تعرف على القواعد المُنظمة لحرفة الجاسوسية بين روسيا والولايات المتحدة


٢١ مارس ٢٠١٨ - ٠٥:٥٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

أثار تسميم العميل الروسي المزدوج السابق "سيرجي سكريبال" وابنته عبر استخدام غاز أعصاب نادر, مخاوف جديدة في عواصم حلف الناتو بشأن استعداد روسيا لتصعيد عملياتها الاستخباراتية, متجاوزة بذلك القواعد المتعارف عليها.

أشارت الحكومتان البريطانية والأمريكية بأصابع الاتهام نحو روسيا عقب ذلك الهجوم, الذي أعقب سلسلة من حالات الوفاة الغامضة لمواطنين روس في المملكة المتحدة في السنوات الأخيرة. بالنسبة ل "جاك ديفاين", عميل ال "سي آي آيه" المخضرم الذي خدم في تلك الوكالة لوقت طويل, فيبدو أن بعض الاتفاقيات غير المكتوبة مع روسيا في حرفة الجاسوسية لم تعد سارية. "يبدو أن روسيا اليوم باتت غير ملتزمة بأي قواعد" كما يقول "ديفاين" في مقابلة مكتوبة, مستشهدًا بما قامت به روسيا من حملات اغتيال, وتدخلات في انتخابات في دول أجنبية, وقصف للمدنيين في سوريا.

هل هناك قواعد تحكم العمل التجسسي؟
عقد جهازا الاستخبارات الأمريكي والروسي منذ عهد "ستالين" اتفاق شرف فيما بينهما, يُشار إليه غالبا باسم "قواعد موسكو", يتم بموجبه تقييد الطريقة التي يتعامل بها الطرفان مع بعضهما. وبموجب تلك القواعد -إلى جانب عقيدة التدمير المتبادل المؤكد السائدة بين البلدين حينها- اتفق الطرفان على عدم مهاجمة بعضهما عسكريًا, وعدم الانخراط في أنواع معينة من الأنشطة, مثل تزوير عملتي بعضهما الآخر, وعدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لكل منهما.

ما هي بعض الأنشطة التقليدية المتعارف عليها في عالم التجسس؟
بعبارة بسيطة, تتشكّل حرفة الجاسوسية من جزئين: التجسس والعمليات السرية. وكلاهما يستخدم مجموعة متنوعة من الأساليب والأدوات التجسسية, من بينها التجنيد وجمع المعلومات الاستخباراتية والإيقاع في الشرك ودعم أنشطة سياسية معارضة والقيام بحملات مناصرة وتصميم ونشر الدعايات والانخراط في أنشطة شبه عسكرية والتخطيط لعمل انقلابات. هناك أساليب عدة تنفذ بها أجهزة الاستخبارات تلك الأعمال, لكن هذه الأساليب -بحسب الهدف والمخاطر المترتبة- ربما لا تخضع للعديد من المعايير المقيّدة.  

هل كانت هناك قواعد أخرى بخلاف قواعد موسكو؟
خلافا لما يتوقعه الكثيرون, تقيّدت روسيا والولايات المتحدة بقواعد وضوابط فرضتها هاتان الدولتان على نفسيهما. إذ عملت أجهزة الاستخبارات الأمريكية, لحسن الحظ وبصورة صحيحة, ضمن الحدود الصارمة للقانون الأمريكي. فعلى سبيل المثال, لم تكن الاغتيالات جزءًا من عمل أجهزة التجسس الأمريكية ضد روسيا أو أي طرف آخر لزمن طويل. في بداية الحرب الباردة, وتحت سلطة البيت الأبيض, خططت وكالة الاستخبارات "سي آي آيه" أو فشلت في تنفيذ عمليات اغتيال ضد بعض القادة, من بينهم الرئيس الكوبي "فيدل كاسترو" والرئيس الكونغولي "باتريس لومومبا" ورئيس جمهورية الدومينيكان "رافئيل تروجيلو".

عقب تشكيل لجنة "فرانك تشرش" في مجلس الشيوخ في أوائل السبعينيات, حُظر على "سي آي آيه" الانخراط في هذا النوع من الأنشطة تمامًا, وقد جرى الالتزام بهذا الحظر بشكل صارم. لم تُسجل منذ ذلك الوقت أي عمليات اغتيال قام بها "سي آي آيه" ضد عملاء استخبارات معادين, أو خونة أمريكيين, أو معارضين سياسيين. في المرحلة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر, نفّذت الولايات المتحدة هجمات بطائرات مسيّرة ضد إرهابيين, مع ذلك لم يصنف الكونغرس أو المحاكم الأمريكية تلك الهجمات باعتبارها عمليات اغتيال. فقد اعتُبرت جزءًا من حرب تستهدف إرهابيين على أرض المعركة.

ماذ عن روسيا؟  
على النقيض من ذلك, ومنذ نشأتها في عهد الحكم القيصري, استخدمت الاستخبارات السوفيتية والروسية الاغتيالات كجزء من عملها التجسسي عدة مرات, بداية من استهداف "ليون تروتسكي", مرورًا باغتيال "أليكسندر ليتفنينكو", وصولا, فيما يبدو, إلى اغتيال "سيرجي سكريبال" مؤخرا. وبناء على ما تقدم, وبحسب علمي, فإن الروس لم يستخدموا الاغتيالات ضد أفراد في وكالة "سي آي آيه" أو ضد مواطنين أمريكيين بشكل عام, باستثناء الحادثة الغريبة التي تعرّض لها الدبلوماسيون الأمريكيون والكنديون في كوبا. لكن ليس هناك معلومات كافية بشأن تلك الحادثة.

نحن نعلم من "أرشيف ميتروخين" ومن روايات المنشقين من أمثال "أوليج كالوجين", أن المكتب السياسي للحزب الشيوعي ألغى تنفيذ العديد من أفظع وأخطر العمليات التي كان جهاز الاستخبارات السوفيتي "الكي جي بي" ينوي تنفيذها. أما اليوم, وفي ظل حكم فلاديمير بوتين, فإنا لست متأكدًا من وجود قيود ممنهجة على عمليات الاستخبارات الروسية.  

يبدو أن روسيا غير مقيّدة بأي قواعد, سواء كانت قواعد موسكو, أو تجنب المخاطر, أو حكم القانون ومبادئ اللياقة العامة. إن قائمة التجاوزات الروسية المزعومة تستمر في الزيادة: عمليات قصف غير مقيّدة ضد المدنيين في سوريا,  والتدخل في الانتخابات  في شرق وغرب أوربا والولايات المتحدة, ورعاية برنامج ممنهج لتعاطي المنشطات بين الرياضيين الأولمبيين, وتنفيذ حملات اغتيال ضد معارضين وكاشفين أسرار وناشطين حقوقيين وصحفين مستقلين محليين, بالإضافة إلى منشقين عن أجهزة استخباراتها, والعميل المزدوج "سيرجي سكريبال" ينطبق عليه هذا الوصف. كما أن الأساليب المتبعة في الاغتيالات والمتمثلة في حدوث موت بطيء وبشع بعد التعرّض لغازات سامة مصنوعة بعناية, هي أمر يثير قلق الكثيرين.

هل هذا عهد جديد لغياب القواعد في حرفة الجاسوسية؟   
بالرغم من خروج جهاز الاستخبارات الروسية الخارجية (أس في آر) عن مساره المعتاد بشكل واضح -والأمر ذاته ينطبق على كوريا الشمالية بعد اغتيال "كيم يونج نام"- إلا أنني لا أعتقد أن هذا يُصنّف بأنه عهد جديد من غياب القواعد في حرفة الجاسوسية. بدلاً من ذلك, أنا أستطيع القول بإن هناك بعض القيود غير الرسمية مازالت موجودة.

كيف ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها الرد؟  
أنا آمل في إرجاع روسيا من حافة الهاوية عبر مزيج من الردود القوية والمحادثات السرية, وهو ما سيجبر روسيا على لجم أفعالها.

فيما يتعلق بمسألة الاغتيالات, فإنه لحسن الحظ لم يتم استهداف مواطنين أمريكيين, ولم يجر تنفيذ أي عمليات على الأراضي الأمريكية. وبناء على ذلك, ينبغي علينا مواصلة الوقوف بقوة إلى جانب حلفائنا البريطانيين, وتوجيه إدانات علنية للروس بسبب أفعالهم, إلى جانب فرض عقوبات سياسية واقتصادية قوية. ينبغي أيضا السعي لعقد محادثات صريحة بين الرئيسين ترمب وبوتين ورؤساء أجهزة استخباراتهما, بهدف إعادة العمل بشكل من أشكال "قواعد موسكو". إن لم يتم التوصل لاتفاق, فينبغي علينا الرد بالمثل, وفرض عقوبات سياسية واقتصادية حقيقية لإجبارهم على الكفّ عن ممارساتهم.
  
المصدر - مجلس العلاقات الخارجية

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مجلس العلاقات الخارجية

اضف تعليق