دولة ضعيفة وشعب قوي.. ما هي مبررات استمرار هذا التناقض فى أفغانستان؟


٠٥ مارس ٢٠١٨ - ٠٣:٥٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية

المصدر - warontherocks

ترجمة - شهاب ممدوح


واحدة من منافع كونك باحثا أفغانياً في إطار منحة "فولبريت" في الولايات المتحدة, هو سهولة الانخراط في مناقشات مع الأمريكيين العاديين. هناك الكثير من القصص التي يمكن مشاركتها مع سكان مدينة نيويورك. هم يتذكرون هجمات الحادي عشر من سبتمبر وكأنها مشهد من من فيلم رعب، فيلم جرى تأليفه وإخراجه في واحة صحراوية في أفغانستان, لكن جرى عرضه في شوارع نيويورك. عندما يقرأ أصدقائي القاطنون في نيويورك آخر الأخبار الخاصة بأفغانستان، مجزرة في شوارع كابل راح ضحيتها 95 شخصًا, أو كمين نصبه مقاتلو طالبان عند فندق الإنتركونتينيتال، فإنهم يتحدثون بعاطفة ويتساءلون عن أسباب ومبررات هذا الجنون. أحيانا يتوقفون ويسألونني "ما رأيك بشأن ما يجري؟".

في أفغانستان, تحوّلت السلطة والسياسية إلى أدوات للحفاظ على الوضع القائم, في حين ينبغي أن تركّز الجهود على إصلاح الدولة ومحاربة طالبان وتنظيم داعش في المناطق الريفية. إن شعبنا الأفغاني فخور جدا بهزيمته للإمبريالية البريطانية والاتحاد السوفيتي الشيوعي -وبمحاربته للإرهاب العالمي الآن- لكن شعبنا لم ينجح مطلقا في كسر الحلقة المتكررة من الاستعمار الداخلي وانعدام الأمن.

في العام الذي سبق هجمات الحادي عشر من سبتمبر, عملت أنا وأبناء عمومتي كحرّاس أمن خاصين لحساب عائلتنا الممتدة, وذلك بالرغم من كوننا فتيانا صغار. لقد ترعرعنا كحرّاس أمن لحماية مجتمعنا, وهي خدمة ينبغي أن تقدمها دولة شرعية لمواطنيها. في كل ليلة طوال أيام الأسبوع, كنت أذهب أنا وابن عمي "طيب" فوق سطح منزل عائلتنا في منطقة "باغلان" لمراقبة أي شيء مريب يحدث في حيّنا. كان ينتابني في حينها شعور الحماسة ذاته الذي ينتاب أي فتي في عمري يذهب لــ"ديزني لاند". كان ابن عمّي "طيب", الذي يكبرني بخمس سنوات, يعزف الناي دائما, املاً في أن تسمعه حبيبته التي تسكن بجوارنا. كان صوت الناي يحمل في ثناياه ألمًا وأسى تعيشه أمة كاملة بلا دولة.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي ينهار فيها الاستقرار في أفغانستان, ولن تكون الأخيرة. لقد حاول الملوك والإمبراطوريات على مرّ التاريخ فرض نظام اجتماعي انطلاقاً من كابول. وبينما نجح البعض في تحقيق استقرار مؤقت, لم ينجح أي طرف في تحقيق أمن وسلام دائمين وغير منقطعين.  

أثناء السنة الثالثة من الحرب العالمية الثانية, كان جدي يعيش في دولة أفغانستان التي يعمّها السلام والخاضعة لحكم ملكي. لقد كان جدي مطيعًا لأسرة "مصاحبان" الحاكمة (1929 إلى 1973), لكن ولاءه الأساسي كان للمنظومة الاجتماعية المحلية في قريته, وليس للأسرة الحاكمة التي تعيش على بعد 200 ميل في كابول. ينظر الباحثون اليوم إلى عهد أسرة "مصاحبان" الحاكمة بوصفها فترة شهدت استقرارًا نسبيًا, لكن لم يمر وقت طويل قبل أن تتمكّن إيديولوجيتان مدمرتان للغاية -الماركسية والإسلام السياسي- من اختراق البلد وإنهاء الحياة الآمنة فيها. بالنسبة لجدي, كانت قريته الصغيرة الواقعه في شمال شرق أفغانستان بمثابة بيته وكانت آمنة. لكن في المدينة, على النقيض من ذلك, فقدت الأسرة الحاكمة بصورة مطردة السيطرة على حكم القانون. فقد كانت كابول تعجّ بالأفكار الغريبة وبالأشخاص الخطرين, وسادت فيها اضطرابات شعبية وحالة عصيان. يكمن السبب الأساسي وراء حالة السخط تلك عجز الدولة الأفغانية عن تأسيس نظام مستدام, وعدم تمتعها بالمرونة الكافية للتجاوب مع الأفكار الجماعية والحاجات والرغبات المتغيرة لشعبها.  

إن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه بناة الدولة في القرن الحادي والعشرين, كان وضْع لبنات الدولة الأفغانية الجديدة على الأسس ذاتها التي لم تنجح في الماضي. لقد عيّن "اتفاق بون", الذي جرى التوصل إليه في عام 2002, سلطة مؤقتة بناءً على دستور عام 1964 (الذي جرى دمج بعض مواده لاحقا في دستور عام 2004) لكن الاتفاق أهمل الحاجة الاجتماعية لحكومة ديمقراطية غير مركزية. لقد وضع المشاركون الأفغان في "مؤتمر بون" ما تسمية (جنيفر مرتازاشفيلي) "نبيذا جديدا" داخل "زجاجات عتيقة". اعتقد مؤيدو ذلك النهج حينها أن بإمكانهم بناء ديمقراطية فوق المؤسسات ذاتها التي استخدمها الأمراء والملوك السابقون في قمع الناس. ونظرًا إلى عدم إدراكهم للنتائج طويلة الأمد, وافق الشركاء الغربيون من غير قصد على تأسيس لعبة ذات محصّلة صفرية, وذلك عبر إضفاء الطابع المركزي على الحكومة والمنافسة السياسية والسلطة في كابول.  

لكن المجتمع الأفغاني يتجاوز حدود كابول إلى الأقاليم والقرى والمجتمعات المحلية التي تشكّل مجتمعًا متنوعًا ومكافحًا. عندما كنت في مكتبي في ربيع عام 2015, تلقيت اتصالاً هاتفيًا من عمي. كان يرغب في معرفة ما إذا كانت أعرف شخصًا "يعرف شخصًا آخر" في مستشفى كابول الذي يضم 400 سرير, يمكنه مساعدة جندي أفغاني أًصيب في معركة على تلقّي العناية الطبية التي يحتاجها. غادرت مكتبي وتواصلت في الطريق مع صديق في مجلس الأمن الوطني للمساعدة. وبينما كان السائق يزيد من سرعة المحرّك, تذكّرت تلك الليالي التي قضيتها أنا و"طيب" في حراسة حيّنا. الآن, أُصيب "طيب" بجراح بالغة بعد أن نصبت حركة طالبان كمينًا لقافلته في إقليم "بادكشان". ذهبت إلى سيارة الأسعاف, ورأيته. كان "طيب" يتنفس بصعوبة. وبالرغم من كونه على شفا الموت, إلا أنه كان يحاول جاهدًا الظهور بمظهر الشجاع, كاتمًا أنينه أو أي علامة تظهر ألمه. ما زالت لحظاته الأخيرة تطاردني. أخذت "طيب" إلى المنزل, حاملاً جثته الميته, قائلاً: "إنا لله وإنا ليه راجعون".

بالإضافة إلى الدماء التي سُفكت منذ عام 2001, سال حبر كثير في كتابة إستراتيجيات وخطط تتحدث عن نظريات وسياسيات لتحقيق النصر في أفغانستان. لم تحقق أي من تلك السياسات أهدافها وتحوّلت كابول الآن لساحة معركة. إن الدولة الأفغانية, التي فقد "طيب" والعديد من الأفغان والأمريكيين حياتهم من أجلها, لا يمكنها حتى تطبيق قوانين المرور في كابول, ناهيك عن ممارسة الحكم الرشيد في المناطق الريفية التي يحتال فيها مقاتلو طالبان وتنظيم داعش على السكان المحليين.

لقد حان الوقت لأن يصبح النظام السياسي مستدامًا في أفغانستان, وذلك عبر تطبيق اللامركزية والديمقراطية في الأقاليم خارج مدينة كابول. تعتبر أفغانستان حاليا واحدة من أكثر الحكومات مركزية في العالم, إذ يعيّن الرئيس حتى رؤساء المقاطعات. إن نظام الحكم اللامركزي في أفغانستان, يعني إضفاء الطابع الديمقراطي على الصعيد دون الوطني. يستند منتقدو هذا المقترح على حجة مفادها أن اللامركزية في بلد ضعيف وغير آمن, ستعطي الفرصة للمجرمين وأمراء الحرب للحصول على نفوذ سياسي. مع ذلك, ونظرًا إلى عملي في المديرية المستقلة للحكم المحلي, رأيت سيلاً لا ينقطع من الناس القادمين من مناطق بعيدة في البلاد لتقديم شكاوي في حق مسؤولين حكوميين محليين في مناطقهم, أو لطلب المزيد من الخدمات. إن النظام اللامركزي يمنح الأشخاص القاطنين في أطراف البلد الحق في إنشاء حكم ذاتي يجري فيه انتخاب كل مسؤولي الحكومات المحلية, بما في ذلك رؤساء المقاطعات والأقاليم, من جانب السكان المحليين. وفقا لهذا النظام, تصادق مجالس المقاطعات والأقاليم على تعيين القضاة والوكلاء في المقاطعات والأقاليم. تشير الأبحاث إلى أن أهم عامل في صعود حركة طالبان هو ضعف الحكم المحلي. بالتالي, فإن الديمقراطية المحلية هي حل إستراتيجي وطويل الأمد لنزع الشرعية عن حركة طالبان, وحشد المجتمع حول حكوماته المحلية.

في تصريح أخير له, قال الرئيس "دونالد ترمب": إن إدارته "سننهي ما يجب أن ننهيه" في أفغانستان. إن إنجاز المهمة سيتطلب من الولايات المتحدة استيعاب حقائق المجتمع الأفغاني, وذلك عبر دعم عملية تصبح فيها إدارات الأقاليم ديمقراطية ومسؤولة أمام المجتمعات التي تحكمها, وأن تتمتع تلك الإدارات بمصداقية سياسية. سيكون هذا الأمر ممكنًا في حالة إجراء تغييرات على الدستور الأفغاني تؤدي إلى منح قدر أكبر من الحكم الذاتي لإدارات الأقاليم, بحيث يجري توزيع السلطة خارج كابول. إن اللامركزية هي السبيل الوحيد لإقامة دولة أفغانية ديمقراطية وشرعية, قادرة على مواجهة حركة طالبان وعلى إحضارها, كما هو مأمول, إلى طاولة المفاوضات بنيّة صادقة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق