AEON | كيف أسهم إنتاج القطن بالصين خلال العصور الوسطى في تفكيك النظام الأبوي؟


٢٨ يونيو ٢٠١٨ - ٠٨:٢٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

تعاني مجتمعات كثيرة من فكرة أن النساء أقل ذكاءً وقدرةً من الرجال. حتى في الدول الأكثر تقدمًاعلى الصعيد الاقتصادي، حيث اكتسبت المرأة في القرنَيْن الماضيَيْن مجموعة متنوعةمن الحقوق السياسية والاقتصادية، ويبقى التحيز ضد المرأة شائعًا نسبيًا. إذن منأين يأتي هذا المعتقد؟ وهل من الممكن أن يتغير؟

جادَلَ عالِم الأنثروبولوجيامارفن هاريس في كتابه "الثقافة والناس والطبيعة" (1975) بأنهيمنة الذكور اكتسبت المصداقية في البداية من خلال قوة الرجال والأفضلية النسبيةلهم في الحروب. وبالتالي؛ بينما تولى الجنود المحترفون مسؤولية الحروب، أصبح عدمالمساواة بين الرجال والنساء مسألة تختص بمساهماتهم النسبية في الإنتاج الاقتصادي.

في الصين، مثلمامعظم أنحاء العالم خلال عصر ما قبل الصناعة، تولّت المرأةُ معظم إنتاج النسيج. أعطتهؤلاء النساء المنتجات "كل لحظة متاحة" في غزل وحياكة المنسوجات، بحسبكلمات إليزابيث وايلاند باربر في كتابها "المنسوجات ما قبل التاريخ"(1991). قبل ظهور إنتاج القطن، كان الحرير والقنب هما النسيجان الرئيسان المستخدمانفي صناعة الملابس. بدأت ثورة القطن في الصين عام 1300. وأدى اعتماد تقنيات غزلونسيج أكثر تقدمًا، بالتزامن مع شبكة تجارة موجودة مسبقًا في أنحاء الصين، إلىإنتاج منسوجات قطنية وتبادلها على نطاق واسع. وبحلول عام 1840، مثّلت المنسوجاتالقُطنية رُبع التجارة الداخلية.

إن ظهور القطن فيالصين حقَّق "عصرًا ذهبيًا" لدَخْل المرأة. في هذا الصدد، كان يشبه عصرالتصنيع البدائي في أوروبا وعصر التصنيع الأولي في أمريكا. الفرق هو أنه في عصورالتصنيع الأولية بأوروبا وأمريكا، استمرت الفترة التي حصلت فيها المرأة على دخللائق من إنتاج المنسوجات حوالي جيل واحد أو اثنين فقط. في الصين، كان الأمرمختلفًا، حيث أدى إنتاج المنسوجات القطنية إلى تحقيق مستوى مرتفع جدًا من الدخلللنساء لمدة 500 عام تقريبًا. وساهم مزيج من طرق الإنتاج المنزلية، وأسواق العملالتي افتقرت للكفاءة، والنظام الضريبي للدولة في هذه الفترة الطويلة من المكاسبالمرتفعة للنساء.
لقد تساءلت فيبحثي: هل أثّرت ثورة القطن على المعتقدات الثقافية المتعلقة بالمرأة؟ ناقش المؤرّخكينيث بوميرانز كيف أنتجت المكانة المرموقة للمرأة في مناطق معينة "اقتصادًاجديرًا بالاحترام." إن المرأة التي كسبت ما يكفي لدعم أسرتها كان يُشار إليهاعلى أنها "امرأة معيلة." هذا لأنه في المناطق المناسبة لإنتاج المنسوجاتالقطنية كان من غير المرجح أن تُنهي الأرامل حياتهن عندما يتوفى أزواجهن.

هل كان هذا تغييرًاطويل الأمد أم مجرد تعديل مؤقت لقدرة المرأة على الكسب؟ يمكن الإجابة على هذاالسؤال فقط عن طريق بحث كيف كانت تُعامل المرأة بعد نهاية صناعة المنسوجات غيرالحديثة. بعد عام 1840، أصبح إنتاج المنسوجات القطنية التقليدي أقل أهمية منالناحية الاقتصادية بسبب المنافسة الشديدة من الواردات البريطانية. وفي واحدٍ منأقدم الاستطلاعات المتاحة عن هذا الموضوع، عند السؤال عن التوجه النفسي تجاهالنساء، كان كلٌّ من الرجل والمرأة بالمقاطعات المنتِجة للمنسوجات القطنية غيرالحديثة، أكثر ترجيحًا للاعتقاد بأن النساء كانت في نفس كفاءة الرجال. وعلى نحومثير للاهتمام، الاختلاف في المعتقدات حول قدرة المرأة لا يمتد إلى المعاييرالحديثة الأخرى المتعلقة بنوع الجنس. على سبيل المثال، لا يبدو أن الاستقلالالاقتصادي للمرأة الصينية يغير التوجهات المحافظة تجاه الزواج أو ممارسة علاقاتخارج إطاره. 

من أجل قياس إرثهذه التوجهات الخاصة بالمرأة في المناطق المنتجة للقطن داخل الصين، بحثت البياناتالخاصة بنسبة الجنس عند الولادة (أي عدد الصبية المولودين لكل 100 فتاة) في الصينعام 2000. أشار الاستخدام السائد للتصوير بالموجات فوق الصوتية منذ التسعينيات إلىأن الآباء الصينيين يختارون جنس أطفالهم، على الرغم من تجريم هذا الإجراء منذ1994. في عام 2000، كان متوسط نسبة الجنس عند الولادة في الصين هو 118 صبيًا لكل100 فتاة، لكن المناطق التي لها تاريخ في إنتاج المنسوجات القطنية غير الحديثة كانبها معدل أقل في الإجهاض الانتقائي بسبب الجنس. بعبارة أخرى، المناطق التي كانت تُنتجالقطن في السابق كان بها معدل أقل في نسبة الجنس عند الولادة، تحديدًا 114 صبيًالكل 100 فتاة.

أحد الاحتمالات هوأن الآباء كانوا يقومون بعمليات إجهاض انتقائي بسبب الجنس بناءً على القيمة الاقتصاديةالمتوقعة للصبي أو الفتاة. مع هذا، لا توجد الكثير من الأدلة على أن المرأة اليومرهان اقتصادي أفضل للآباء في البلدان التي كانت تنتج المنسوجات القطنية من قبل. وفيتعداد عام 2000، لم يتنبأ إنتاج المنسوجات القطنية غير الحديثة بمستوى مشاركةالإناث في قوة العمل، أو بعدد الساعات التي اشتغلتها المرأة. هذا يبرز القنوات غيرالاقتصادية، مثل الثقافة التي تكمن وراء آثار إنتاج المنسوجات القطنية غير الحديثةعلى الإجهاض الانتقائي بسبب الجنس.  

لعلَّ الأمر الأكثرإثارة للدهشة هو أنه حيثما جعلت اشتراكية الدولة الفرص الاقتصادية والحقوق القانونية متماثلة للرجال المتزوجين والنساء المتزوجات، فإن إنتاج المنسوجاتالقطنية غير الحديثة مرتبط باحتمالية أعلى بأن تكون الزوجة هي ربة الأسرة. في سياقاشتراكية الدولة، منصب "رب الأسرة" لم يبلّغ أية معلومات عن الملكيةالمادية للممتلكات، ولكنه عكس معلومات عن دور الزوج مقابل الزوجة في الأسرة. وبشكلغير مفاجئ، آثرت معظم الأسر أن يكون أربابها من الذكور.

إن حقيقة أن الأزواج كانواأكثر عُرضة للاتفاق على أن تكون الزوجة هي ربة الأسرة إذا كانوا من منطقة لهاتاريخ في إنتاج المنسوجات القطنية تشير إلى وجود تغيير ثقافي طويل الأمد منالوكالة الاقتصادية للمرأة.
يتساءل خبراءالاقتصاد عن سبب استمرار الفجوة في الأجور بين الجنسين لعقود.

تتراوح الأجوبة مننظريات أو اقتراحات بأن الرجال منتجون أكثر من النساء؛ وأفكار بأن الرجال والنساءيختلفون في سمات سلوكية مهمة والتي لها عواقب على مكاسبهم؛ وأنه توجد مجموعة منالمعتقدات والتوجهات التي تظلم النساء بصورة منهجية. أظهرت الأبحاث الحديثة أنجوانب معينة من المعايير والأدوار المتعلقة بالجنسين، مثل الهوية الجنسية تتمتعبمرونة بالغة.

باستخدام حالةتاريخية مفصلة – ثورة القطن في الصين – يمكننا رؤية أن المعتقدات الأبوية مرنةبشدة ويمكن تغييرها عن طريق تحقيق زيادة كافية في إنتاجية النساء. إن صورة المرأة المنتجةتُشكِّل المعتقدات الثقافية حول قدرة المرأة بطريقة إيجابية، ثم تُترجم إلى وجهة نظرأكثر إيجابية حول المرأة بشكل عام.

على وجه العموم،على الرغم من أن القوى الاقتصادية لا تُملي نظامًا للقيمة، هناك إمكانية بأن تغيرالقوى الاقتصادية نظام القيمة. هذا يشمل واحدًا من العناصر الأكثر مرونة لنظامالقيمة – وهو المعتقدات والتوجهات المتعلقة بالمرأة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية آية سيد الصين ترجمات aeon

اضف تعليق