سياسات طائشة.. كيف يمكن أن تتسبب إيطاليا فى تفتيت أوروبا؟


٠٦ يونيو ٢٠١٨ - ٠٥:٤٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد


مجلس العلاقات الخارجية

سلِمت أوروبا من العديد من الصدمات – التفكك الوشيك لمنطقة اليورو, والتدفق الفوضوي لـ2,5 مليون لاجئ, واستفتاء البريكست – لدرجة إنه أصبح من المغري تجاهل الأزمة الوجودية الأخيرة التي تتكشف في روما. لكن الحكومة الشعبوية-المتطرفة الناشئة في إيطاليا قد تكون القوة التي تفتت تلاحم القارة. عندما يصرح الشخص المرشح لمنصب وزير المالية الجديد لإيطاليا بأن "ألمانيا لم تغير رؤيتها عن دورها في أوروبا منذ نهاية النازية," فقد حان الوقت لتوخي الحذر.

سواء حصل باولو سافونا على منصب وزير المالية أم لا, فلا شك في أنه يمثل وجهة نظر الشعبويين – وهي وجهة نظر قد يكون لها تأثير مدمر على الوضع المالي لأوروبا. يختلف شطرا الائتلاف الإيطالي الجديد – رابطة الشمال الشعبوية-اليمينة وحركة النجوم الخمسة الشعبوية-اليسارية – يختلفان في كثير من القضايا, لكنهما متحدان في تحميل الاتحاد الأوروبي بشكل عام والألمان بشكل خاص مسؤولية مشاكل إيطاليا. بعد نشر تصريحات سافونا في صحيفة إيطالية هذا الأسبوع, صعد ماتيو سالفيني, رئيس الرابطة, إلى سطح مبنى في روما وأعلن في بث مباشر على فيسبوك أن سافونا "عالم اقتصاد, وخبير معترف به في إيطاليا والعالم بأكمله. ... لكن ما هو خطأه الوحيد؟ إنه تجرأ وقال إن هذا الاتحاد الأوروبي – على وضعه الحالي – ليس ناجحًا."

لا يمكن تجاهل هذا التذمر لأنه يحمل قدر كبير من الحقيقة, إذا اقتطعنا منه الإشارة غير المبررة للنازية. يضم الاتحاد الأوروبي نجاحًا باهرًا (سوق واحدة تسهل التجارة ليس في البضائع فقط بل في الخدمات أيضًا)؛ ومجموعة من أوجه التعاون المفيدة (في الشرطة, والبحث العلمي, وتبادل الطلاب, إلخ)؛ ومبدأ شجاع لكن يحمل خطورة سياسية (حرية حركة الأشخاص)؛ وكارثة مطلقة (العملة الأوروبية الموحدة). من الجنون أن تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي, لأنها ليست ضمن منطقة العملة وسوق عملها المرنة تسمح لها باستيعاب المهاجرين الأوروبيين بفاعلية. لكن وضع إيطاليا مختلف

في واقع الأمر, إيطاليا هي النموذج المثالي للعيوب الموجودة في بنية أوروبا. لقد كدست قدر مرعب من الديون الحكومية ليس لأنها تمتلك ميزة طبع احتياطي العملة العالمي (مثلما تفعل الولايات المتحدة)؛ ولا لأنها تمتلك بنك مركزي وطني يمكن الاعتماد عليه للحد من تكاليف الاقتراض (مثلما تفعل اليابان)؛ ولا لأنها تخبئ اقتراضها خلف الهندسة المالية لوول ستريت والإحصائيات الكاذبة (مثلما فعلت اليونان). بدلًا من هذا, كانت إيطاليا طائشة بوضوح وصراحة, لأن هذه كانت الحوافز التي خلقها النظام النقدي لأوروبا.   

يعترف مزيج السياسة الأوروبي بهذه المشكلة. إن البنك المركزي الواحد بسياسة واحدة لسعر الفائدة يربط تكاليف الاقتراض للدول الضعيفة والدول القوية, بحيث يمكن للدول الضعيفة تجميع الديون بسهولة شديدة. وإدراكًا لهذه المسألة, فرضت أوروبا سقفًا للاقتراض الحكومي, لكنه فشل بطريقتين. أولًا, لقد ضمن أن الكلمة الرئيسية التي يسمعها رجال السياسة المحليون من بروكسل هي "لا!" – لا للمعاشات الحكومية, ولا للإنفاق على البنية التحتية, ولا لرفع رواتب المعلمين. ثانيًا, لأن القاعدة التي تحكم الميزانية عشوائية, فلم يُطبق السقف بشكل عملي. إنه يدمج أكبر قدر من الخلاف وأقل قدر من الفاعلية.

في الوقت ذاته, السياسات الأوروبية الأخرى شجعت الطيش. يعامل البنك المركزي الأوروبي دين الحكومة الألمانية ودين الحكومة الإيطالية على حد سواء, مما يعزز الطلب على السندات الإيطالية والتي بخلاف ذلك كان سيتم اعتبارها أكثر خطورة. يشجع البنك المركزي أيضًا الافتراض بأنه, في حالة حدوث أزمة, فإنه سينقذ إيطاليا, مما يضعف انضباط السوق أكثر. لكي يصدق المستثمرون أن إيطاليا قد تعجز عن السداد في يوم من الأيام, سيكون على أوروبا كسر "حلقة الهلاك" بين الحكومة والنظام المصرفي, بحيث تفلس الحكومة بدون أن ينفجر النظام المصرفي. لكن هذا سيحتاج لدعم للبنوك على مستوى أوروبا. على الرغم من النقاش الجاد للتأمين المركزي على الودائع في منطقة اليورو وإصدار سندات خاصة بمنطقة اليورو والتي تستطيع البنوك الاحتفاظ بها بدلًا من السندات الوطنية المشكوك فيها, إلا أنه ليس من المرجح تنفيذهما.

في ظل غياب الانضباط السياسي وانضباط السوق, اقترضت إيطاليا. عند إطلاق اليورو في 1999, كانت إيطاليا تمتلك نسبة من الدين العام مقابل الناتج المحلي الإجمالي تساوي 105 في المائة؛ اليوم وصلت إلى 133 في المائة. نفس الحوافز واضحة في أماكن أخرى: في فرنسا, على سبيل المثال, ارتفعت نسبة الدين من 59 في المائة إلى 97 في المائة. عندما يعد الشعبويون المنتخبون حديثًا في إيطاليا بخفض الضرائب ورفع الإنفاق, فإنهم يطيلون نفس النمط. إن ابتكارهم الأساسي هو أن يتناولوا الأمر بجرأة – وأن يقارنوا الألمان المعاصرين بالنازيين في الوقت الذي يهزأون بسقف العجز المدعوم من الألمان. هذا سيشدد المعارضة في شمال أوروبا للدعم المركزي للبنوك ويرسخ حلقة الهلاك التي تديم تلك الحوافز للحكومة الإيطالية لكي تقترض.

إذن كيف تنتهي هذه اللعبة؟ في المدى القريب, يتمتع اقتصاد أوروبا بازدهار دوري ويشتري البنك المركزي السندات عبر برنامج التيسير الكمي, لذلك الأزمة مستبعدة. لكن في المدى البعيد, يبدو أن نسبة الدين الإيطالي متجهة إلى مستويات مرتفعة. عندما يحدث التراجع التالي, قد تجد أوروبا نفسها تتعامل مع حالة عجز شديدة في أضعاف حجم اليونان خلال الأزمة الأخيرة. كانت اليونان صغيرة بما يكفي لاحتوائها. ستكون إيطاليا كبيرة جدًا لكي تفشل, وربما كبيرة جدًا لكي تُنقذ.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مجلس العلاقات الخارجية

اضف تعليق