فورين بوليسي| كيف أصبح الجيش التركي أداة سياسية فى يد أردوغان؟


٢٣ يونيو ٢٠١٨ - ٠٦:٢٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

بينما تواصل تركيا انحدارها نحو الاستبداد، يمكن لانتخابات الرابع والعشرين من يونيو أن تكون نقطة تحوّل في العلاقات بين العسكريين والمدنيين، وهو تطور مقلق في بلد عانى من الانقلابات والتدخلات العسكرية في كل عقد تقريبا منذ عام 1960. إن آخر محاولة انقلاب فاشلة في الخامس عشر من يوليو عام 2016، كان لها تداعيات كبيرة على القوات المسلحة التركية. وبينما تميّزت مرحلة ما بعد الانقلاب بإجراء إصلاحات جذرية في القطاع الأمني، كان هناك أيضا تسييس داخل صفوف الجيش.
 
إن انخراط القيادة العليا للجيش في الحملة الانتخابية الجارية أصبح بالفعل قضية جدلية. ففي الثاني من يونيو، صفّق الجنرال "إسماعيل متين تيميل" -قائد الجيش الثاني، وهو من قاد العمليات التركية في سوريا في أوائل هذا العام- بحرارة بينما كان الرئيس أردوغان يسخر من مرشح حزب المعارضة الرئيسي "محرم إنجه" في لقاء عام متلفز. ردّ "محرم إنجه" عبر إدانة سلوك "تيميل" وتعهّد بتجريده من كتافات بدلته العسكرية. من المرجّح أن "إنجه" كان يحاول تذكير الناخبين بخطورة تسييس ضباط الجيش، والتأكيد على إبعاد الجيش عن السياسة، وهو أمر طالب به أردوغان نفسه عقب محاولة انقلاب 2016.
 
لقد أظهر رئيس الأركان التركي "خلوصي أكار" هو الآخر ولاءه لأردوغان. إذ زُعم أن "أكار" والمتحدث باسم رئاسة الجمهورية "إبراهيم كالين" زارا الرئيس الأسبق "عبد الله غول" في نهاية شهر إبريل، لإقناع "غول"، الذي كان يُعتبر حينها أقوى منافس محتمل لأردوغان، بعدم الترشح للانتخابات. إن هذا التدخل العسكري في العملية الديمقراطية أكسب أنقرة نقاطا فيما يخص مسألة الولاء، لكنه كان إهانة للتقاليد الديمقراطية، وأمرًا خطيرا للغاية نظرًا للتاريخ المضطرب للعلاقات المدنية-العسكرية في تركيا. لقد أدان "إنجه" -وهو قائد بارز في حزب الشعب الجمهوري المعارض- "أكار" بسبب توريطه للجيش في السياسة، كما أوضح أنه لن يتعامل مع "أكار" في حال فوزه.
 
يكشف هذان الحدثان أن قيادة الجيش التركي تجد صعوبة في التأقلم مع النظام الرئاسي الجديد، والذي يحتفظ فيه رئيس الدولة بارتباطه الحزبي، خلافًا لما كان سائدا في الماضي. لكن من وجهة نظر الجمهور، فإن سلوك القيادة العليا للجيش عزّز الرأي القائل إن تلك القيادة منحازة. إن إشراك الجيش في النقاشات الانتخابية هو أمر مضرّ بالديمقراطية، لا سيما في بلد مثل تركيا له تاريخ طويل مع الانقلابات. في السيناريو الأسوأ الذي يخشى الكثيرون من حدوثه، يمكن أن يقع نزاع اجتماعي وسياسي في عموم البلاد في حال خسارة أردوغان في الانتخابات ورفضه تسليم السلطة. قد يشجّع هذا الوضع الضباط الأتراك للتدخّل كما فعلوا في الأعوام 1960، و1971، و1980. وهذا قد يقود لصفحة مضطربة أخرى في العلاقات المدنية-العسكرية في تركيا، وهو الأمر الذي قد يؤثر سلبيا على الديمقراطية التركية لعقود قادمة، مثلما كان الحال مع صدمة الانقلابات السابقة.
 
إن السياسة التركية والنظرة العالمية لضباط الجيش مختلفتان تماما اليوم عما كانتا عليه في عقدي الستينات والسبعينيات. في ذلك الوقت، كان الجيش التركي-الذي كان متماهيًا مع القيم العلمانية المتشددة ويعتبر نفسه حاميًا للكمالية- مرتاحًا لفكرة التدخل للحافظ على النظام العلماني. لكن هذا التوجّه اختفى تدريجيًا منذ بداية الألفية الجديدة. واليوم، على النقيض منذ لك، يؤمن معظم الضباط أن مكان الجيش هو خارج السياسة ولا يفضلّون فكرة التدخل، وهي رؤية تقلل كثيرًا من إمكانية حدوث انقلاب.
 
في عام 2016، عندما حاولت مجموعة متمردة من الجنود تنفيذ انقلاب عسكري، كانت هناك مقاومة واسعة ضد الانقلابيين من جانب العديد من جنود الجيش، ما أدى لحدوث اقتتال داخل الجيش. وبالرغم من فشل الانقلاب، إلا أنه كشف أن روح الانقلاب ما زالت موجودة، وأن الضباط الأتراك يمكن أن يغيّروا موقفهم بسرعة في حال حدوث اضطرابات في عموم البلاد. لهذا فإن إقحام الجيش مرة أخرى في النقاشات السياسية خلال تلك الفترة الانتخابية الحساسة، لن يساعد إلا في إحياء تلك التهديدات.
 
بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات، فإن الرئيس المقبل سيكون عليه التعامل مع جيش يعاني من حالة صدمة، ومع مسألة كيفية إعادة بناء هذا الجيش. لقد عانى الجيش التركي منذ عام 2007 من إحدى أقوى الصدمات المؤسسية في تاريخه. فقد خسر آلافا رفيعي المستوى من أفراده المؤهلين، من بينهم جنرالات ذوي رتب عالية، الصدمة الأولى كانت في الفترة بين 2007 و2013 بسبب المحاكمات الهزلية بتهم مثل التخطيط لتنفيذ انقلاب، والتجسس، أو الإرهاب، والصدمة الثانية حدثت لاحقا عقب الانقلاب الفاشل عام 2016 بتهمة ارتباط بعض الضباط بحركة "غولين"، التي يتهمها أردوغان بالتخطيط للانقلاب.
 
علاوة على ذلك، غادر العديد من الضباط الواعدين من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة الجيش طوعًا، أو جرى طردهم بالقوة منه أثناء تلك الفترة. وبالإضافة إلى النقص الحاد في عدد موظفي الجيش، وضعت عمليات التطهير المستمرة ضغوطًا لا تحتمل على معنويات أعضاء الجيش التركي.
 
لقد طبقت الحكومة العديد من الإصلاحات بهدف تحصين الجيش من خطر الانقلابات مباشرة عقب محاولة انقلاب 2016. تضمّنت تلك الإصلاحات إجراء إصلاحات شاملة على الأنظمة القضائية والصحية والتعليمية، فضلا عن إعادة تصميم هيكل القيادة العسكرية وعلاقتها مع الحكومة. تصوّر وسائل الإعلام الموالية للحكومة تلك العملية على أنها إعادة إحياء للجيش التركي عبر العودة إلى القيم "المحلية والوطنية". يخشى المنتقدون من أن هذه الإصلاحات ستؤدي لتسييس الجيش، وانها تهدف لتحويل الجيش إلى قوة حزبية موالية للرئيس. خلال السنتين الماضيتين، كانت هناك العديد من المزاعم التي تفيد بأن الارتباط السياسي والأيديولوجيا والعلاقات الشخصية باتت أكثر أهمية من الكفاءة، لا سيما في ممارسات التوظيف، وترقية الضباط وانتدابهم، ومنح العقود الدفاعية. 
 
في حال فوز أردوغان بالرئاسة، واحتفاظ حزبه "العدالة والتنمية" بغالبيته البرلمانية، فإنه سيعزّز من قبضته على الجيش. في الواقع، سيملك أردوغان سلطة على الجيش لم يمتلكها أي رئيس تركي منذ بداية خمسينيات القرن الماضي. يخشى الكثيرون من أن أردوغان قد يستخدم هذه الفرصة لتحويل الجيش إلى قوة حامية لنظام الرجل الواحد الذي يرأسه. إن وصاية أردوغان على القيادة العليا للجيش، وعلاقاته مع صناعة الدفاع، وسلوكه العسكري غير المعتاد منذ عام 2015، بما في ذلك ظهوره بملابس عسكرية مموّهة وزيارته للقواعد العسكرية، كل ذلك زاد من حدة تلك المخاوف.
 
لكن سلطة أردوغان على الجيش ليست مطلقة. إذ إنه قدّم بالفعل عددًا من التنازلات لمجموعات داخل المؤسسة الأمنية. والأهم من ذلك، تعتمد سيطرة أردوغان على الجيش عقب محاولة الانقلاب جزئيا على تحالفه مع حزب "الحركة القومية" اليميني وحزب "وطن" اليساري، إذ يمتلك هذان الحزبان نفوذا كبيرًا على ضباط الجيش ذوي التوجهات القومية. لو تجاهل أردوغان أو حاول التخلص من تلك المجموعات وامتداداتها في الجيش، وهو ما قد يتطلب حملة تطهير جديدة، فقد تكون هناك ردة فعل قوية منها.
 
لو خسر أردوغان الانتخابات، فإن الانتقال نحو علاقة متوازنة وناجعة بين المدنيين والعسكريين قد يكون أمرا ممكنًا، لكن هذا سيتطلب نهجًا شاملاً وتصالحيًا. ونظرًا إلى التنوّع السياسي والحضور القوي للمحاربين القدامى داخل حزب الشعب الجمهوري والحزب الجيد المعارضين، فإن تحالف المعارضة يمكنه بناء جيش أكثر تمثيلاً، وإرساء أسس لعلاقة صحيّة بين الجيش والمدنيين.
 
لقد أوضح مرشح حزب العش بالجمهوري "محرم إنجه" بالفعل أن إعادة بناء المؤسسات وإجراء عمليات التوظيف والترقية على أساس الكفاءة داخل بيروقراطية الدولة، سيكون أولوية قصوى لديه. كما أشارت مرشحة "الحزب الجيد"، ميرال أكشنر، أيضا إلى مسألة عقد مصالحة. لقد تلقت "أكشنر" دعما واسعًا من الجنود والطلاب العسكريين الذين طُردوا عقب الانقلاب الفاشل، بالإضافة إلى دعم عائلاتهم. مع ذلك، فإن أكبر عقبة أمام "إنجه" و"أكشنر" ستكون الجماعات ذات الميول العلمانية-القومية المتطرفة داخل حزبيهما، والتي يمكن أن توقع الحزبين داخل مصيدة مدمّرة من التناحر الداخلي والتطرف الأيديولوجي، وهي مشكلة ثابتة تميّز السياسة التركية.
 
علاوة على ذلك، لو فازت المعارضة، سيحدث انقسام عميق بين حزب "الشعب الجمهوري" و"الحزب الجيد" من جهة، وحزب "الشعوب الديمقراطي" الكردي من جهة أخرى. فحزب الشعوب الديمقراطي يعارض بشدة المؤسسة الأمنية بسبب عملياتها العسكرية ضد الأكراد في جنوب شرق تركيا والعراق وسوريا، وأي تحالف معارض في المستقبل سيحتاج إلى التعاون مع نواب حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان الجديد، وهذا ما قد يتسبب في حدوث تعقيدات كبيرة.
 
لقد كان هناك دوما خط رفيع بين حماية النظام والانقلاب عند الجيش التركي. وقد تأثرت الديمقراطية التركية سلبيا لعقود بسبب تلك الاتجاهات. ينبغي على الرئيس المقبل أن يتجنب السقوط في الفخ ذاته وتحويل الجيش إلى قوة وصاية مرة أخرى. إن وجود جيش مهمته الوحيدة هي حماية نظرة أردوغان العالمية المحافظة، أو اعتناق هذا الجيش لعقيدة علمانية-قومية بحتة، قد يبدو أمرًا جيدًا لكلا الطرفين على المدى القصير. لكن هذا الوضع، كما أثبت التاريخ التركي مرارًا وتكرارًا، سيفشل في إبقاء الضباط خارج السياسة على المدى الطويل.
 
للمرة الأولى منذ السنوات الأولى للجمهورية التركية، أصبح لدى السياسيين المدنيين فرصة لبناء جيش يتسم بأنه ديمقراطي وتمثيلي في آرائه وتصميمه وتركيبته الديمغرافية وسلوكه. يتعيّن على الرئيس التركي المقبل ألا يهدر تلك الفرصة عبر تحويله الجيش إلى أداة في حرب حزبية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية فورين بوليسي

اضف تعليق