ما هى الآثار المترتبة على زيادة واردات مصر الغذائية؟


١٤ مايو ٢٠١٨ - ٠٤:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
 
مصر, التي تعتبر ثاني أكبر مستورد للقمح في العالم بعد إندونيسيا, يمكن أن تصبح أيضا عما قريب دولة مستوردة للأرز. يعتبر هذين المحصولين حبوبًا غذائية رئيسية في مصر. إن الزيادة السريعة في نمو السكان والتغير المناخي وقيام إثيوبيا بملء سد النهضة بمياه النيل, كل ذلك أثار مخاوف بشأن أمن إمدادات المياه في المستقبل المنظور. دفعت هذه المخاوف الحكومة المصرية لتطبيق استراتيجية وطنية للموارد تستمر من عام 2017 حتى عام 2037, مع التركيز على تقليل زراعة المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه.
 
وبوصفها دولة معتمدة على الاستيراد, فإن الوضع الاقتصادي لمصر متقلب, إذ سجل الناتج القومي الإجمالي نموًا متوسطًا, لكن البطالة ظلت مرتفعة. كما انخفضت القوة الشرائية بسبب التضخم, في حين أدّت ضريبة الاستهلاك وتقلب العملة إلى زيادة الأسعار المحلية. ومع زيادة اعتمادها على واردات الغذاء, فقد باتت مصر أكثر عرضة للتغييرات في الأسواق العالمية للسلع الأساسية, ما قد يؤثر بالسلب على النمو الاقتصادي وعلى الاضطرابات الاجتماعية.
 
تستعد إثيوبيا لملء سد النهضة الذي تبلغ قدرة استيعابه 79 مليار متر مكعب من المياه, وهو أمر يُتوقع أن يكون له آثار كبيرة على إمدادات مصر المائية الشحيحة أصلا. هناك تضارب في مصالح كل من مصر وإثيوبيا, إذ فشلت الدولتان في الاتفاق على إطار زمني لملء سد النهضة. لقد قدّرت وزارة الري المصري بأنه في حال تم ملء السد في ثلاث سنوات, فإن انخفاض تدفق المياه سيدمر 51 بالمائة من أراضي مصر الزراعية, مقارنة مع خسارة قدرها 17 بالمائة لو تم ملء السد في ست سنوات. إن خسارة الأراضي الزراعية ستحدّ من إنتاج المحاصيل, وتقلل من الأمن الغذائي.
 
تواجه مصر بالفعل تداعيات خطيرة في مجال الأمن الغذائي, وذلك كنتيجة مباشرة لندرة المياه والموارد والتي زادت حدّتها بسبب التغير المناخي. يذكر برنامج الغذاء العالمي أن نحو 16 بالمائة تقريبا من السكان (95 مليون) يعانون من صعوبة الحصول على الغذاء. كما أدّى شحّ المياه والتصحر والغزو العمراني إلى انخفاض الإنتاج المحلي من المحاصيل, وباتت مصر تعتمد بصورة كبيرة على واردات الغذاء.
تقدّر منظمة الغذاء والزراعة أن مصر ستستورد 11,7 إلى 12 مليون طن من القمح في العام المالي 2017/ 2018. وتقدّر وزارة الزراعة الأمريكية أن إندونيسيا سوف تستورد في العالم المالي ذاته نحو 12,5 مليون طن قمح, بسبب تغيُّر العادات الغذائية. لو كانت هذه التقديرات دقيقة, فإن مصر لن تكون بعد اليوم أكبر مستورد للقمح في العالم, وهي مرتبة احتلتها مصر منذ عام 2007/ 2008. مع ذلك, فإن اعتماد مصر على واردات القمح متقلب للغاية, بسبب وضعها الاقتصادي والسوق العالمية للسلع الأساسية. وبالتالي, من الممكن أن تعود إلى تلك المرتبة مجددًا وتصبح أكبر مستورد للقمح في العالم.
 
لقد بدأت الحكومة المصرية في عام 2014 برنامجًا للإصلاح الاقتصادي, بهدف إنعاش الاقتصاد. وقد أدّى برنامج الإصلاح إلى حدوث زيادة تدريجية في معدل نمو الناتج القومي الإجمالي, والذي وصل 5,2 بالمائة في 2017/ 208. بالرغم من النمو الاقتصادي المتواضع مؤخرا, إلا أن معدل البطالة ما يزال مرتفعًا بنسبة 11,3 بالمائة. إن نسبة البطالة المرتفعة يمكن ربطها مباشرة بزيادة مستويات الفقر التي أثرّت على قدرة العائلات على شراء الطعام. كما أن تقلبات العملة وإصلاحات ضريبة الاستهلاك زادت من الضغوط على المجتمع, وذلك عبر التضخم وانخفاض القوة الشرائية.
 
إن الاقتصاد المصري المتقلب هو عرضة لتقلبات أسعار السلع الأساسية العالمية. تحاول مصر, التي هي بالفعل دولة معتمدة على الاستيراد, تقليل عجزها التجاري. مع ذلك, لو زادت أسعار القمح, فهناك احتمال بأن يتسع العجز التجاري. وعلى نطاق أكبر, لو انخفضت إمدادات القمح بسبب ضعف المحصول, أو ظروف مفاجئة في الطقس, أو فرض حظر على التصدير, فقد تقع أزمة في الأمن الغذائي. فعلى سبيل المثال, فرضت روسيا حظرًا على تصدير القمح عام 2010, وكان ذلك نتيجة الجفاف, ما تسبب في ارتفاع أسعار القمح العالمية, ما أدى لحدوث اضطرابات اجتماعية ساهمت في اندلاع الربيع العربي.
 
يعتبر الأرز, تماما مثل القمح, سلعة غذائية رئيسية في مصر, وتشير التوقعات إلى أن مصر قد تصبح مستوردًا للأرز بحلول عام 2019. ونتيجة لشحّ المياه والتصحر وزيادة ملوحة التربة وانخفاض تدفق مياه النيل, وضعت الحكومة استراتيجية وطنية للموارد المائية للفترة الممتدة بين 2017 و 2037. ووفقا للمتحدث باسم وزارة الري "حسام الإمام", فإن أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها هذه الاستراتيجية تتمثل في ترشيد استهلاك المياه عبر التقليل من زراعة المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه. وأعلنت الحكومة أن مساحة الأراضي التي يمكن زراعتها بالأرز لهذا العام هي 750 ألف فدان فقط, وهي تمثل تقريبا نصف مساحة الأراضي المزروعة في عام 2017.
 
النتيجة المنطقية لهذا الأمر هي أن انخفاض إنتاج الأرز سيرفع أسعار السوق المحلية, مما سيؤثر على الطبقات المنخفضة والمتوسطة الدخل التي تعيش أصلاً في وضع هش. كما سيؤدي هذا أيضا إلى زيادة اعتماد مصر على الواردات لضمان أمنها الغذائي.
 
مع زيادة اعتماد مصر على استيراد هذه المحاصيل, قد يتأثر النمو الاقتصادي تأثرًا سلبيا بهذا الأمر. بالرغم من أن الاعتماد على الواردات لضمان الأمن الغذائي لا يبدو من الوهلة الأولى بأنه مسألة أساسية خطيرة, إلا أن هذا الأمر سيتحول لمشكلة عندما تقتطع تكلفة الاستيراد أموالاً من برامج تنموية مهمة. ويصبح الاستيراد مشكلة أكبر عندما لا يتم حل معضلة الأمن الغذائي بشكل كامل. كما يمكن توقُّع أنه في حال وقوع أزمة, سواء كان بسبب حظر تجاري أو ظروف مناخية غير مسبوقة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مصر

اضف تعليق