سوريا: متى وكيف تنتهي هذه الحرب؟


١٦ أبريل ٢٠١٨ - ١٢:٢٩ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

في أوائل 2003, عندما كان الجنرال ديفيد بترايوس لا يزال قائد الوحدة 101 أيربورن وكان يجهز لغزو العراق, طرح الجنرال سؤالًا مهمًا: "كيف تنتهي هذه الحرب؟" بعدها بحوالي خمسة عشر عامًا, لم نقترب من الحصول على إجابة تمامًا مثلما كنا في حالة العراق, ولا يبدو أننا قريبون من الحصول عليها في حالة سوريا. إن الغرض من الحرب ليس تحقيق انتصارات عسكرية. الغرض هو إرساء سلام يخدم الأهداف الاستراتيجية الدائمة للأمة التي تخوض الحرب. نحن لم نستطع التركيز على هذا الهدف في أي من "حروبنا." ليس فقط في العراق وسوريا, بل في أفغانستان, وليبيا, واليمن, والكثير من المعارك الصغيرة الأخرى ضد الإرهاب والتطرف في غرب وشرق أفريقيا.

جدل حول الرحيل بدون أي أهداف استراتيجية
إن الجدل الحالي حول مغادرة سوريا يوضح هذا الفشل الخطير في الاستراتيجية الأمريكية بصورة جلية. إذا لم يفعل الرئيس ترامب ما هو أكثر من معاقبة نظام الأسد على استخدام الأسلحة الكيميائية مرة أخرى, سوف يستمر الجدل حول الأهداف الخطأ. إنه لن يعالج الأهداف الاستراتيجية الأساسية للحرب في سوريا والعراق أو محاربة الإرهاب. إنه لن يفعل شيئا لإرساء سلام مستقر يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية, ومصالح حلفائنا العرب الاستراتيجيين وإسرائيل, أو الاحتياجات الضرورية للشعب السوري. إنه ليس حتى جدلًا حول متى تنتهي الحرب, إنه ببساطة جدل حول متى ينبغي أن تغادر الولايات المتحدة.

إنه جدل حول متى تغادر الولايات المتحدة سوريا, ويقوم على متى يمكن للولايات المتحدة أن تدعي أنها هزمت داعش في سوريا. من ناحية, صرح الرئيس بأن الرحيل سيكون "في وقت قريب" بناءً على رأيه بإنه هزم داعش وليس لديه أهداف استراتيجية أخرى في المنطقة.

من الناحية الأخرى, يبدو أن وزير الدفاع وكبار القادة العسكريين الأمريكيين يدعون للرحيل في وقت "لاحق" -غير محدد- والذي تتوقع وسائل الإعلام أنه مرتبط إما بوقت ما هذا العام أو بالهزيمة الكاملة لداعش. بهدوء أكثر, يرون أسبابًا استراتيجية مؤثرة للبقاء في المنطقة: التهديدات التي تشكلها إيران, والتهديد المستمر للتطرف والإرهاب, والحاجة لتوفير الأمن للحلفاء العرب وإسرائيل, والتأثير الهام للتدفق الآمن لصادرات البترول من المنطقة من أجل سلامة الاقتصاد العالمي والأمريكي.

حكم الأسد لمعظم أو كل سوريا, وشعب لديه كل الأسباب ليكرهونه؟
مع هذا, لم يربط الرئيس ولا الوزير ولا كبار القادة العسكريين الجدل حول مغادرة سوريا بما سيحدث للأكراد والعرب الذين دعموا الولايات المتحدة في محاربة داعش حالما ترحل الولايات المتحدة. لم يخاطب أي منهم علنًا أي من هذه القضايا الاستراتيجية الرئيسية التي ستشكل فعليًا نتيجة الحرب, أو أية فكرة عما سيحدث بمجرد أن ترحل القوات الأمريكية, أو أي جهد لتحقيق سلام هادف ودائم.

ركز الجانبان بشكل شبه حصري على هزيمة داعش في سوريا, وأصبح الجدل مفصولًا عن كل الأهداف الاستراتيجية الهادفة في العملية. والأسوأ من ذلك, لم يحاول الرئيس الحالي أو الوزير وكبار القادة العسكريين الحاليين الإجابة على سؤال بترايوس حول "كيف تنتهي هذه الحرب؟" مثل الرئيس بوش, والرئيس أوباما, وكل وزير دفاع وقائد كبير سابق منذ 2003, لم يحاولوا مطلقًا شرح كيف تنتهي المعركة الأمريكية في سوريا -أو أي حرب حالية أخرى- بسلام مستقر والذي يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية.

حرب مستمرة أم "مفاوضات لإنهاء السلام كله"
النتيجة النهائية هي حرب في سوريا والتي ربما تصبح أسوأ إذا غادرت الولايات المتحدة, وإذا خلقت المفاوضات توقفًا جزئيًا في القتال بدون معالجة أي من أسبابه الأساسية. هذه المفاوضات قد يكون لها نتيجة أسوأ في سورياوالمنطقة من المفاوضات التي أنهت الحرب العالمية الأولى. إذا كانت الحرب العالمية الأولى انتهت بـ"سلام لإنهاء كل السلام," فإن الحرب السورية تبدو وأنها ستؤدي إلى نوع من المفاوضات التي ستترك معظم سوريا تحت سيطرة الأسد, والروس, وإيران, وحزب الله. سوف تنتهي بخضوع معظم أراضي وشعب سوريا لسيطرة نظام غير مستقر تقوده أقلية ضئيلة والتي ستحاول قمع شعب الدولة الذي ينتمي 75% منه إلى المذهب السُني.

لا توجد أرقام دقيقة حول حجم معاناة الشعب السوري. يبدو من المرجح أن 400 ألف على الأقل لقوا حتفهم نتيجة للقتال منذ 2011 -معظمهم من السُنة العرب- وخارج المناطق التي يحكمها الأسد ومؤيدوه. بعض التقديرات تضع عدد الوفيات فوق الـ500 ألف, ولا تشمل أي واحدة من هذه التقديرات الجرحى والعاجزين، وهو في العادة يتجاوز عدد القتلى بكثير.

مع هذا, الغالبية العظمى من تلك الخسائر ليس لها علاقة بداعش أو التطرف والإرهاب الإسلامي. يتمركز معظم سكان سوريا -أكثر من 70% تقريبًا- في الغرب وخارج المنطقة التي حكمها داعش حتى في ذروته. كان السبب هو استخدام قوات الأسد للأسلحة الكيميائية, والبراميل المتفجرة, والمدفعية وأشكال أخرى من القتال والتي سببت معظم الوفيات, والإصابات, والنزوح. إنها روسيا, وإيران, وحزب الله الذين أضافوا إلى العدد الإجمالي, بالإضافة إلى عدد أقل من المدنيين الذين تأثروا بهجمات خليط منقسم بشدة ومتغير من قوات الجيش السوري "الحر" - وهي قوات تنوعت من معتدلين إلى متطرفين مرتبطين بتنظيم القاعدة.

كل هذه الهجمات تقريبًا استهدفت السكان السُنة في سوريا, والذين يمثلون حسب تقديرات السي آي إيه 75% من إجمالي السكان. أما الـ13% المتبقين الذين يُعتبرون مسلمين بالاسم على الأقل يشملون عدد ضئيل من العلويين بالإضافة إلى الشيعة والإسماعيليين. يشكل المسيحيون 10%, والدروز 3%, ويوجد عدد صغير من اليهود والأقليات الأخرى. تتمركز هذه الأقليات بشكل كبير في الغرب والمناطق التي ظلت تحت سيطرة الأسد.

التكلفة البشرية للقتال حتى اليوم
إن التكلفة البشرية الكاملة للقتال حتى يومنا هذا غير محددة بدرجة كبيرة, وهناك تقديرات تُدرج أثر القتال منذ نهاية 2017. إن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين حريصة على تقييم الأمور غير المؤكدة في تقديرها لعدد السوريين الآخرين -السُنة العرب بشكل كبير- الذين عانوا من القتال. تقدر الأمم المتحدة أنه حتى ديسمبر 2017 -والقتال الرئيسي لا يزال جاريَا- 13,1 مليون سوري داخل سوريا في حالة عوز من إجمالي سكان تقدرهم السي آي إيه بـ18 مليون نسمة تقريبًا.

يُعتبر 6,1 مليون أشخاص نازحين داخليًا -معظمهم بلا عمل, أو منازل, أو إمكانية الحصول الآمن على الغذاء والماء, والتعليم, والدواء والخدمات الأخرى. و2,98 مليون لا يزالون في مناطق محاصرة يصعب الوصول إليها- الكثير منهم ينقصهم الغذاء ولديهم سبب جيد ليكرهوا الأسد. و5,6 مليون آخرين لاجئين خارج سوريا, معظمهم لا يملكون الآن شيئًا لكي يعودوا "للوطن" من أجله.

مع هذا, الكثير من الأمور الأخرى تدخل في عملية إرساء سلام مستقر, والتحدي يتجاوز التعامل مع الضرر المباشر الذي سببه القتال. حذر البنك الدولي من ذلك في أوائل 2017، قبل أن تقع بعض من هجمات الأسد الأكثر شراسة ضد المدنيين في الغرب.

"ألحق الصراع ضررًا جسيمًا برأس المال المادي الخاص بالجمهورية العربية السورية (دُمرت 7% من المنازل و20% تضررت جزئيًا), وأدى إلى عدد ضخم من الوفيات والنزوح القسري (بين 400 ألف و470 ألف حالة وفاة مقدرة وأكثر من نصف سكان سوريا في عام 2010 نزحوا قسريًا), في الوقت الذي أضعف فيه النشاط الاقتصادي وعرقله. من 2011 حتى نهاية 2016, قُدرت الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي عند 226 مليار دولار, حوالي أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا عام 2010".

كل هذه أسباب جيدة لكي يكره أغلبية السوريين النظام الذي يقوده الأسد وجماعة من العلويين والدخلاء. نتيجة لهذا, لا يحتاج الأمر لكثير من التكهن للتنبؤ بأن أية مفاوضات تنتهي بسيطرة الأسد على معظم سوريا -والعلاقات المستمرة مع إيران وحزب الله- سوف تستمر فقط من خلال القمع الاستبدادي الوحشي, وتحريض الفصائل ضد بعضها البعض, وإثارة الكراهية, والغضب, والمقاومة, وبعض أشكال الحرب الأهلية المستمرة و/أو الانتفاضة العنيفة في نهاية المطاف.

في أفضل الأحوال, السكان المكونون من مقاتلين "سابقين" (أو غير "سابقين") الذين احتفظوا بالكثير من أسلحتهم, ولديهم عدد كبير من المقاتلين المحنكين (بعضهم متطرفين سابقين في داعش والقاعدة) لن يرضوا بهذه النتيجة. إنهم أيضًا من اليافعين. تقدر السي آي إيه أن متوسط العمر في سوريا هو 24 فقط, وأن 32% من السكان في العمر من 0 إلى 14 عامًا, بينما 20% آخرين في العمر من 15 إلى 24 عامًا. هذه أعداد ضخمة فيما يتعلق بسبع سنوات من النشأة في معاناة, ومعظم اللاجئين السوريين خارج سوريا لديهم سبب مماثل لكره نظام الأسد وتوفير السلاح والأموال.

التكلفة والتحدي الدائمان للسلام
إن أفضل النتائج السيئة هي على الأرجح "توقف" متفاوض عليه في القتال والذي يغير طبيعة الحرب الحالية - حيث سيترك نمطًا من العنف المستمر والاضطراب واللذين سينتشران في المنطقة ويهددان العراق, وشركاء أمريكا العرب الاستراتيجيين, وإسرائيل, والوضع الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط.

مع هذا, سوف تمتد مشكلات إرساء سلام مستقر في سوريا لفترة طويلة وسيكون من الصعب التعامل معها. أطلق البنك الدولي التحذير التالي حول التكلفة البشرية المستمرة للحرب في بداية 2017 – ومجددًا, من المهم التأكيد على إنه فعل ذلك قبل 15 شهرًا من القتال الوحشي الذي جعل هذه التكلفة أسوأ بكثير:

قال حافظ غانم, نائب رئيس البنك الدولي لشئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, "الحرب في سوريا تمزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. إن عدد الخسائر مدمر, لكن الحرب تهدم أيضًا المؤسسات والأنظمة التي تحتاجها المجتمعات لكي تعمل, وإصلاحها سيكون تحديًا أكبر من إعادة بناء البنية التحتية - وهو تحدٍّ سينمو مع استمرار الحرب".

يجد التقرير أنه في المتوسط تم القضاء على حوالي 538 ألف وظيفة سنويًا خلال الأربعة أعوام الأولى من الصراع, وأن اليافعين الذين يواجهون الآن معدل بطالة يبلغ 78% لديهم خيارات قليلة للنجاة. إن الاستهداف الخاص للمرافق الصحية عطل النظام الصحي بشكل كبير, مع عودة ظهور أمراض مُعدية مثل شلل الأطفال ووجود تقديرات بأن السوريين الذين يموتون بسبب غياب الحصول على الرعاية الصحية أكثر من الذين يموتون كنتيجة مباشرة للقتال. تعطل نظام التعليم بشكل مماثل بسبب الضرر الذي وقع على المرافق واستخدام المدارس كمنشآت عسكرية, بينما تسبب نقص الوقود في تخفيض إمداد الكهرباء للمدن الكبرى إلى حوالي ساعتين في اليوم, مما أثر على مجموعة من الخدمات الأساسية.

قال ساروج كومار جا, مدير دائرة المشرق في البنك الدولي, "إن حقيقة أن 9 مليون سوري لا يعملون سيكون لها عواقب بعد توقف القتال بفترة طويلة. ورحيل حوالي 5 مليون لاجئ, مصحوبًا بالتعليم السييء وسوء التغذية الذي يؤدي إلى وقف النمو, سيسبب تدهورًا بعيد الأمد للأصل الأكثر قيمة في البلاد, رأس مالها البشري. في المستقبل, عندما تكون سوريا في أشد الحاجة إليه, سيكون هناك نقص جماعي في المهارات الحيوية".


بمقارنة الظروف الحالية مع توقع كيف كانت ستتطور سوريا في غياب الصراع, يحسب التقرير فإن الحرب سببت خسارة في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 226 مليار دولار, أو أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في 2010. تم استخدام نماذج اقتصادية أيضًا لفصل الآثار المتعددة للحرب وقياس أثرها المنفصل, ولتحديد عواقب الصراع المطول. في حين أن معدل التدهور الاقتصادي يتباطئ مع مرور الوقت, إلا أن آثاره مستمرة مما يجعل التعافي أكثر صعوبة.

قال هارون أوندر, الخبير الاقتصادي في البنك الدولي والكاتب الرئيسي للتقرير, "تُظهر نتائجنا إنه إذا انتهت الحرب هذا العام, سوف يستعيد الاقتصاد 41% من الفجوة مع مستواه قبل الصراع خلال الأربعة أعوام المقبلة, وستصل الخسائر بسبب الصراع إلى 7,6 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي ما قبل الصراع خلال عقدين. لكن إذا استمرت الحرب إلى العام العاشر, سيتم استعادة أقل من ثلث هذه الفجوة خلال أربعة أعوام من نهايتها, وسيصل إجمالي الخسائر إلى 13 ضعف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 خلال عقدين. نحن نقدر أيضًا أن عدد السوريين الذين يفرون عبر الحدود بحثًا عن الأمان سيتضاعف بين العام السادس والعام العشرين من الصراع."

طرحت السي آي إيه تقديرات مشابهة في القسم الأخير من كتاب حقائق العالم. لقد قدرت أيضًا معدل البطالة عند 50%, وأن 82,5% من السكان عاشوا تحت خط الفقر منذ فترة تعود إلى 2014.

تدهور اقتصاد سوريا بشدة وسط الصراع الدائر الذي بدأ في 2011, حيث انحدر لأكثر من 70% من 2010 إلى 2017. صارعت الحكومة لكي تعالج آثار العقوبات الدولية, والضرر واسع الانتشار في البنية التحتية, والاستهلاك والإنتاج المحلي المتضائل, والدعم المخفض, والتضخم المرتفع, الذين تسببوا في تناقص احتياطي العملة الأجنبية, وارتفاع العجز في الميزانية والعجز التجاري, وانخفاض قيمة الجنيه السوري, وهبوط القوة الشرائية المنزلية. في 2017, بدأت بعض المؤشرات الاقتصادية في الاستقرار, ومن ضمنها سعر الصرف والتضخم, لكن يظل النشاط الاقتصادي كاسدًا والناتج المحلي الإجمالي انخفض بشكل شبه مؤكد.

خلال 2017, تسبب الصراع الدائر والاضطراب المتواصل والتدهور الاقتصادي في تفاقم الأزمة الإنسانية, مما استلزم مستويات مرتفعة من المساعدة الدولية, حيث يبقى 13 مليون شخص في حالة عوز داخل سوريا, وارتفع عدد اللاجئين السوريين المسجلين من 4,8 مليون إلى أكثر من 5,4 مليون شخص.

قبل اندلاع الفوضى, كانت سوريا قد بدأت في تحرير السياسات الاقتصادية, وشمل ذلك خفض أسعار الفائدة على الإقراض, وفتح بنوك خاصة, وتعزيز أسعار صرف متعددة, ورفع أسعار بعض السلع المدعمة, وتأسيس سوق دمشق للأوراق المالية, لكن يبقى الاقتصاد منظمًا بدرجة كبيرة. تشمل القيود الاقتصادية طويلة المدى الحواجز على التجارة الخارجية, وإنتاج النفط المنخفض, ومعدل البطالة المرتفع, وعجز الميزانية المرتفع, والضغط المتزايد على إمدادات المياه الناتج عن الاستخدام المفرط في الزراعة, والنمو السكاني السريع, والتوسع الصناعي, وتلوث المياه, والضرر واسع الانتشار في البنية التحتية.

إلى جانب إرث الغضب والكراهية الذي سينتج عن القتال الحالي, لا أحد ما عدا روسيا, وإيران وربما تركيا سيكون لديه حافزًا لدفع التكاليف الضخمة لإعادة بناء سوريا ومساعدتها في التغلب على "العقد الضائع" من التنمية - لا سيما وأن نظام الأسد نظام فاسد على نحو غير عادي والذي يخدم مصالحه الشخصية ومصالح مؤيديه.

في 2017, صنفت منظمة الشفافية الدولية الأسد في المرتبة الـ18 من ضمن الـ200 دولة الأكثر فسادًا. حتى في الحالة المستبعدة بألا يؤدي "انتصار" الأسد إلى نوع من الحرب الأهلية الجديدة, فإن أي "سلام" سينطوي على معاناة إنسانية هائلة ومستمرة والتي قد تساعد في إعادة إحياء التطرف والإرهاب.

القضايا الرئيسية في الاستراتيجية الأمريكية التي ينبغي أن تشكل قرار البقاء أو الرحيل
ليس من الواضح على الإطلاق أن أي من الخطط الأمريكية الحالية لسوريا تفعل أي شيء لمعالجة هذه القضايا. مثل الجدل حول البقاء في سوريا, إنها تركز بشكل حصري على "هزيمة" داعش في شرق سوريا, وتتجاهل النتيجة في بقية سوريا, وفي المنطقة, وفي المعركة ضد القوى المتطرفة والإرهابية الأخرى والمستقبلية.

إن التساؤلات الرئيسية التي تحتاج الولايات المتحدة للإجابة عليها فعلًا تشمل جدلًا حول المدة التي يجب أن تبقى فيها الولايات المتحدة لكي تهزم داعش, لكن هذا اعتبار قصير المدى نسبيًا. الأسئلة الأكثر أهمية هي: ما هي الخيارات الموجودة للبقاء في سوريا, وكيف سترسي الاستقرار في سوريا أو تمنح الولايات المتحدة نفوذًا مستمرًا لتحقيق سلام دائم, وكيف تُقارن بأنواع الانسحاب المتعددة؟

تشمل الأسئلة ذات الصلة: ما نوع المقاطعة الأمنية التي تجمع بين العرب والأكراد والتي يمكن أن تقيمها الولايات المتحدة وما هي عواقبها. إنها تشمل أسئلة حرجة حول كيف سيؤثر البقاء أو الرحيل على نجاح الولايات المتحدة في العراق, والعلاقات مع الشركاء الأمنيين العرب, وأمن إسرائيل, والتهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها من إيران, والعلاقات الأمريكية السيئة مع تركيا وروسيا. إن واحدة من أكبر سخافات الجدل الحالي هي التصرف وكأن سوريا جزيرة حيث لا تترك الأفعال الأمريكية أثرًا على جيرانها وبقية العالم.

إن تكلفة وحجم الإلتزام الأمريكي يُعد قضية أيضًا, لكن الرئيس بالغ في الأمر بشدة عندما تحدث عن 7 تريليون كتكاليف للحروب السابقة بين 2001 حتى اليوم. هذه الأرقام مبالغ فيها بشدة, وليست ذات صلة. باستثناء حدوث تغيير جوهري في الخليط الحالي من التهديدات والقوى, فإن الحاجة لدعم جوي كبير انتهت تقريبًا.لم تعد الولايات المتحدة تنشر وحدات مقاتلة كبرى, وتعتمد على عدد محدود من بضعة آلاف من الجيش الأمريكي لتدريب ومساعدة القوات الحليفة – حوالي 2000 في سوريا وإجمالي 5,765 في كل من سوريا والعراق في السنة المالية 2019.

ولنضع هذه التغييرات في منظورنا, وصل عدد القوات الأمريكية التي تحارب في العراق إلى ذروته عند 224,286 في أبريل 2008, وارتفعت التكلفة إلى 144 مليار دولار سنويًا. إن طلب موازنة السنة المالية 2019 لتكلفة تدريب وتجهيز المعارضة السورية سينخفض من 500 مليون دولار في السنة المالية 2018 إلى 300 مليون دولار في السنة المالية 2019. يدعو طلب موازنة العراق إلى تخفيض من 1,27 مليار دولار في السنة المالية 2018 إلى 850 مليون دولار في السنة المالية 2019.

التعامل مع عدم الانتصار على إرهاب داعش
بشكل عام, من السخافة أن نربط بين أي مستوى من هزيمة داعش وهزيمة الإرهاب حتى في سوريا, ناهيك عن المنطقة والعالم. تقدر وزارة الدفاع الأمريكية أن حوالي 1000- 3000 مقاتل داعشي يبقون في شرق سوريا وغرب العراق. ليس بوسع الولايات المتحدة أن تفعل شيئًا يقضي على كل التهديد الذي يمثله تنظيم داعش, على الرغم من أهمية القضاء بشكل كامل على بقايا "دولة خلافته," وهزيمة أكبر عدد ممكن من هؤلاء المقاتلين.

تحتاج الولايات المتحدة – وبالأخص الإدارة – لأن تكون أكثر صراحة حول التهديد. أشارت قاعدة بيانات الإرهاب العالمي الصادرة عن المجمع الوطني لدراسة الإرهاب والاستجابة له– والتي تستخدمها وزارة الخارجية في تقريرها السنوي عن الإرهاب – أشارت إلى أن كل عناصر داعش مثلت حوالي 36% فقط من إجمالي الحوادث في سوريا ورقم مشابه في العراق في 2016 – ويتم حاليًا إعداد تقرير عن العام الماضي. إذا ألقينا نظرة على الأعداد الإجمالية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا, تمثل كل عناصر داعش 1,451 حادثة من أصل 6,088 حادثة كبرى –أي 24%. حتى لو أضفنا تنظيم القاعدة, فإنه يضيف 93 حادثة أخرى فقط.

إذا ألقينا نظرة على الملحق الإحصائي لتقارير وزارة الخارجية السنوية عن الدولة, يظهر تنظيم داعش فعال للغاية – على الرغم إنه من الواضح إنه يمثل تهديد على المسلمين السُنة في الشرق الأوسط بشكل رئيسي. كان داعش الجاني الوحيد الأكثر خطورة. مثل داعش والجماعات التابعة له على مستوى العالم 1,133 هجومًا في 2016, والذين أدوا إلى 9,114 حالة وفاة, و7,671 إصابة. إلا إنه كان مسئولًا عن 19% فقط من تلك الهجمات التي يمكن ربطها بفاعل معين وهي تمثل 52% من إجمالي الهجمات.

في حين إنه لا يمكن لأحد أن يعرف عدد الهجمات التي إرتكبها أعضاء داعش الذين لم يعرفوا عن تنظيمهم, كان العدد الإجمالي العالمي للإرهاب 11,072 هجومًا في 2016, والذين خلفوا 25,621 حالة وفاة, و33,814 إصابة. باستخدام هذه الأرقام, كان داعش مسئولًا عن 10,2% من الهجمات, أي 3,6% من الوفيات, و2,3% من الإصابات.

بالإضافة إلى هذا, إذا نظرنا إلى العدد الإجمالي للدولة بغض النظر عن الفاعل, تأتي سوريا والعراق في منظور مختلف تمامًا. إذا نظرنا للعدد الإجمالي الخاص بسوريا فقط, كانت هناك 363 هجمة, (3,2% من العدد الإجمالي العالمي), و2,088 وفاة (0,8%), و2,656 (0,8%) إصابة. كان العراق مصدرًا أكبر بكثير للنشاط الإرهابي, لكنه مثل جزء محدود من التهديد الإرهابي العالمي: 2,965 هجمة (26%), و9,764 وفاة (38,1%), و13,314 (39,4%) إصابة.

بعبارة صريحة, من التضليل أن نتظاهر بأن هزيمة داعش وحدها قد تجلب نهاية للإرهاب أو تؤمن الولايات المتحدة من الهجمات الخارجية, وأن داعش سيُهزم في المستقبل القريب. سوف ينجو معظم مقاتلوه وسيتواجد كتنظيم سري.إن الغالبية العظمى من النشاط الإرهابي ليس له علاقة بداعش, وسوريا أقل أهمية بكثير من العراق كمركز للإرهاب, لكن كلاهما معًا جزء من المشكلة. إن الاستراتيجية الأمريكية الهادفة لمحاربة الإرهاب على أساس دائم يجب أن تأخذ في الحسبان هذه الحقائق في سوريا, والعراق, والعالم.

تحديد شروط صادقة للجدل الأمريكي حول الاستراتيجية اللازمة لمحاربة الإرهاب
بالنظر إلى ما هو أبعد من سوريا, تحتاج الولايات المتحدة لفهم حقيقة أن الإرهاب والتطرف أعراض للأسباب الكامنة وراء الاضطراب في الكثير من البلدان في الشرق الأوسط والعالم النامي, وليسا مرض. لا تستطيع الولايات المتحدة إعادة بناء العالم أكثر مما تستطيع حراسته. مع هذا, يجب عليها فعل ما في وسعها لمساعدة الدول في معالجة أسباب الإرهاب والتطرف – الذي يرتكبه جناة منظمون وأعداد ضخمة من الذئاب المنفردة أو القضايا المحلية.

هذا يعني معالجة السياسة, والحوكمة, والفساد, والتنمية, والتوظيف, وتوزيع الدخل – وكذلك أيضًا سيادة القانون. يجب أن نعمل على مساعدة الدول والشعوب في إعادة خلق عالمهم حسب نظرتهم. إنه يعني أيضًا استخدام مبالغ محدودة من أموال المعونة كمحفز عندما يمكن أن يساعد هذا في تحقيق المزيد من التقدم في البلدان المضيفة والشركاء الاستراتيجيين. إن تجميد المعونة المخططة لسوريا بقيمة 200 مليون دولار أسلوب خاطئ. بينما توجيه تلك المعونة بحكمة أكبر, وجعلها مشروطة بجهد فعال داخل الدولة, واستخدام البنك الدولي للمساعدة في تنمية خطط فعالة للدولة ومقاييس الفعالية قصة مختلفة تمامًا.

ينبغي أن تكون رسائل البنك الدولي والسي آي إيه عن التأثير المدني للقتال في سوريا واضحة وجلية. ومن المهم بنفس القدر وجود استراتيجية مدنية-عسكرية سليمة في محاربة الإرهاب – والتركيز على الاستقرار والسلام. ومثلما يُظهر المثال السوري بوضوح شديد, التركيز على القتال والإرهاب فقط لا يمكن أن يكون كافيًا أبدًا. حتى لو فاز المرء بنوع من الانتصار التكتيكي, يجب عليه أن يتعايش مع الواقع الذي سيتبع, والحلول العسكرية الخالصة تكون أشبه بالتهرب من المواجهة.

المصدر - مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الحرب السورية

اضف تعليق