قمة ترامب وكيم: المهمة المستحيلة


١١ مارس ٢٠١٨ - ٠٢:٠٨ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
رؤية

ترجمة - شهاب ممدوح

المصدر - فورين بوليسي

إن لقاء ترامب المرتقب بالزعيم الكوري الشمالي يشبه ذهاب الرئيس "نيكسون" للصين, لكن الفارق أن نيكوسن لم يكن أحمقًا مثل ترامب.
 
لقد عرفتم الآن أن دونالد ترامب سيلتقي الزعيم الكوري "كيم يونج أون" في شهر مايو، كما أنكم ربما رأيتم أيضا كيف تراجع البيت الأبيض عن إعلانه الخاص باللقاء, ومن ثم عاد مرة أخرى ليأكده, عبر مصدر لم يفصح عن هويته. هذا أمر جنوني. دعونا نعرض هذا الأمر بالتفصيل.

لقد سعت كوريا الشمالية جاهدة -على الأقل منذ عهد الرئيس كلينتون- لأن يُجري رئيس أمريكي موجود في منصبه زيارة رسمية لها. قالت المتحدة باسم البيت الأبيض "سارة ساندرز": إن الولايات المتحدة لم تقدم أي تنازلات, لكن دعونا نكون واضحين: اللقاء هو التنازل.

بالرغم من اعتقاد الرئيس ترامب بأن اللقاء سيكون هدفه مناقشة إزالة أسلحة كوريا الشمالية النووية, إلا أن الكوريين الشماليين لم يطلقوا أي تصريح يشير إلى هذا.

في الواقع, كل ما حصلنا عليه من الكوريين الشماليين هو ما ذكره دبلوماسي كوري جنوبي بشأن حضوره حفل عشاء تناول فيه الكثير من النبيذ مع الزعيم الكوري "كيم يونج أون"، بالإضافة إلى رسالة إلكترونية أرسلها السفير الكوري الشمالي في الأمم المتحدة إلى "آنا فيفيلد" الصحفية في جريدة الواشنطون بوست.

ما قاله الزعيم الكوري الشمالي "كيم يونج أون" -وفقا للمبعوث الكوري الجنوبي "تشونج يوي-يونج"- لم يكن واضحًا تماما: أن كوريا الشمالية لن تكون بحاجة إلى الأسلحة النووية في حالة "تبدّدت المخاطر العسكرية التي تواجه الشطر الشمالي, وجرى ضمان أمن نظامها". أما الرسالة الإلكترونية التي أُرسلت للصحفية "فيفيلد", فيبدو أنها لم تذكر هذا مطلقا, وكان هدفها فقط شرح وجهة النظر الكورية الشمالية للولايات المتحدة.

بعبارة أخرى, يبدو أن ترامب اعتقد أن "كيم" سيقابله من أجل إعلان تخلّيه عن أسلحته النووية. لكن الهدف من اللقاء بالنسبة لــ"كيم" يتمحور حول التعامل معه كشريك متساوٍ بسبب برامجه النووية والصاروخية. فالرئيس العراقي صدام تخلّى عن أسلحته ومع ذلك احتُلت بلاده وجرى شنقه. كما تخلّى "معمر القذافي" عن أسلحته, ومع ذلك أُقصى من الحكم بمساعدة القوة الجوية الأمريكية, وتم سحبه من سيارته ال "إس يو في" ليلقى حتفه بطريقه مريعة. لكن "كيم يونج أون", على النقيض من ذلك, احتفظ ببرامجه, وبات الآن على وشك أن يلتقي الرئيس الأمريكي في زيارة رسمية.

يبدو أن إدارة ترامب أدركت هذا الأمر الآن. بالتالي, بالرغم من إعلان الرئيس شخصيًا عن اللقاء, إلا أن البيت الأبيض بات الآن يقول: إن اللقاء لن يحدث ما لم تتخذ كوريا الشمالية "خطوات ملموسة" بشأن التخلص من أسلحتها النووية, وهو ما يعتبر إعادة صياغة لموقف البيت الأبيض السابق.

إذاً ما الذي يحدث؟ أظن أننا نشاهد الجانب السلبي لهشاشة خبرة وزارة الخارجية والطريقة الغريبة التي يتعامل بها موظفو ترمب معه: يعاملونه مثل طفل, كما قال البروفيسور "دان دريزنير" في توصيفه الشهير.
يبدو أن أيًا من مساعدي ترامب لم يخبره أن الدعوة لم تكن شيئًا مميزًا, خاصة أن كوريا الشمالية تسعى يائسة منذ عشرين عامًا لأن يجري رئيس أمريكي زياره رسمية لها. كما لم يفكر موظفوه في احتمال أن كوريا الشمالة لم تكن تعرض التخلّي عن برامج أسلحتها النووية. ربما لم يدرك هؤلاء الموظفون هذا الأمر.

لكن ربما يوجد سبب آخر أكثر سوداوية. ربما يكون الموظفون مرعوبين. لقد قرأنا قصصًا تفيد بأن موظفي الإدارة عملوا على تشتيت انتباه ترامب فيما يتعلق بمسألة الاتفاق النووي الإيراني. ربما يخشى الموظفون بصورة عامة من احتمال قيام ترمب بشيء مجنون ضد كوريا الشمالية, ما جعلهم يستغلون تلك الفرصة لتحويل تركيز الرئيس من التهديد بحرق وتدمير كوريا الشمالية, إلى عقد قمة مع الزعيم الكوري يتم فيها تناول وجبة ال"تشيز برجرر". هذا ما نفعله نحن جميعًا في الخارج, إذ ننظر إلى تلك الفوضى, ونقول لأنفسنا, حسنا, هذا أمر جنوني, لكنه أفضل من البديل.

يبدو أن هذا بالتأكيد ما فعله الكوريون الجنوبيون, فقد تبنّوا تماما سياسة "الشمس المشرقة" للتعامل بلطف مع كوريا الشمالية, وذلك بعد أن أدركوا على ما يبدو أن ترامب يمثل خطرًا على السلام أكبر بكثير من الزعيم الكوري الشمالي "كيم". أنه لأمر مخيف كيف أننا جميعًا نتصرّف بطريقة غير مألوفة في محاولة يائسة لإدارة التهديد الذي يشكله هذا المجنون (ترامب).  

لكن كل هذه الجهود تثير القلق: ماذا لو فشلت جهود مساعدي ترامب وكوريا الجنوبية وبقيتنا في التحكم في تصرفات ترامب, وأدّت بدلاً من ذلك لتقويته؟ لقد طالبت منذ زمن طويل بإجراء انفتاح دبلوماسي حقيقي تجاه كوريا الشمالية, بما في ذلك القبول -بصورة ضمنية- بأن تبقى كوريا الشمالية قوة نووية في المستقبل القريب. لكني لا أعتقد أن ترمب يتبنّى تلك الاستراتيجية. أظن أن المحيطين به كانوا يرغبون فقط في جعله يشعر بأنه يفوز... بشيء ما. انظروا كيف أفرطت البيانات الصادرة من كوريا الجنوبية واليابان في مديح استراتيجية "ممارسة الضغط الأقصى" التي اتبعها ترمب, والتي جعلت "كيم" يرسل دعوة لترامب لزيارة بلده. يدرك الدبلوماسيون في كلا البلدين أن هذا محض هراء. لكنهم قرروا أن كيل المديح على ترامب هو أمر ضروري حتى يتمكّن الجميع من مواصلة حياته الطبيعية.

هم ربما يعتقدون أنهم يخدعون ترامب, لكن ماذا سيحدث عندما يدرك ترامب أن "كيم يونج أون" لن يتخلّى عن القنبلة النووية؟ هل نظن أن الرئيس الأمريكي غبي لدرجة أنه سينخدع برؤية عشرات آلاف الكوريين وهم محتشدون في استاد كرة قدم, رافعين بطاقات تشكّل صورة ضخمة لوجه ترمب المبتسم؟ ألا نظن أن ترامب سيدرك في نهاية المطاف أن "كيم" قد تغلّب عليه؟ وماذا سيحدث حينها؟ ينبغي أن نحرص على ألا يتحول تفاؤل ترامب الطفولي إلى سخط مرير. في هذه الحالة, قد يكون عام 2019 أكثر خطورة من عام 2017.

لأنه عندما يدرك ترامب ذلك, فإنه سيبحث عن شخص ليوجّه له اللوم. هل سيلقي ترامب باللوم على "ريكس تيلرسون", وزير خارجيته المأزوم؟ في هذه الحالة, سنكون محظوظين, فالعقاب الوحيد سيكون استبدال "تيلرسون" بــ"نيكي هايلي". ماذ لو ألقى باللوم على الرئيس الكوري الجنوبي "مون"؟ هل هذا سيخلق أزمة في العلاقات مع سيول؟ ثم هناك خوفي الأكير: ماذا لو ألقى ترامب باللوم على "كيم يونج أون"؟ ماذا لو خلص ترامب إلى أن "كيم" ضلله بطريقة ما؟ قد يكون هذ امرًا خطيرًا جدا. إن الأمر كله يتوقف على الجهة التي سيقع عليها اللوم. والشيء الوحيد الذي نعرفه أن ترامب لن يلوم نفسه.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية فورين بوليسى قمة ترامب - كيم

اضف تعليق