ورطة الرئيس محمود عباس


٢٦ فبراير ٢٠١٨ - ٠٤:٠٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

"عباس يحتاج لأزمة," هذا ما أخبرني به محلل فلسطيني مخضرم, تقريبًا في 2012. كان الأكاديمي المبجل يعلق على القصور الذي تتسم به القرارات السياسية للرئيس الفلسطيني محمود عباس.

في واقع الأمر, منذ أن أصبح بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في 2009, تحرك عباس في ثلاثة مسارات: المفاوضات مع إسرائيل, والتقارب مع خصومه في حماس وبذل الجهود للتأكيد على سيادة فلسطين دبلوماسيًا. جاءت محاولة عباس في خريف 2011 للحصول على عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة بعد الفشل في إعادة بدء المحادثات مع إسرائيل. وّقع المفاوضون باسم عباس اتفاقية بيتش كامب 2014 مع حماس بينما كانت مبادرة السلام التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تنهار. كان مستشارو الرئيس عباس يجادلون طوال سنوات حكم أوباما بأن منظمة التحرير الفلسطينية تتبع استراتيجية ثلاثية الجوانب, والتي تشمل: 1) إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني, 2) دعم نشاط القاعدة الشعبية ضد الاحتلال في الداخل والخارج, و3) تعزيز وضع فلسطين قانونيًا ودبلوماسيًا, من خلال عضوية الوكالات التابعة للأمم المتحدة والهيئات المعنية بالمعاهدات.

من الناحية العملية, كان التطبيق غير متكافئ. كان عباس أكثر نشاطًا في المسار الدولي. في 2012, حصلت فلسطين على منصب دولة مراقب غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة. دعم عباس أيضًا جهود مقاضاة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية. لم يهتم عباس بدعوات الإنضمام إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية, التي تقدم منصة لتنظيم براءات الاختراع العالمية.

يشترط القانون الأمريكي أن تقطع الولايات المتحدة التمويل عن أية وكالة أممية تسمح بعضوية فلسطين كدولة. وهكذا, عضوية فلسطين في المنظمة العالمية للملكية الفكرية أو, مثلًا, الوكالة الدولية للطاقة الذرية, قد تُسبب قطع تمويل الولايات المتحدة وربما انسحابها من المؤسسات الدولية المهمة, مما يضر بالمصالح الأمريكية. إذا كان عباس مصممًا على زيادة الاعتراف الدولي بفلسطين كدولة (وجمع نفوذ في مواجهة واشنطن), ستكون هذه أماكن رئيسية لفعل هذا. لكنه كان غير راغب في المخاطرة بتلك الدرجة من المواجهة مع الولايات المتحدة. بصورة مماثلة, وبالرغم من توقيع حركة فتح لعدة اتفاقيات مصالحة مع حماس, إتخذ عباس خطوات قليلة فيما يخص التنفيذ. برغم التزام عباس بـ"المقاومة الشعبية" ضد الإحتلال, تتحرش قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية بالنشطاء الفلسطينيين السلميين وتعتقلهم بصورة متكررة, ويشمل هذا البعض بسبب منشوراتهم الناقدة على فيسبوك.

لقد أكدت سنوات المباحثات مع الساسة, والمسئولين الأمنيين والمحللين الفلسطينيين أن عباس يرى الانتفاضة الثانية, التي شهدت استهداف انتحاريين فلسطينيين لمدنيين إسرائيليين وإعادة إحتلال الجيش الإسرائيلي لمدن فلسطينية, يراها خطأ استراتيجيًا فادحًا. إنه يخشى – بشكل معقول – من أن المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية أو المستوطنين الإسرائيليين قد تتصعد إلى صراع مسلح والذي سيكون كارثيًا على جانبه. إنه يرتاب بشدة في حماس ويخشى  من أن المصالحة ستضر بالدعم السياسي والمالي المقدم للسلطة الفلسطينية من المجتمع الدولي. فبالرغم من دعمهم المعلن للانتخابات الفلسطينية, إلا أن المدى الذي ستدعم به الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي حكومة ما بعد الانتخابات, التي تضم مسئولين من حماس, يبقى غير واضح بالمرة. 

حتى الآن, يشير سجل عباس إلى إنه كان غير راغب في الالتزام جديًا بأية مسار عمل غير السعي وراء الوصول إلى حل لإقامة دولتين متفاوض عليه تحت إشراف الولايات المتحدة. لسنوات, وبرغم عدم رؤية أية تقدم مُجدي فيما يخص الدولة الفلسطينية, منح الأولوية للحفاظ على علاقات إيجابية مع واشنطن. حسب عباس أن الولايات المتحدة وحدها هي من تملك النفوذ اللازم للضغط على إسرائيل لكي تمنح الفلسطينيين دولة. لا يبرر أي من هذا قمع عباس للمعارضة الداخلية, ولا دوره في فشل الفلسطينيين في تنظيم انتخابات, ولا العقوبات الاقتصادية التي فرضها على غزة في 2017. وهكذا, عباس لم يملك – ولا يملك – أية خيارات سهلة أخرى لتحقيق الاستقلال للفلسطينيين.

إن الفلسطينيين ليسوا مجردين من القوة. إن إصلاح نظامهم السياسي, لتقديم قيادة جديدة بتفويض شعبي, مصحوبًا بحملة سلمية منظمة بدقة ونشاط دولي منسق, قد يمنح الفلسطينيين نفوذًا في وجه إسرائيل. لكن هذا لن يكون سهلًا. هذه الحملة ستستغرق وقتًا, وتجر تكاليف بشرية ومادية, بدون أي ضمان للنجاح.

من هذه الناحية, من الأسهل فهم إحجام عباس عن إثارة المشاكل. على الأقل حتى اعتراف الرئيس دونالد ترامب في ديسمبر 2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل, حسب عباس إنه من الحكمة التأجيل لكسب الوقت, وإدارة الوضع الراهن المتدهور, وإبقاء الأمريكيين على إتصال, والأمل في إنهم سيسلمون إسرائيل.

لكن خطوة القدس التي إتخذها ترامب, مصحوبة بتقارير واسعة الانتشار عن أن خطة السلام الناشئة لإدارة ترامب ستعجز عن تلبية المطالب الفلسطينية, أرغمت عباس على التصرف بطريقة أخرى. حتى لو لم يكن غاضبًا بشكل شخصي (وهو غاضب بالفعل), كان على عباس إصدار رد حاد. إن حقيقة أن ثلثي الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة أرادوا أن يقدم الرئيس استقالته قبل وقت طويل من قرار القدس أوضحت بشدة مدى إفلاس الاعتماد على الولايات المتحدة للحصول على دولة فلسطينية.

وهكذا, استخدم عباس لغة حادة بشدة في انتقاداته لترامب. لقد قال أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتوسط في الصراع وطلب من الدول الأخرى أن تلعب دورًا أكبر في عملية السلام. كانت زيارة عباس الأخيرة لموسكو جزءًا من جهد للعثور على وسطاء جدد. طالب مسئولون فلسطينيون بتوسيع "الرباعي" الدبلوماسي للسلام في الشرق الأوسط – المكون حاليًا من الولايات المتحدة, والأمم المتحدة, والإتحاد الأوروبي وروسيا. في يناير 2018, أوصى المجلس المركزي الفلسطيني بقطع العلاقات مع إسرائيل.

مع هذا, أطلق المجلس المركزي هذه الدعوات من قبل, ولم تُطبق. يستمر التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وإسرائيل, برغم كون هذا مكروهًا بشدة للشعب الفلسطيني. هذا يشدد على حقيقة أن تواجد السلطة الفلسطينية مرتبط بشبكة من العلاقات الاقتصادية, والأمنية واللوجيستية مع إسرائيل. إن قطع العلاقات مع إسرائيل صعب لأن السلطة الفلسطينية تتواجد بموافقة إسرائيل.

طالما يبقى ترامب في السلطة – إذا لم يتراجع عن قراره بشأن القدس, أو يصدر تصريحًا إيجابيًا بخصوص المطالب الفلسطينية بالقدس الشرقية – من الصعب تصور تعامل الفلسطينيين بجدية مع واشنطن. إن اعتراف ترامب بالقدس أبطل النموذج الذي استمر لـ25 عامًا للدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. بالنسبة إلى القيادة الفلسطينية التي كانت معتمدة بشدة على نجاح هذا النموذج, يشكل هذا أزمة عميقة. السؤال الآن هو ما إذا كان عباس يستطيع لعب دور في رسم مسار جديد لشعبه – برغم المخاطر الكامنة في تحدي الوضع الراهن.

المصدر - معهد الشرق الأوسط

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية محمود عباس أبو مازن

اضف تعليق