من كازخستان إلى اليونان.. تعرف على خمسة مشاريع جديدة على طريق الحرير


١٨ مارس ٢٠١٨ - ٠٤:٥٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

إن مشاريع "طريق الحرير الجديد" تشبه قطع الأحجية المتناثرة في غرفة مليئة بالأغراض. فأنت ترى بعضًا منها هنا والبعض الآخر هناك, وعندما تنظر إلى تلك المشاريع كل على حدة, فإنك لا تعيرها اهتمامًا كبيرًا, متسائلاً: لماذا تبني الدول المعتمدة على الموارد مراكز نقل هائلة في وسط هذا الخلاء المقفر؟ لكن عندما نبدأ في ربط النقاط ببعضها, حينها سنرى كيف أن قطع الأحجية تجتمع معا لتشكّل صورة أكبر لما سيكون عليه الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.

إن منطقة أوراسيا -الكتلة الأرضية القارية التي تضم أوروبا وآسيا- يجري ربطها ببعضها البعض سريعًا حتى تتحول إلى سوق متصل جغرافيًا يغطي نحو 65 بالمائة من السكان و75 بالمائة من موارد الطاقة و40 بالمائة من الناتج القومي المحلي في العالم. وفي ضوء ذلك, فإن الحديث عن مشاريع طريق الحرير الفردية هو أمر لا طائل منه. ما يهم هو الشبكة, إذ تضم شبكة الطرق تلك اقتصاديات وأنظمة سياسية تمتد من الصين إلى أوربا ضمن مبادرة موحّدة نوعا ما. وهذا أمر لم يحدث من قبل.

وبناء على ما تقدم, فإنه بإمكاننا توقع المسار الذي سيأخذه طريق الحرير في المستقبل عبر النظر إلى المكان الذي يوجد فيه هذا الطريق اليوم. نحن نتحدث عن مناطق بعيدة ومنفصلة تتحول إلى مراكز إقليمية مترابطة للخدمات اللوجستية, ودول معتمدة على الموارد تعمل على تطوير قدراتها الزراعية والصناعية والتجارية, واقتصاديات كانت فقيرة وغير متطورة في الماضي تعيد تشكيل نفسها لتكون مراكز للإنتاج والابتكار. عندما تترابط الاقتصاديات, فإنها تشهد تغيّرا, وهذا يعني أن مفهومنا تجاه طبيعة تلك الدول والأدوار التي ستؤديها يجب أن يتغيّر هو الآخر.

ميناء بيرايوس في اليونان
تطلق وسائل الإعلام الصينية اليوم على ميناء "بيرايوس" اليوناني وصف "النجم اللامع في عالم البحار", وعندما ننظر إلى وضع هذا الميناء قبل أن تستحوذ عليه الصين, فسندرك أن هذا الوصف ليس بالضرورة بعيدا عن الحقيقة.

نظرًا إلى حاجتها لدفع 245 مليار دولار للبنك المركزي الأوربي, اضطرت اليونان لعرض مينائها الرئيسي للبيع. تحركت شركة "كوسكو" الصينية (COSCO) للشحن البحري لاقتناص الميناء في عام 2016, مستحوذة على 51 بالمائة من أسهمه مقابل 316 مليون دولار, فضلا عن الاستحواذ على 16% إضافية من الأسهم خلال الخمس سنوات القادمة مقابل 99 مليون دولار.

بعد أول عام من تشغيل الصين للميناء, ارتفعت العائدات ارتفاعا هائلاً, إذ ارتفع الدخل من محطة الحاويات لوحدها بنسبة 53,1 بالمائة على أساس سنوي, وذلك بفضل ارتفاع حجم الحاويات بنسبة 70,6 بالمائة.

إن أهم ما يميّز ميناء "بيرايوس" هو ليس كونه بوابة الصين الوحيدة لأوروبا, ولكن أيضا لأنه يربط بين الموانئ البحرية الأخرى التي تشغّلها الصين في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وجنوب وجنوب شرق آسيا وأماكن أخرى في أوروبا, فضلا عن مشاريع النقل الصينية الأخرى في أرجاء المنطقة, مثل خط القطارات السريع بين المجر وصربيا.

منطقة "هورجوس" الحدودية
لقد بُنيت مدينة "هورجوس"- وهي مدينة جديدة على الحدود الصينية والكازخية- حول ميناء جاف.

تقول التقاليد: إن اسم "هورجوس" يعني "المكان الذي يعجّ بفضلات الجمل", لكن المستثمرين الذين انتقلوا بأعداد كبيرة إلى تلك المنطقة, بدأوا في صياغة ترجمة بديلة: "المكان الذي يعجّ بالثروة". وفي هذه الحالة, يبدو أن التسمية الجديدة أقرب إلى الحقيقة.

إن منطقة "هورجوس" ليست مجرد مدينة جديدة أو منطقة تكنولوجية متطوّرة أو منطقة معفاة من الرسوم, أو حتى مجرد ميناء يقع في منطقة بعيدة, لكنها تجمّع حضري شامل للتنمية على جانبي حدود البلدين. وقبل بضع سنوات, لم يكن هناك إلا الكسبان الرملية, وحقول نبات الخزامى, والجبال المكسوّة بالثلج.

على الجانب الصيني من المدينة, هناك مدينة جديدة تحمل بصمات "صُنع في الصين": مركز للمدينة, مبان سكنية مرتفعة مترامية الأطراف, ومنطقة تكنولوجية متطورة تهدف لتكون مركزًا للروبوتات, ومنطقة للوجستيات,  ومناطق صناعية أخرى متنوعة. وبالرغم من أن "هورجوس" يمتد تاريخها إلى سلالة "سوي" الحاكمة (581-618 بعد الميلاد), إلا أن أمر بناء مدينة "هورجوس" الحديثة لم يصدر إلا في يونيو عام 2014, إذ جرى ضخّ استثمارات بقيمة 3,25 مليار دولار. تتمثل رؤية الصين في تحويل "هورجوس" إلى ثقل اقتصادي يوازن المدن المزدهرة على ساحل الصين الشرقي, مثل شنغهاي وجوانجو وشين جين. من المتوقع انتقال 200 ألف شخص قريبا لهذه المدينة التي تشهد تطورًا.

أما على الجانب الكازاخي, فتوجد "المنطقة الاقتصادية الخاصة لمدينة هورجوس" ذات المساحة الضخمة, والتي تضم ميناء هورجوس الجاف ومدينة "نروكينت" الجديدة. وهذا المشروع أيضا تشرف عليه الحكومة المركزية, إذ تـأتي الأوامر- والتمويل- مباشرة من أستانة (عاصمة كازخستان).  

ما يربط الجانبين الصيني والكازاخي هو منطقة تسمى "المركز الدولي للتعاون الحدودي". هذا المكان هو عبارة عن سوق مشتركة بين البلدين معفية من الرسوم, وذات مساحة هائلة تبلغ 3,43 كيلو متر مربع, ولهذا المكان قوانينه الخاصة بالهجرة والضرائب والشؤون المالية. ومن المتوقع أن يصبح هذا المكان السوق المركزية لطريق الحرير, إذ بإمكان أي شخص من أي مكان في العالم دخوله من دون تأشيره, وممارسة التجارة أو التسوق هناك.

ميناء باكو الجديد  
إن موقع "ميناء باكو الجديد" في  منطقة "أليات" لا يوحي بإمكانية القيام بتجارة دولية أو حدوث اندماج ثقافي واقتصادي بين البلدان. إذ يقع الميناء وسط منطقة ذات طبيعة قاسية يكسوها التراب البني, وهي بيئة لا تسمح حتى بنمو شجيرات الصحراء المقفرة فيها. ويقع الميناء مباشرة على ساحل بحر قزوين الذي يتلألأ بدوامات قوس قزح الناتجة عن تسرب النفط. لكن تلك الأرض القاحلة التي تبلغ مساحتها 20 كيلومترا مربعا, هي موقع لأحد أكثر مناطق اللوجستيات والتصنيع التي تبعث على الأمل في كل مشروع طريق الحرير.

أهم ما يميّز ميناء باكو الجديد في "أليات" هو موقعه الجغرافي, إذ يقع في مفترق طرق بين الممر الأوسط لطريق "الحزام والطريق", ويضم هذا الممر خط باكو-تبليسي-كارس للسكك الحديدية, وممر النقل الدولي الناشئ (شمال-جنوب), والذي يربط الهند بروسيا عبر إيران. إن تلك المنطقة من العالم تتطوّر وتنوّع من اقتصادها بخطى متسارعة, كما أن ممرات النقل تلك هي الإطار التي سترتكز عليه العمليات الانتقالية التي ستمر بها تلك المنطقة.

إن أذربيجان لديها من النفط ما يكيفيها ل 30 عامًا فقط, وهي تعتبر انتقالها إلى اقتصاد يعتمد على اللوجستيات أولوية وطنية.  

الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان  

إن إعلان الصين تخصيص 50 مليار دولار للاستثمار في مشروع "الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان" يجري في الواقع تنفيذه على الأرض الآن.

إن هذه المبادرة الجريئة الهادفة لشقّ طرق للتنمية من شمال إلى جنوب باكستان, وهي بلد غير مستقر ويعاني من أزمات اقتصادية متقطعة, ستعالج معضلتين تنمويتين رئيسيتين تعاني منهما هذه الدولة: النقل والطاقة. ووفقا للمشروع, سيجري ربط ميناء "جوادار" الصيني بشمال باكستان عبر طرق وخطوط قطارات وأنابيب, ما سيخلق جهازا عصبيا جديدا يمكن ربط مشاريع تنموية إضافية به مستقبلاً. وفوق كل ذلك, يجري العمل على مشاريع طاقة جديد لمعالجة النقص المزمن في الطاقة في باكستان, إذ يُعتقد أن نقص الطاقة قلل من حجم الناتج القومي الإجمالي بنسبة 2 إلى 2,5 بالمائة.

تطوير وسط وغرب الصين  
تعتبر مبادرة الحزام والطريق الصينية, في معظمها, استمرارًا مفعمًا بالحماسة لمبادرتين تنمويتين وطنيتين سابقتين: مبادرتا"الاتجاه للخارج" و"الاتجاه غربًا". لقد سعت هاتان المبادرتان, اللتان انطلقتا في عامي 1999 و200 على التوالي, لتوسيع حدود الازدهار الاقتصادي الموجود في الساحل الشرق للصين إلى مناطق جديدة داخل البلاد وخارجها.  

لقد جرى استثمار مليارات الدولارات في بناء مدن في وسط وغرب الصين, وجري ربط تلك المدن بشبكة جديدة تماما من الطرق. منذ انطلاق سياسة "الاتجاه غربا", شيّدت الصين ما يزيد على 60 ألف كيلو متر من الطرق السريعة الجديدة, وما يزيد على 25 ألف كيلومتر من الخطوط الجديدة للقطارات السريعة, وما يزيد على 100 مطار جديد. إن هذه الثورة التي مرّت بها شبكات البنية التحتية, بعثت الحياة في مدن الداخل الصيني التي كانت متخلفة عن الركب ذات يوم, ومكّنت العديد من الشركات متعددة الجنسيات والشركات المحلية الصينية الموجودة في الشرق الصيني من نقل إنتاجها بعيدا عن الساحل الشرقي. لقد باتت العديد من تلك المدن الصينية التي جرى إنشاؤها من العدم في المناطق الداخلية للصين , مثل تشنغدو تشونغ تشينغ و تشيان وتشانغشا, و وهان وغويانج, من بين أفضل المدن التي تبلي بلاءً حسنا اليوم في الصين, إذ أدرج معهدا "ميلكين" و"ماكينزي" عددًا من تلك المدن الحديثة في تقريرهما المعنون "المدن الخمسة والسبعون الأكثر دينامية لعام 2025".

ربما ليس من قبيل المصادفة أن العديد من المدن التي ولدت من رحم سياسة "الاتجاه غربا" هي بعض من أنشط المناطق الصينية الواقعة على طول طريق "مبادرة الحزام والطريق". لقد كانت مدينتا "تشونغ تشينغ" و "تشنغ دو" أول مدينتين تطلقان رحلات قطار منتظمة إلى أوربا. وبالإضافة إلى هاتين المدينتين, يجري الآن تنفيذ مشاريع رئيسية ضمن مبادرة "الحزام والطريق" في مدن "شيان" و"وهان" و"لانغو" و"تشنغ جو", فضلا عن مدينة "هورجوس", كما ذكرنا آنفا. إن المبادرات التنموية الصينية التي انطلقت في بداية عام 2000 مهّدت الطريق لمبادرة "الحزام والطريق" في العقد الثاني للألفية وما بعده.

إن قوة ما بات يسمى بــ"طريق الحرير الجديد" تكمن في شبكة الطرق التي تربط منطقة أوراسيا. وبالرغم من أن العديد من أكبر مشاريع طريق الحرير تحظى بدعم من الصين, إلا أن هناك مشاريع أخرى يجري تنفيذها برعاية اليابان والهند أو روسيا, فضلا عن مشاريع وطنية تقوم بها دول فردية تسعى للانضمام لطرق التجارة الجديدة.

يقول "جوناثون هيلمان" -من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية- "تدرك القوى الآسيوية أن الاقتصاد هو أمر إستراتيجي في القرن الحادي والعشرين" ويضيف قائلا: "القوة العسكرية ما زالت مهمة, لكن هناك اتجاه آخذ في الازدياد يتمثل في مراكمة القوة وممارستها في الميدان الاقتصادي. هم يدركون أن البنية التحتية هي أدة مهمة لكسب الأصدقاء, وتنمية اقتصادياتهم, وتنويع سلاسل إمدادتهم من أجل تقليل المخاطر".

المصدر- فوربس


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مجلة فوربس

اضف تعليق