاب هجوم داعش المميت على ملهى رينا الليلي في اسطنبول في الساعات الأولى من 1 يناير 2017 -وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 39 وجرح 71 شخصا- تم الكشف عن أن التنظيم قد أسس خلايا إرهابية قوية في تركيا. وأن هناك نوعان من الخلايا في تركيا: تلك التي تتألف من الأتراك، والتي يقودها مقاتلون أجانب. وتتألف الخلايا المقاتلة الأجنبية في المقام الأول من مقاتلين من القوقاز والأتراك الأويغور من الصين، ووسط آسيا من دول الاتحاد السوفيتي السابق، فضلا عن المقاتلين العرب والأوروبيين الهاربين.

ولاسطنبول صدى تاريخي لدى كثير من المسلمين كمقر سابق للخلافة السنية. وحقيقة عدم وجود أمل واقعي لدى تنظيم داعش في إعادة إنشاء الخلافة على الأراضي التركية لا يعني أن مقاتليها لن يجلبوا الفوضى إلى تركيا؛ ذلك أن وجودهم وحده يتسبب في زعزعة استقرار البلاد.

في العام الماضي، كان تنظيم داعش أكثر حذرا في شن هجمات على الأراضي التركية، ربما لتجنب تشديد قوات الأمن التركية على عبورهم. لكن العدد المتزايد من مقاتلي التنظيم، والذي يقدر بالمئات، من المرجح أن يعجل الاشتباكات المستقبلية مع الشرطة التركية والجيش التي تسعى لاستئصال شأفة التنظيم. وهناك أيضا احتمال أن يتم تنفيذ هجوم مروِّع يمكن التخطيط له من الأراضي التركية، كما أوشك أحد تلك الهجمات أن ينفذ عندما أرسلت مكونات جهاز متفجر يدوي الصنع من تركيا إلى أستراليا في أغسطس الماضي.

يمكن أن تكون تركيا مركزًا لوجستيًّا لتخطيط هجمات مستقبلية. وخلافا للعديد من الملاذات الإرهابية الأخرى، مثل أفغانستان وليبيا والصومال، فإن تركيا ليست دولة فاشلة. وهذا أمر مهم حيث يتمتع المقاتلون بإمكانية وصول والأكثر سهولة وموثوقية إلى الاتصالات والنقل والشبكات المالية بسبب الإجراءات المخففة في التأشيرة التركية، وكثافة رحلات الطيران، والقصور الشديد في أنظمة التتبع المالي. فالفساد والتواطؤ بين قوات الأمن التركية، بما في ذلك أفراد القوات المسلحة والشرطة، ييسران إمكانية الوصول من خلال مزيج من الرشوة والإكراه.

كما أن استعداد بعض السياسيين الأتراك وقيادات أمنية رفيعة المستوى لمواجهة داعش أمر مشكوك فيه. ففي مطلع فبراير، أفرج القضاة فجأة عن أكثر من 10 عناصر بارزين من داعش – ومن بينهم "أمير" ديار بكر والمسلحين الذين شاركوا في الهجمات تفجيرية في اسطنبول وأنقرة وغازي عنتاب. وفي كثير من الحالات، كان مسئولو الاستخبارات الأتراك ممن لا يرون في التنظيم تهديدًا خطيرًا يضغطون على القضاء لإطلاق سراح المشتبه بهم الخطيرين رغم سعي المدعين العامين لإصدار أحكام بالسجن لمدة طويلة جدًا. وبما أن تركيا اتهمت بتجنيد الآلاف من مقاتلي داعش السابقين لمهاجمة الأكراد في سوريا، فإن البعض يتصور أن الإفراج عن أعضاء داعش دون تفسير، يمكن أن يكون نتيجة صفقة سرية مع جهاز الاستخبارات التركي. 

على مدى العشر سنوات الماضية، تطورت تركيا ببطء إلى بلد يوجد فيه الكثير من الجيوب الداعمة للجماعات الجهادية السلفية -بما في ذلك تنظيم داعش والقاعدة- في المدن والبلدات والقرى الكبرى على طول الحدود التركية مع العراق وسوريا. وسيعتمد الاستقرار الداخلي في تركيا على اتجاهات التطرف، والدرجات المتفاوتة لدعم الجهاديين بين السكان الأتراك (وأعداد اللاجئين المتزايدة) التي ستظهر في المستقبل، كذلك يعتمد الاستقرار على شدة التمرد الكردي العابر للدول.

ومما زاد من تعقيد التهديد الذي يشكله داعش، عمليات التطهير التي نفذها أردوغان عقب الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 والتي طالت قوات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، والشرطة والدرك وأجزاء من الجيش. ونتيجة لذلك، كلف مجندون من ذوي الخبرة القليلة نسبيا وغير المدربين بإدارة عمليات مكافحة الإرهاب ضد خصم شديد التطور.

وهناك قضية أخرى، وهي أولويات أردوغان التي تدور في المقام الأول حول توطيد سلطته والاستمرار في التخلص من جميع من يشتبه في أنهم تعاونوا في محاولة الانقلاب عام 2016، فضلا عن محاربة المسلحين الأكراد، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني وحلفاؤه في سوريا، وحدات حماية الشعب الكردية. ويعتبر توغل الجيش التركي مؤخرًا في عفرين شمالي سوريا مثالا واضحًا على ذلك.

وعلى الرغم من أن تنظيم داعش قد ثبت أقدامه ببطء في تركيا على مدى السنوات الماضية، فإن مواجهة تهديد الإرهابيين المرتبطين به تبدو غير ذات أهمية على أجندة أردوغان. ويصدق هذا بشكل خاص عندما يساعد تنظيم داعش تركيا من خلال محاربة الجماعات الكردية في سوريا، وهو العدو الأساسي الذي تصوره تركيا، كما هو الحال في شمال سوريا وغرب العراق في مختلف نقاط النزاع.

يعتبر تسامح أردوغان المستمر مع مقاتلي داعش على الأراضي التركية نوعًا من الدعم السلبي والموافقة الضمنية. ومع ذلك يمكن أن يتطور الخطر الذي يشكله هؤلاء المقاتلون، الذين يستخدمون تركيا كمنطقة انطلاق، إلى تهديد أكبر بكثير من الخطر الذي يشكله الإرهاب الكردي حاليا. ولذلك فإن التسامح مع تنظيم داعش من أجل محاربة الأكراد هو سياسة خطيرة وقصيرة النظر. وستزيد من تأزيم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والتعاون والسفر بدون تأشيرة. وعندما يصل تنظيم داعش إلى "كتلة حرجة"، فمن المرجح أن يتحول ضد مضيفه، كما أن مختلف المتشددين الذين أيدتهم باكستان في نهاية المطاف حولوا غضبهم ضد الدولة الباكستانية وقواتها الأمنية.

وعندما يأتي ذلك اليوم، فإن إيواء المتطرفين لن يكون مجديًا لأردوغان ومؤيديه. ولكن في هذه المرحلة سيكون قد فات الأوان. وربما ستكون رغبة أردوغان في تجاهل تهديد تنظيم داعش هي التي تؤدي إلى نهايته السياسية.

المصدر - راند


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية تركيا داعش في تركيا

اضف تعليق