استراتيجية الفوضي... تعرف على الإخفاقات الأمريكية فى الشرق الأوسط وجنوب آسيا


٠١ مارس ٢٠١٨ - ٠٥:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

لا يتطلب الأمر قدرًا كبيرًا من الفراسة لرؤية أن الولايات المتحدة ليس لديها استراتيجية واضحة لأي من الحروب التي تخوضها في الشرق الأوسط وجنوب آسيا, وليس لديها استراتيجية واضحة للتعامل مع أي من التحديات الاستراتيجية الأخرى في كلا المنطقتين. إن التركيز اليومي للإعلام على بعض المشكلات أو الأحداث الفردية لا يمكن أن يخفي حقيقة أن الولايات المتحدة تتخذ القرارات على أساس يومي وتدريجي. إنها تنتقل من مسألة إلى أخرى ومن زيارة مهمة إلى أخرى. إنها تحقق انتصارات تكتيكية بدون تأثير استراتيجي واضح أو تأثير دائم على الاستقرار الإقليمي. إنها تتفاعل في المدى القصير, والاستراتيجية الأمريكية الكبرى لا تزيد كثيرًا عن الفوضى التي تُسببها الأحداث الخارجية.  

لا تزال أمريكا تخوض حروبها الأطول بدون أية أهداف واضحة, وتتعامل الولايات المتحدة مع التحديات مثل الاضطراب الواسع في العالم العربي, وإيران, والتدخل الروسي, وحرب تركيا مع الأكراد بطريقة ناقصة وتدريجية. والأكثر من ذلك, لقد ركزت على محاربة داعش وطالبان دون أية استراتيجية واضحة للتعامل مع التحديات العسكرية الأخرى في المنطقة, وبدون معالجة البُعد المدني لأعمال التمرد في سوريا, والعراق, وأفغانستان, أو الحاجة للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

إذا تطلعنا إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا, سنجد أن جميع القوى التي أدت إلى الاضطراب الإقليمي قد ازدادت سوءًا مع مرور الوقت. إن ما يُسمى بـ"الربيع العربي" لم يفعل شيئًا لكي يحقق الاستقرار في العالم العربي. إن "النجاح" الوحيد هو تونس هشة وغير مستقرة. تبقى الجزائر ومصر دولًا استبدادية إشكالية والتي تواصل تلبية احتياجات النخب الحاكمة, وليس الشعوب. يبدو الحديث عن عملية سلام عربية-إسرائيلية فارغًا حتى بمعايير الماضي المنخفضة, وإيران, وروسيا, وتركيا, وحزب الله جميعهم يقدمون تحديات جديدة ومخاطر اندلاع حرب.

إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك أية استراتيجية حقيقية لتحقيق نتيجة ناجحة في سوريا, فإنها واحدة من أعظم الأسرار المخفية في تاريخها. إن ما تُسمى بـ"هزيمتها" لـ"دولة الخلافة" ستترك كوادر كبرى من المتطرفين دون أن يمسسهم سوء, والأسد مسيطرًا على معظم سوريا, والعراق منقسم عرقيًا وطائفيًا. سوف تترك أيضًا كل دول المنطقة -بخلاف إسرائيل- دون آفاق واضحة للتعافي والتنمية, ممزقة بالانقسامات العرقية والطائفية, وتواجه مشكلات بطالة ضخمة بين الشباب, وتحكمها أنظمة فاسدة ومنقسمة. أما بالنسبة للقوى الخارجية, لا تملك الولايات المتحدة استراتيجية واضحة للتعامل مع دور روسيا المتنامي أو حرب تركيا مع الأكراد.

لقد تركت الحرب ضد داعش إيران بنفوذ كبير في لبنان, وسوريا, والعراق؛ وزادت من تفتت الاقتصادات وفشلها؛ وتسببت في أزمات لاجئين وأشخاص نازحين داخليًا. تبقى كل القوى التي تولد التطرف, مثلما تبقى الصراعات بين السُنة والشيعة, والعرب والأكراد, وغيرهم من الفصائل. منذ سنوات, طرح الجنرال ديفيد بيترايوس سؤالًا مهمًا عن الحرب في العراق: "كيف تنتهي هذه الحرب؟" لم تكن هناك إجابة موثوقة حينها, ولا توجد إجابة واضحة الآن. وهذا الأمر لا ينطبق على العراق فقط: إن غياب أية خطة واضحة لإنهاء الحرب يشمل الآن سوريا, مع انضمام روسيا وتركيا إلى إيران كلاعبين خارجيين.

لا تبدو إيران وإنها تسعى بنشاط للحصول على أسلحة نووية, لكن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية واضحة للتعامل مع حدود خطة العمل الشاملة المشتركة، ولا أساس واضح للحوار مع حلفائها الأوروبيين حول كيفية إصلاح هذا. إنها لم تعلن عن أية استراتيجية للتعامل مع دور إيران المتوسع في المنطقة, أو قواتها الصاروخية المتزايدة وحصولها المحتمل على أنظمة قصف دقيقة, أو تشكيلها لتهديد صاروخي بحري-جوي غير متماثل على الملاحة في الخليج والمياه المجاورة في خليج عمان.

لقد فشلت الولايات المتحدة حتى الآن في المساعدة في إنهاء الخلاف بين أمراء قطر, والسعودية, والإمارات والذي فتت مجلس التعاون الخليجي الذي كان ضعيفًا ومنقسمًا بالفعل. لقد عجزت عن التأثير على النخبة الحاكمة في البحرين لكي تتجه للإصلاح, ومساعدة الكويت في تحقيق المزيد من الوحدة, ومساعدة عمان في مواجهة تحديات الاقتصاد والتوظيف. تشترك بعض عناصر القوات الأمريكية في مناطق الصراع الأخرى في الخليج والبحر الأحمر, لكن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية واضحة للتعامل مع المشكلات الأخرى في منطقة البحر الأحمر: اليمن, الصومال, وإثيوبيا, والسودان. والأسوأ من هذا, ليس لديها استراتيجية لخطة تحقق استقرارًا عسكريًا ومدنيًا دائمًا لأي من هذه البلدان.

لقد أغفلت الولايات المتحدة آسيا الوسطى, وربطت علاقاتها مع الهند بجعلها قوة مقابلة للصين. لم تكن بنجلاديش وسيريلانكا مهمة من الناحية الاستراتيجية. مع هذا, أفغانستان وباكستان يشكلان أطول حروب خاضتها أمريكا ومجددًا, الولايات المتحدة لا تملك جوابًا لسؤال: "كيف تنتهي هذه الحرب؟"

أدخلت أمريكا تحسينات كبرى على تكتيكاتها وخطط تطوير القوات في أفغانستان, لكنها لم تفعل شيئًا للتعامل مع الاستقرار المدني والسياسي. إنها لا تواجه وضع أمني متدهور وحسب, بل إنها لا تملك استراتيجية سياسية, أو اقتصادية أو استراتيجية حكم واضحة لكي تحقق الاستقرار الأفغاني. إنها تتجاهل أيضًا حقيقة أن الحكومة المركزية تبدو وأنها تنكمش حتى تصبح حكومة "كابولستان." بالنسبة إلى باكستان, هددت الولايات المتحدة بقطع المساعدات وربما تطبيق عقوبات, لكن يبدو أنها لا تملك خططًا إيجابية لكي تجعل باكستان حليفًا مجديًا أو تساعدها في تحقيق الاستقرار.

من الناحية النظرية, كلّف الرئيس ترامب بإجراء مجموعة من الدراسات الاستراتيجية التي كان ينبغي أن تقدم نهجًا متكامل ومترابط لحل هذه المشكلات عندما تولى المنصب. إلا أنه حتى الآن كانت النتيجة تحسنات محدودة في جوانب مختارة من الجهد الحربي الأمريكي والتي لم تكن مرتبطة باستراتيجية كبرى واضحة في أية منطقة, ناهيك عن استراتيجية كبرى متكاملة لتغطية منطقة مترابطة داخليًا بشدة.  

كانت النتيجة النهائية هي إثقال الجيش الأمريكي -وتحديدًا القيادة المركزية- بمهمة مستحيلة. يجب على الجيش أن يحاول العثور على حلول عسكرية تكتيكية لمجموعة من المشكلات المدنية-العسكرية حيث لا يوجد جهد مدني واضح ولا استراتيجية عسكرية مترابطة والتي تنظر لما بعد محاربة داعش وطالبان. إن النتيجة النهائية بأن الولايات المتحدة تعتمد على فوضى الأعمال التفاعلية وغير المترابطة وخطابها الاستراتيجي المتقطع لا تتعدى كونها خليطًا متغيرًا باستمرار من الخرافات الجوفاء.

المصدر- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية أمريكا

اضف تعليق