هل يمكن أن تدير السودان أزمتها الاقتصادية وسط جغرافيا سياسية متقلبة؟


٢٨ فبراير ٢٠١٨ - ٠٥:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

شاع أمل مشوب بحذر في الخرطوم عندما قامت الحكومة الأمريكية بإزالة العديد من العقوبات الاقتصادية والتجارية على السودان في أكتوبر 2017. وظن المسئولون في الخرطوم أن واشنطن ستمضي قدمًا في تطبيع العلاقات مع السودان، وأن الخطوة التالية ستكون إزالة اسم السودان من قائمة الولايات المتحدة الراعية للإرهاب. لأن ذلك سيتيح لهذا البلد في حوض النيل الحصول على الإعفاء من ديونه الدولية البالغة 50 مليار دولار، وجذب الاستثمارات الخارجية، وكلاهما ضروري لإنقاذ الاقتصاد الفاشل.

تدهور الاقتصاد إلى الحضيض، ولا يزال مشلولا بسبب فقدان الملايين من العائدات النفطية السنوية منذ انفصال جنوب السودان في عام 2011. وبعد إعلان ميزانية جديدة في مطلع يناير 2018، شملت انخفاض قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار، وزادت نسبة التضخم. كما ارتفعت أسعار الخبز أكثر من الضعف بعد تخفيض الدعم على واردات القمح.

أثارت الأسعار المتزايدة، إلى جانب الغضب من سوء إدارة الاقتصاد والفساد، احتجاجات في يناير 2018، مما أدى إلى الاعتقالات، بما في ذلك العديد من السياسيين المعارضين. وقد تعاملت الشرطة مع المتظاهرين بالعنف مما أدى لمقتل متظاهر على الأقل، وبعد ضغوط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أطلق سراح بعض المعتقلين قبل أيام قليلة. فيما لا يزال يقبع كثيرون آخرون في السجن دون توجيه اتهام.

وكان تفاؤل الخرطوم بالتطبيع السريع لعلاقاتها مع الولايات المتحدة بعد إلغاء العقوبات الاقتصادية السابق لأوانه. والواقع أن الولايات المتحدة كانت واضحة أن هذا لن يحدث دون إحراز الحكومة السودانية لأي تقدم ملموس ، بما في ذلك إدخال تحسينات على سجلها في مجال حقوق الإنسان.

وفي نوفمبر2017، سافر نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان إلى الخرطوم، أكد مجددًا أن المرحلة الثانية من مشاركة الولايات المتحدة، والتي ستؤدي إلى رفع العقوبات بشكل أكبر -بما في ذلك حذف السودان من قائمة الإرهاب- ستطالب الخرطوم بإجراء هذا الإصلاح.

ومنذ ذلك الحين، ألمحت الخرطوم إلى أنها يمكن أن تبحث عن دعم في أماكن أخرى. وبعد فترة وجيزة من زيارة سوليفان، توجه الرئيس عمر البشير إلى موسكو، حيث أبرم اتفاقًا مع نظيره فلاديمير بوتين لشراء القمح الروسي بسعر مخفض. كما أثار البشير القلق في واشنطن بإعلان دعمه للتدخل الروسي في سوريا، وانتقاده سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولا يزال قادة السودان ينظرون إلى التقارب مع الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، وكذلك مع الاتحاد الأوروبي، على أنه أمر شديد الأهمية على المدى الطويل. ولكن في هذه الأثناء، يحتاج النظام إلى مساندة أصدقاء يمكن أن تساعده على درء التهديدات المباشرة، ولا سيما تلك المتعلقة باقتصاده المتدهور.

وبهذه الروح، تكيف البشير مع المشهد الجيوسياسي الشائك على نحو متزايد، سواء في القرن الأفريقي أو فيما وراءه، بالانتقال من تحالف إلى آخر، على الرغم من المنافسات الشرسة بين حلفائه المحتملين. وقد حقق هذا بعض المكاسب لحكومته، ولكن من المرجح أن تثبت على المدى القصير في أحسن الأحوال.

وتبدو هذه الاستراتيجية أكثر وضوحًا في علاقات السودان مع دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر. وبفضل الوعود بتوفير المال للبنية التحتية والتنمية الزراعية، فضلا عن الودائع في البنك المركزي السوداني، حول السودان -وهو حليف وثيق لإيران خلال التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين- ولاءه إلى كتلة الخليج العربي في عام 2014. وكانت النتيجة الأكبر لهذه العملية هي إرسال الخرطوم لآلاف الجنود السودانيين إلى اليمن للانضمام إلى التحالف بقيادة السعودية الذي يقاتل المتمردين الحوثيين.

ولكن شعرت الخرطوم بخيبة أمل إزاء المكافآت المالية التي تلقتها في المقابل، على الرغم من الاستفادة أيضًا من الضغط السعودي على الولايات المتحدة على إلغاء العقوبات.

وفي منتصف 2017، عندما تصاعدت التوترات بين قطر والمحور السعودي - الإماراتي، اختارت الخرطوم ألا تنفصل عن حليفتها الدوحة، مع تفضيل الإبقاء على خياراتها مفتوحة.

توتر العلاقات مع مصر
كما أن العلاقات السودانية مع مصر، جارتها الشمالية، متوترة أيضًا. وقد أججت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حليف قطر الوثيق ، للخرطوم في شهر ديسمبر، تلك التوترات وأظهرتها على السطح. وقد أعلن أردوغان خلال زيارته عن استثمارات بقيمة 650 مليون دولار، بما في ذلك التزام تركي باستعادة وتأجير ميناء البحر الأحمر العثماني في جزيرة سواكن.

إن الاهتمام التركي المفاجئ بالسودان يثير قلقا خاصًا لدى القاهرة، حيث تدعم كل من الدوحة وأنقرة مختلف فصائل الإخوان المسلمين في أنحاء العالم. ومنذ أن وصل عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في يوليو 2013   افترضت القاهرة أن نظام الخرطوم قريب من الإسلاميين. واستعدادها للسماح للإخوان المسلمين الذين طردوا من مصر بزيارة السودان يضرب وترًا حساسًا لدى السيسي.

وهناك مشكلة دبلوماسية أكثر خطورة هي اختلاف السودان الملموس من معارضة مصر لسد النهضة الإثيوبي الكبير الذي تقوم إثيوبيا ببنائه على النيل الأزرق. وتدعي الخرطوم الحياد في المفاوضات حول السد، ولكن في الواقع قد طورت موقفها المتميز الذي يخرج عن دعمها السابق لاتفاقيات حقبة الاستعمار بشأن تخصيص مياه النيل، والتي تأتي في صالح مصر بشدة.

وسيستفيد السودان من إنشاء السد الإثيوبي، من عدة وجوه ، حيث سيزود البلاد بالكهرباء الرخيصة، فضلا عن توفر مياه النيل للري الزراعي الموسع بشكل كبير، ولا سيما في ولاية النيل الأزرق. وتثير هذه الخطط الطموحة قلق القاهرة، التي ترى أن مشاريع المنبع تشكل تهديدًا خطيرًا لإمداداتها من المياه، وبالتالي ستؤثر على استقرارها.

و تسببت الحرب المستمرة في ليبيا في مزيد من التوترات أيضًا. حيث تشعر الخرطوم بالقلق من أن المتمردين الدارفوريين الموجودين حاليا في جنوب ليبيا، عملوا  لصالح الجنرال خليفة حفتر، الحاكم الفعلي للشرق الليبي، وفي المقابل تلقى المتمردون الأموال والبنادق والمعدات التي تخشى الخرطوم أن يستخدموها في تصعيد تمردهم، فعندما عاد متمردو حركة التحرير لفترة وجيزة إلى دارفور (من ليبيا وجنوب السودان) في مايو 2017، اتهمت الخرطوم القاهرة بتسليحها.

التصعيد في إريتريا
وظهرت الخلافات بين الخرطوم وأسمرا في يناير 2018 عندما كشفت تقارير، وسط الأزمة الاقتصادية، أن مصر نشرت قوات في إريتريا (يبدو الآن أن القاهرة لم ترسل سوى عدد قليل من المستشارين والمدربين). وردًّا على ذلك، أغلقت الخرطوم الحدود مع إريتريا، وأعلنت حالة الطوارئ في المنطقة ونشرت قوات ميليشيات إضافية إلى المنطقة دون شرحٍ كافٍ للسبب. وقد يكون ذلك حيلة لتحويل انتباه الرأي العام بعيدًا عن تفاقم المشاكل الاقتصادية.

وقد ساعد اجتماع بين الرئيسين البشير والسيسي على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في أديس ابابا في أواخر يناير، تلته زيارة قام بها وزير الخارجية السوداني إلى القاهرة في مطلع فبراير، في تخفيف حدة التوتر. ولكنهم لم يفعلوا شيئا يذكر لحل الخلافات التي يقوم عليها.

ومع استمرار عدم الوفاء بعوائد المشاركة الأمريكية في الغالب، فإن السياسة الخارجية للخرطوم من المرجح أن تستمر في التطور مع التحولات في العلاقات بين اللاعبين الأكثر ثراء والأكثر قوة. فالأزمة الاقتصادية في السودان تزيد من الضغط على النظام في الداخل، حيث إن السياسات الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدا من ذي قبل. وتظهر التحولات الأخيرة لرموز النظام الرئيسيين، بما في ذلك قيادات أجهزة الاستخبارات والأمن ذوي النفوذ، أن الرئيس السوداني حريص على تعزيز موقفه.

تعاظمت مكانة الخرطوم الدولية أكثر مما كانت عليه قبل بضع سنوات، عندما كانت شبه معزولة بسبب فظائع الحروب في أطراف السودان، وقد أثبتت ببراعة قدرتها على التنقل في المياه الجيوسياسية المتقلبة. ولكن قدرتها على القيام بذلك من المرجح أن يتم اختبارها في غضون الأشهر المقبلة.

المصدر - مجموعة الأزمات الدولية

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق