ما هي الأبعاد السياسية للحروب التجارية؟


١٣ مارس ٢٠١٨ - ١٢:٠١ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
رؤية
المصدر – ذا أتلانتك
ترجمة – شهاب ممدوح


يتسم نظام التجاري العالمي بخاصية مزعجة, تتمثل في أن الجهود المبذولة لحماية وظائف العمال الناخبين في بلد ما تضرّ بالوظائف وبالأصوات الانتخابية في بلد آخر. لهذا, انزعجت أوربا بسبب اقتراح الرئيس ترمب بفرض رسوم جمركية على واردات الألومنيوم والصلب, بحجة أن عمال الصلب الأمريكيين يخسرون وظائفهم لصالح المنافسة الأجنبية. لكن قارة أوربا تشعر هي الأخرى بالقلق بشأن عمال الصلب لديها, والذين تعتمد وظائفهم إلى حد ما على التصدير لأسواق مثل السوق الأمريكي.

لقد أظهر هذا التحرك التجاري ذو الدوافع القومية كيف يمكن للسياسة ان تتخذ طابعًا عالميًا, ويتجلّي هذا في تهديد أوربا بفرض رسوم جمركية مضادة تستهدف بعض البضائع الأمريكية الشهيرة, بالإضافة إلى –وهذا ليس على سبيل المصادفة- بعض الدوائر الانتخابية المهمة للكونغرس في الولايات المتحدة.  

يُعتبر الاتحاد الأوربي ثاني أكبر مصدّر للصلب للولايات المتحد (بعد كندا) وقال الاتحاد عقب اقتراح ترمب لأول مرة فكرة فرض الرسوم, إنه سيدرس اتخاذ إجراءات مضادة تستهدف بعض الصادرات الأمريكية لأوربا, من بينها مشروبات "ويسكي بربون" والدراجات النارية "هارلي ديفدسون".

لقد ساعد هذا النوع من الإجراءات الانتقامية أوربا في الماضي, إذ ساهمت تلك الإجراءات في إجبار "جورج بوش" على التراجع عن قراره بفرض رسوم جمركية على الصلب عام 2002. لكن من غير الواضح ما إذا كان الاتحاد سينجح في تغير موقف الرئيس الحالي. وقّع الرئيس ترمب يوم الخميس على أمر تنفيذي يقضي بفرض الرسوم الجمركية, لكن يبدو أنه ترك بعض الثغرات الكبيرة لصالح "الدول الصديقة" لتفادي تلك الرسوم, وهذا من المفترض أن يجعل الاتحاد الأوربي مرشحًا للإعفاء من هذا القرار. لكن الرد الرسمي للاتحاد الأوربي في الوقت الراهن ربما يشبه ردّ معظم دول العالم, كما وعد الاتحاد الاوربي "بالسعي للحصول على توضيح".

لكن مسألة إعفاء الدول الصديقة تتسم أيضا بالغموض, وربما يكون ذللك مقصودًا. من الخيارات المتاحة للاتحاد الأوربي, هو السعي للانضمام لكندا والمكسيك اللتان أُعفيتا من الرسوم. ذكر الرئيس ترمب "سيكون لي الحق في زيادتها أو خفضها، تبعا لكل دولة على حدة، وسيكون لي الحق في استثناء دول أو إضافة دول" ولفت ترمب إلى أن كرمه, حتى نحو الحلفاء التقليديين, قد يكون محدودًا. وأضاف ترمب "لو نظرتم إلى حلف الناتو, ستجدون أن ألمانيا تدفع 1 بالمائة بينما ندفع نحن  4,2 بالمائة من ناتجنا القومي الإجمالي الأكبر حجما, وهذا ليس عدلاًً. إن بعض دول حلف الناتو مدينة للحلف بمليارات الدولارات. إن الدفاع يعتبر أيضا جزءًا من التجارة- وهما يسيران جنبًا إلى جنبا إلى حد ما."

لكن إذا لم يتمكن الاتحاد الأوربي من استفياء المعايير التي يجب أن تلتزم بها "الدول الصديقة" لتجنّب الرسوم الجمركية, فمن المحتمل ان يتصرّف الاتحاد بطريقة أقل وديّة. فعقب محاولة الرئيس "جورج بوش الابن" فرض رسوم جمركية على الصلب مقدارها 30 بالمائة في عام 2002, أصدرت منظمة التجارة العالمة حكمًا بأن ذلك القرار ينتهك قواعد التجارة العالمية, ما دفع الاتحاد الأوربي للتهديد بفرض رسوم جمركية مضادة. كانت تلك الرسوم تستهدف دراجات "هارلي ديفيدسون" النارية, وسيارات مصنوعة في ميتشغن, وبرتقال مصدره ولاية فلوريدا, التي كان يحكمها "جيب بوش" شقيق الرئيس بوش. وقد أُنتجت تلك البضائع المستهدفة أيضا في ولايات متأرجحة انتخابيًا. كل ذلك دفع "بوش" للتراجع في نهاية المطاف.

وضع الاتحاد الأوربي في هذا الأسبوع قائمة لما يزيد على 100 منتج قد يجري فرض رسوم عليه, وتبلغ قيمة تلك المنتجات 3,5 مليار دولا, من بينها منتجات مألوفة: مشروبات "ويسكي بوربون", ودراجات "هارلي ديفيدسون" النارية, وثمارالبرتقال. ومجددا, لم يكن اختيار تلك البضائع عشوائيًا, لاسيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. أخبرني "ماثيو أوكسينفورد" الباحث في العلاقات الاقتصادية الأطلسية في مؤسسة "تشاتام هاوس" في لندن بما يلي: "تُصنع دراجات (هارلي ديفيدسون) ومشروبات (بوربون) في ولايتي ويسكونسون وكنتاكي, وليس من قبيل المصادفة أن هاتين الولايتين هما مسقط رأس الزعماء الجمهوريين في مجلس النواب والشيوخ". ويضيف الباحث "قرار الاتحاد الأوربي كان مقصودًا للتأثير على جهة سياسية بعينها. كما أن اختيار برتقال فلوريدا سببه أن المنافسة الانتخابية في تلك الولاية متقاربة".

يقول "أندرية سابر", أحد كبار الزملاء في مؤسسة "بروجيل" المتخصصة في الشؤون الاقتصادية الأوربية, إنه قبل أن ينفذ الاتحاد الأوربي تهديده, عليه أن يذهب أولاً لمنظمة التجارة العالمية, إذ يمكنه اتهام الولايات المتحدة هناك بانتهاك قواعد التجارة العالمية. أخبرني "سابر", وهو مستشار اقتصادي سابق لرئيس المفوضية الأوربية, أن الحكم الذي أصدرته منظمة التجارة العالمية عام 2003 ضد رسوم الولايات المتحدة على الصلب هو من "أعطى الاتحاد الأوربي ودول أخرى الضوء الاخضر لاتخاذ إجراءات مضادة". في هذه المرة, من المتوقع أن يشكك الاتحاد الأوربي في زعم إدارة ترامب بأن فرض الرسوم الجمركية جاء لحماية الأمن الوطني- بالرغم من وجاهة هذا "الإجراء الوقائي", إلا أنه نادرًا ما يتم اللجوء إليه. قالت "سيسيليا مالمستروم" مفوضة التجارة في الاتحاد الاوربي يوم الأربعاء: "لا نفهم كيف يمكن أن يكون الاتحاد الأوربي, والأصدقاء والحلفاء في حلف الناتو, تهديدًا للأمن الوطني الأمريكي". وأضافة المفوضة "ما نفهمه أن قرار الولايات المتحدة هو بمثابة إجراء اقتصادي وقائي مقنّع, وليس إجراءً متعلقًا بالأمن القومي".

لو اعترضت الولايات المتحدة على قرار صادر من منظمة التجارة العالمية ضد رسومها الجمركية, متحججة بمسألة الأمن الوطني, فمن غير الواضح كيف سيكون ردّ المنظمة. يقول الباحث "أوكسينفورد" إن "منظمة التجارة العالمية ليس لديها خبرة كبيرة في الفصل في هذا النوع من المنازعات", لافتًا إلى أن قرار الولايات المتحدة باستهداف حلفائها وخصومها الجيوسياسيين على حد سواء, يمكن أن يجعل حجتها تبدو واهية. وحتى لو أصدرت منظمة التجارة العالمية قرارًا ضد الولايات المتحدة, فمن غير المرجّح أن يغيّر هذا من موقف الرئيس. لقد هدد ترمب بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية, والتي اتهمها أيضا بالانحياز ضد الولايات المتحدة, إذ ذكر ترمب في شهر أكتوبر "نحن نخسر كل القضايا تقريبا داخل منظمة التجارة العالمية, لأن لدينا قضاة أقل من الدول الأخرى" مضيفًا "هذا فخ, لا يمكنك الفوز هناك".

لقد أبدى الرئيس ترمب بالفعل استعداده لتقويض منظمة التجارة العالمية. إذ استخدمت إدارة ترمب منذ عام 2017 حق النقض لمنع ترشيح قضاة لملء المواقع الشاغرة في هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية والمكوّنة من سبعة أعضاء, وهي هيئة مختصة في الفصل في المنازعات بين الدول. هناك أربعة قضاة باقون في مواقعهم, من بينهم قاض ستنتهي فترة ولايته في شهر سبتمبر. يقول الباحث "أوكسينفورد" إنه "عندما تنتهي فترة ولاية ذلك القاضي, سيتبقى ثلاثة أعضاء فقط في هيئة الاستئناف للفصل في أي منازعات تجارية عالمية" ويلفت "أوكسينفورد" إلى أنه في حال انخفاض عدد القضاة إلى ما دون حاجز الثلاث قضاة, وهو الرقم المطلوب للفضل في أي منازعات, فإننا "سنسير نحو طريق مجهول".  
                                                                                             

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية التجارة العالمية ذا أتلانتك

اضف تعليق