AEON| كيف ساهمت أزمة الكساد العظيم فى تحول الكنيسة الكاثوليكية نحو الحداثة؟


٠٥ مايو ٢٠١٨ - ٠٦:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
 
يزخر القرن العشرين بالعديد من التجارب العالمية الفاشلة. إذ انطلقت الإمبراطورية البريطانية انطلاقة قوية في ذلك القرن, لكنها انهارت في النهاية. كما وعدت الثورة الروسية بتدشين قرن من التمرد الشيوعي, لكن الحلم تبخّر. من بين كل المشاريع العالمية في القرن العشرين, نجا مشروعان اثنان فقط وبقيا حتى النهاية. الرأسمالية العالمية هي أحد المشروعين, والكنيسة الكاثوليكية هي المشروع الآخر. إن بقاء الرأسمالية ربما لا ينبغي أن يفاجئنا, فحتى كارل ماركس ذاته كان مدركًا لديناميتها الهائلة. لكن ماذا عن الكنيسة الكاثوليكية؟ فقد كانت تلك الكنيسة الكاثوليكية في القرن العشرين تبدو وكأنها المؤسسة الأكثر تذمتًا ومعاداةً للحداثة, وكانت ملتزمة بالقضاء على المشروع الحداثي بأكمله, إذا, كيف حدث ذلك؟

يفترض معظم الناس أن التحوّل العظيم حدث في ستينات القرن العشرين, وخاصة في مجلس الفاتيكان الثاني (1962-1965), عندما أعلنت الكنيسة رسميًا انفتاحها على مبدأ الدولة العلمانية والحريات الدينية وحقوق الإنسان. لكن هذا خطأ. يتردد المؤرخون في الحديث عن القوانين التي تحكم التاريخ. لكن إليكم قانون يبدو أنه معقول: المؤسسات الكبيرة لا تجري تغييرات جذرية على نفسها في أوقات الهدوء النسبي. فعملية التغيير تتطلب طاقة شديدة وتقبلاً كبيرًا من النخب الحذرة. لكن تلك المؤسسات تتحوّل في أوقات الأزمة والخراب والخوف. إذ لم تكن بداية ستينات القرن العشرين هي ذلك الوقت بالنسبة للكنيسة. لكن ثلاثينات القرن العشرين كانت, مع ذلك, هي وقت ذلك التغيير.

إن حلول "الكساد العظيم" عام 1929, أفرز عهدًا جديدًا في السياسة الأوربية. ففي جميع أنحاء أوربا, فشل "الوسط الليبرالي" فشلاً ذريعًا, إذ توجّه الناخبون بكثافة نحو الأيدلوجيات المتطرفة من قبيل الفاشية والشيوعية. شعر الكاثوليك بالفزع. لقد هدد الليبراليون المدارس الكاثوليكية, أو في أسوأ الحالات, هددوا بتولي أمر تعيين الأساقفة. لكن جوزيف ستالين وأدولف هتلر كانا يمثلان شيئا جديدًا, وحتى شيئا أكثر إثارة للقلق. فمن وجهة النظر الكاثوليكية, كان هذان الرجلان "شموليين". وكانا يطلبان من شعبيهما تقديم الولاء المطلق لهما؛ جسدًا وروحًا. كان الزعيمان يوجهان انتقادات للكنيسة, التي كانت تمثل مبادئ بديلة للقانون والأخلاق في دول كانت تحاول بقوة تحويل شعوب متنوعة لتصبح وحدة كاملة موحّدة.  

وفي ظل الاستبداد, وجد الكاثوليك أن هناك إمكانية حقيقة لأن تُفرض قيود عما قريب على ممارسة طقوسهم المقدّسة, ناهيك عن ذهابهم إلى المدارس الكاثوليكية. وبينما كانت أوربا معلقة في الميزان بين هتلر وستالين, بدت فكرة قُرب إجراء الكنيسة الكاثوليكية لعملية إعادة إحياء سياسي كاثوليكي أمرًا غير معقول, ومجرد التفكير فيه ينطوي على خطورة (تمتع هتلر بحاسة استثنائية تجاه تلك الأمور). ذلك الأمر دفع الكاثوليك, من البابوية حتى الأبرشية, لإعادة تصوّر طبيعة كنيستهم. فكما يعرف كل المسيحيين الصالحين, هناك خط رفيع جدا يفصل بين الموت والانبعاث.

كان هدفهم هو عدم تقديم بديل للحداثة, أو حتى تخيل أن الكنيسة ستكون في قلب حياة المجتمعات في المستقبل. وعوضًا عن ذلك, كان الهدف هو استخدام لغة عصرية تتناسب مع الدول العلمانية, حتى يستطيع الكاثوليك حماية الكنيسة, وحتى يجري على الأقل إدراج بعض المبادئ الكاثوليكية في القانون. في تلك السنوات, ولتلك الأسباب, تقبّل الكاثوليك حقوق الإنسان والحرية الدينية والحداثة العلمانية.

لقد واجه الكاثوليك في ثلاثينات القرن العشرين خيارات مؤلمة. فإذا كان التجديد الكاثوليكي الشامل الذي لطالما كانوا يحلمون به لم يعد موجودًا على الطاولة, فما الذي سيحل محله؟ ما هي المبادئ الجديدة التي ينبغي على الكنيسة تبنّيها؟ اختار معظم القادة والمفكرين الكاثوليك التخندق حول الأسرة. فللمرة الأولى, وضع الكاثوليك الاخلاقيات الجنسية والإنجابية في قلب مهمتهم الاجتماعية والسياسية. وقد فعلوا ذلك لسببين. أولاً, افترض الكاثوليك أن فرض السيطرة على الأسرة, بوصفها جهة للتعليم الأخلاقي, سيضمن البقاء المؤسساتي في عالم بدا وكأنه في حالة انهيار. ثانيا, افترض الكاثوليك (وكانوا محقين في ذلك) أن أخلاقيات الأسرة الكاثوليكية ستلقى قبولاً من السياسيين العلمانيين, سواء كان هتلر أو فرانكلين روزفلت. فتلك الشخصيات في نهاية المطاف لديها أسبابها الخاصة لمعارضة منع الحمل والطلاق والمثلية الجنسية

إن الخيارات التي قام بها الكاثوليك في الثلاثينات امتدّ أثرها لعصرنا الراهن. فقد نجح الكاثوليك نجاحًا باهرًا في حملاتهم المتعلقة بزواج المثليين والإجهاض والمسائل الإنجابية الأخرى, وتمكّنوا من جعل الدول العلمانية تحوّل التعاليم الكاثوليكية إلى قوانين. مع ذلك, لم تكن تلك هي الطريقة الوحيدة لوضع نظريات بشأن مسألة الحداثة الكاثوليكية. فمنذ الثلاثينات, رأى فصيل كاثوليكي معارض أن هذا التركيز على الأسرة كانت له نتائج عكسية, ودفع الكنيسة للتحالف مع قوى كانت معادية بطرق أخرى للقيم الكاثوليكية. هم لم يرفضوا التعاليم الكاثوليكية المتعلقة بتلك الأمور, لكنهم انتقدوا التركيز الهائل عليها, وقد سعوا لإحياء عناصر أخرى من التقاليد الكاثوليكية القديمة, والمعنية أكثر بأشكال الظلم الاقتصادي والعرقي والبيئي.

ليس سرًا أن هذين الجناحين الكنسيين يتعايشان اليوم. إذ تساءل البابا "فرانسيس" بشكل صريح عن الحكمة من التركيز المبالغ فيه على الأمور الجنسية، وهو بذلك يسعى لاستعادة مفهوم أوسع لما يمكن أن تتضمنه الحداثة الكاثوليكية. هناك منتقدون كثر للبابا يشكون من أنه يقدم تنازلات كثيرة للغاية, وأنه يتخلى عن الأسرة التي تعتبر قلعة الفضيلة في عالم أصيب بالجنون. لو أرجعنا هذا الصراع إلى فترة الستينيات, فإننا بذلك نسيء فهمه. فالكنيسة لم تغيّر نفسها في محاولة يائسة منها للظهور "بصورة عصرية" في زمن كان يزعم فيه "جون لينون", وهناك ما يبرر هذا الزعم, أنه أهم من المسيح نفسه. إن هذين الجناحين يمثلان ردّين مختلفين على المشكلة الأساسية المتمثلة في كيفية تفاعل الكنيسة مع المشاريع السياسية العصرية: وهي مسألة واجهتها الكنيسة بكل أحداثها الدرامية في عصر الفاشية.

هل يمكن أن تكون الكنيسة إذًا على مشارف إعادة تصور أساسية لطبيعتها, ولعلاقتها مع العالم؟ من المبكر جدا قول ذلك, بالرغم من كل الغضب والجدل المحيط بالبابا فرانسيس, إلا أن الكنيسة ليست أداة طيّعة في أيدي البابا. في القرن العشرين, تحوّلت الكنيسة فقط عندما أدرك الأساقفة ورجال الدين وشخصيات قوية من جمهور المؤمنين الكاثوليك أن المؤسسة الكنسية كانت في خطر كبير. لا يلوح في الأفق خطر ظهور نظام شمولي, غير أنه يمكن تصوّر احتمال ظهور هذا النظام يومًا ما.

إن نجاح الكنيسة في القرن العشرين ربما يرمي بثقله على الكنيسة التي خلفتها في القرن الحادي والعشرين. وبصرف النظر عن مصير أرواحهم الأبدية, فإن الكاثوليك الأحياء هم مثل بقيتنا: يقاتلون إلى الأبد في الحرب الأخيرة. إن الحرب ضد الاستبداد وضعت أوزارها. وقد انتصر الكاثوليك, كما أن تلك المعركة شكّلت جوهر الكنيسة المعاصرة. هل يمكن تطويع الكنيسة الراهنة لتلائم العالم الجديد الذي يعيش في مرحلة ما بعد الاستبداد, لكنه ما يزال خطيرا للغاية؟ هذا أحد الأسئلة المهمة في زمننا الراهن. وبينما يشير التاريخ أن هذا ربما لن يحدث, إلا أنه ما مِن طريقة للتأكد من ذلك. فالكنيسة سبق أن فاجأتنا في الماضي.   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية aeon

اضف تعليق