بي بي سي: فدية المليار دولار.. هل دفعت قطر هذا المبلغ الخيالي؟


١٧ يوليه ٢٠١٨ - ٠٣:٤٣ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
رؤية

في صباح يوم 16 ديسمبر 2015, وصلت أخبار سيئة للعائلة الحاكمة في قطر: 28 فردًا تعرضوا للاختطاف أثناء رحلة صيد ملكية في العراق.

تسلم الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني, الذي كان على وشك أن يصبح وزيرًا للخارجية, قائمة بالرهائن. وأدرك أن القائمة تحتوي على اثنين من أقاربه.

كتب الشيخ محمد عبد الرحمن آل ثاني رسالة نصية لسفير قطر في العراق, زايد الخيارين, "جاسم ابن عمي وخالد زوج عمتي. بمجرد أن تتلقى أخبارًا جديدة, بلغني على الفور."


أمضى الرجلان الـ16 شهرًا التالية مشغولان بأزمة الرهائن.

في رواية للأحداث, دفعوا أكثر من مليار دولار لتحرير الرجال. وذهبت الأموال لجماعات وأفراد صنفتهم الولايات المتحدة كـ"إرهابيين": كتائب حزب الله في العراق, التي قتلت جنود أمريكيين بقنابل مزروعة على الطريق؛ واللواء قاسم سليماني, قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني والذي يخضع شخصيًا لعقوبات أمريكية وأوروبية؛ وهيئة تحرير الشام, التي كانت تُعرف بجبهة النصرة, عندما كانت تابعة لتنظيم القاعدة في سوريا.

في رواية أخرى للأحداث – الرواية القطرية – لم تُدفع أية أموال للـ"إرهابيين", وإنما دُفعت فقط للدولة العراقية.

في هذه الرواية, لا تزال الأموال موجودة في خزانة البنك المركزي العراقي في بغداد, على الرغم من أن جميع الرهائن عادوا لوطنهم. تظهر القصة المعقدة للمفاوضات في الرسائل النصية والرسائل الصوتية بين وزير الخارجية والسفير.

حصلت حكومة معادية لقطر على هذه الرسائل وأرسلتها لبي بي سي.

إذن, هل دفعت قطر أكبر فدية في التاريخ؟

الشيخ محمد خبير اقتصادي سابق وقريب بعيد للأمير. لم يكن معروفًا قبل ترقيته لمنصب وزير الخارجية في سن 35 عامًا وهو سن صغير نسبيًا.

في وقت حادثة الاختطاف, كان السفير زايد الخيارين في الخمسينيات من عمره, وقيل إنه كان برتبة عقيد في المخابرات القطرية. لقد كان أول مبعوث قطري للعراق منذ 27 عامًا, لكن لم يكن هذا منصبًا مهمًا.

كانت الأزمة فرصته لتحسين موقفه.


كان الرهائن قد ذهبوا للعراق للصيد بالصقور. وتم تحذيرهم – ومناشدتهم – بألا يذهبوا. لكن الصيد بالصقور هو رياضة الملوك في منطقة الخليج وكانت هناك أسراب من فريسة الصقور, طائر الحبارى, في المساحة الخالية في جنوب العراق.

كان مخيم الصيادين محاطًا بشاحنات صغيرة مجهزة بمدافع رشاشة في الساعات الأولى من الصباح. أخبر أحد الرهائن صحيفة نيويورك تايمز إنهم ظنوا إنه "داعش," تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي السُني.لكن أحد الخاطفين استخدم إهانات شيعية للسُنة.

لعدة أسابيع, لم تسمع الحكومة القطرية شيئًا. لكن في مارس 2016, بدأت الأمور في التحرك. علم المسئولون أن الخاطفين كانوا من كتائب حزب الله, وهي ميليشيا شيعية عراقية مدعومة من إيران.

أرادت الجماعة أموالًا. كتب السفير الخيارين إلى الشيخ محمد: "أخبرتهم ’أعطونا 14 من رجالنا ... وسنعطيكم نصف المبلغ.‘" "المبلغ" ليس واضحًا في الرسائل في هذه المرحلة.

بعدها بخمسة أيام, عرضت الجماعة إطلاق سراح ثلاث رهائن. كتب السفير, "إنهم يريدون بادرة على حسن النية منا أيضًا. هذه إشارة جيدة ... إنهم في عجلة من أمرهم ويريدون إنهاء كل شيء قريبًا."

بعدها بيومين كان السفير في المنطقة الخضراء في بغداد, وهي جزء محصن وشديد الحراسة من المدينة حيث تقع الحكومة العراقية والسفارات الأجنبية.

كان الجو مشتعلًا في العراق في شهر مارس. وكان خانقًا في المنطقة الخضراء على وجه خاص: كان مؤيدو رجل الدين الشيعي مقتضى الصدر على الأبواب, إحتجاجًا على الفساد. هرب موظفو بعض السفارات, كما أورد السفير. نتج عن هذا خلفية متوترة للمفاوضات.

انتظر الخيارين. لكن لم تكن هناك علامة على إطلاق السراح المنتظر. كتب: "هذه المرة الثالثة التي أحضر إلى بغداد من أجل قضية الرهائن ولم أشعر بالإحباط مثل هذه المرة. لم أشعر بهذا التوتر. لا أريد أن أرحل بدون الرهائن."

حضر الخاطفون, ليس بصحبة الرهائن بل بوحدة يو إس بي تحتوي على فيديو لأسير واحد.

سأل الشيخ محمد السفير, "ما هي الضمانات بأن البقية معهم؟ امسح الفيديو من على هاتفك ... احرص على ألا يتسرب, لأي شخص."

وافق الخيارين, قائلًا: "نحن لا نريد أن تشاهد عائلاتهم هذا الفيديو وتتأثر عاطفيًا."


تم فصل الرهائن – وُضع الأمراء في قبو بدون نوافذ؛ وأُخذ أصدقاؤهم, غير الأمراء وغير القطريين, إلى مكان آخر وتلقوا معاملة وطعام أفضل.

أخبرني مسئول قطري أن الأمراء تنقلوا كثيرًا, أحيانًا كل يومين أو ثلاثة أيام, لكن تم الإبقاء عليهم دائمًا في مكان تحت الأرض. كان لديهم مصحف واحد فقط يتناوبون على قراءته فيما بينهم.

لمدة الـ16 شهرًا التي أمضوها في الأسر, لم يكن لديهم أدنى فكرة عما يحدث في العالم الخارجي.

إذا كانت الأموال هي الحل لهذه المشكلة, فعلى الأقل القطريون يمتلكونها. لكن تُظهر الرسائل النصية والصوتية أن الخاطفين أضافوا لمطالبهم, وغيروها, ذهابًا وإيابًا: يجب أن تترك قطر التحالف السعودي الذي يحارب المتمردين الشيعة في اليمن. يجب أن تؤمن قطر إطلاق سراح جنود إيرانيين سجنهم المتمردون في سوريا.

ثم أصبحت أموال مجددًا. وبالإضافة إلى الفدية الرئيسية, أراد قادة الميليشيا مبالغ جانبية لأنفسهم.

عندما انتهت إحدى جلسات المحادثات, اصطحب مفاوض كتائب حزب الله, أبو محمد, السفير جانبًا وطلب 10 مليون دولار (7,6 مليون يورو) لنفسه.

قال السفير في بريد صوتي, "أبو محمد سأل, ’ما نصيبي في هذا؟ بصراحة أريد 10‘."

"أخبرته, ’عشرة؟ لن أعطيك 10. فقط إذا أحضرت لي رجالي سالمين 100%...‘

"ولتحفيزه, أخبرته أيضًا إنني مستعد لشراء شقة له في لبنان."

استخدم السفير وسيطين عراقيين, كلاهما من السُنة. لقد زارا وزير الخارجية القطري, وطلبوا "هدايا" مقدمًا: 150 ألف دولار نقدًا وخمس ساعات رولكس, "اثنين من أغلى الانواع, وثلاث من النوع العادي." ليس من الواضح إذا كانت هذه الهدايا للوسيطين أم لرشوة الخاطفين مع استمرار المحادثات.

في أبريل 2016, أُضيف اسم جديد للمكالمات الهاتفية: قاسم سليماني, الراعي الإيراني لكتائب حزب الله.


حتى الآن, يبدو أن الفدية المطلوبة وصلت إلى مبلغ مليار دولار. مع ذلك, استمر الخاطفون في طلب المزيد. كتب السفير إلى وزير الخارجية: "التقى سليماني بالخاطفين بالأمس وضغط عليهم لقبول المليار دولار. لم يردوا بسبب وضعهم المالي ... سوف يعود سليماني."

كتب السفير مرة أخرى أن اللواء الإيراني كان "غاضبًا جدًا" من الخاطفين. "إنهم يريدون إرهاقنا وإجبارنا على قبول مطالبهم على الفور. نحن نحتاج لأن نبقى هادئين وألا نتسرع." لكنه أخبر الشيخ محمد, "يجب أن تكون جاهزًا بالأموال." رد الوزير: "كان الله بالعون!"

مرت أشهر. ثم في نوفمبر 2016, دخل عنصر جديد في المفاوضات. أراد اللواء سليماني أن تساعد قطر في تنفيذ ما يُعرف بـ"اتفاقية المدن الأربع" في سوريا.

في ذلك الوقت, كانت الحكومة السورية, المدعومة من إيران, تحيط بمدينتين سُنيتين خاضعتين لسيطرة المتمردين. في الوقت نفسه, كان المتمردون السلفيون, المدعومون من قطر, يحاصرون مدينتين شيعيتين مواليتين للحكومة. (قيل أن المتمردين يشملون أعضاء من جبهة النصرة.) بموجب الاتفاقية, يتم رفع الحصار عن المدن الأربع وإجلاء سكانها.

وفقًا للسفير, أخبر اللواء سليماني كتائب حزب الله إنه إذا نجا الشيعة بسبب اتفاقية المدن الأربع, سيكون من "المخزي" طلب رشاوى شخصية.

كتب السفير لوزير الخارجية, "حزب الله لبنان, وكتائب حزب الله العراق, جميعهم يريدون المال وهذه فرصتهم. إنهم يستغلون هذا الموقف للتربح ... خاصة وإنهم يعرفون إنها النهاية تقريبًا ... جميعهم لصوص."

كان آخر ذكر لفدية المليار دولار في الرسائل في يناير 2017, إلى جانب رقم آخر وهو 150 مليون دولار.

تعتقد الحكومة التي أعطتنا هذه المادة – وهي معادية لقطر – أن المباحثات بين الشيخ محمد والخيارين كانت حول مليار دولار فدية و150 مليون دولار مبالغ جانبية, أو "عمولات خفية." لكن الرسائل النصية غامضة. قد تكون اتفاقية المدن الأربع هي ما طُلب لتحرير الرهائن, بالإضافة إلى 150 مليون دولار مدفوعات شخصية للخاطفين.

يتفق المسئولون القطريون على أن الرسائل النصية والصوتية صحيحة, على الرغم من إنهم يعتقدون إنه تم تعديلها بطريقة "انتقائية جدًا" لكي تُعطي انطباعًا مضللًا.

تسربت النصوص, لصحيفة واشنطن بوست, في أبريل 2018. انتظرت مصادرنا حتى نفى المسئولون في الدوحة. ثم سعوا لإحراج قطر عن طريق نشر التسجيلات الصوتية الأصلية.

تتعرض قطر لحصار اقتصادي من بعض جيرانها – السعودية, والإمارات, والبحرين ومصر. نتج عن هذا الخلاف الإقليمي حملة مكثفة وموسعة من الاختراق, والتسريب والإحاطات في واشنطن ولندن.

انتهت أزمة الرهائن في أبريل 2017. سافرت طائرة من شركة الخطوط الجوية القطرية إلى بغداد لتوصيل الأموال وجلب الرهائن. أكد هذا مسئولون قطريون, على الرغم من أن الشركة نفسها رفضت التعليق.

تمر قطر بخلاف قانوني مع جيرانها حول حقوق المجال الجوي. إن مسألة ما إذا كان تم استخدام شركة الطيران الوطنية للإمارة لنقل الأموال إلى "الإرهابيين" سيكون لها تأثير على القضية – ومن المحتمل أن هذا هو سبب تسريب هذه المواد لنا.

من حصل على الأموال التي دخلت بغداد – وكم يبلغ قدرها؟ يؤكد مصدرنا الأصلي – الحكومة المعادية لقطر – أن المبلغ تجاوز 1 مليار دولار, بالإضافة إلى 150 مليون دولار في صورة عمولات خفية, معظمها موجه إلى كتائب حزب الله.

يؤكد مسئولون قطريون إنه تم إرسال مبلغ ضخم نقدًا – لكنهم يقولون إنه كان للحكومة العراقية, وليس للإرهابيين. كانت المبالغ لأجل "التنمية الاقتصادية" و"التعاون الأمني." يقول المسئولون, "لقد أردنا أن نجعل الحكومة العراقية مسئولة بالكامل عن سلامة الرهائن."

ظن القطريون إنهم عقدوا صفقة مع وزير الداخلية العراقي. لقد كان ينتظر في المطار عندما هبطت الطائرة بشحنة النقود في حقائب قماشية سوداء. ثم دخل رجال مسلحون, يرتدون زيًا عسكريًا بدون شارة.

أخبرني مسئول قطري, "لازلنا لا نعلم من هم. لقد طُرد وزير الداخلية." فكر القطريون أن هذه قد تكون مجرد خطوة قام بها رئيس الوزراء العراقي, حيدر العبادي. إتصل رئيس الوزراء القطري بالعبادي, لكنه لم يرد.

عقد العبادي لاحقًا مؤتمرًا صحفيًا, قال فيه إنه تولى السيطرة على الأموال.

على الرغم من مصادرة الأموال, استمر إطلاق سراح الرهائن على أية حال, حيث كان مربوطًا بتنفيذ اتفاقية "المدن الأربع."

في الرسائل النصية, كان ضابط مخابرات قطري, جاسم بن فهد آل ثاني – من أفراد العائلة الملكية – حاضرًا على الأرض.

أولًا, "46 حافلة" أقلت الأشخاص من المدينتين السُنيتين في سوريا. كتب جاسم بن فهد, "أخرجنا 5 آلاف شخص على مدار يومين. الآن نُخرج 3 آلاف ... نحن لا نريد أي قصف."

بعدها ببضعة أيام, تم إجلاء المدينتين الشيعيتين. أرسل الشيخ محمد رسالة نصية بأن "3 آلاف شيعي محتجز في موقع التبادل ... عندما نرى رجالنا, سوف أترك الحافلات تمر."

رد السفير بأن الجانب الآخر قلق. "إنهم خائفون. لقد قالوا إنه إذا أشرقت الشمس [بدون مغادرة الشيعة] سيرجعون رجالنا."

في 21 أبريل 2017, تم إطلاق سراح الرهائن القطريين. جميعهم كانوا "بخير", حسبما أورد السفير, لكنهم "خسروا نصف وزنهم تقريبًا." رتب السفير أن يكون على الطائرة التي تقلهم للوطن "برياني وكبسة, وأرز أبيض وسوتيه ... ليس لي. هؤلاء الرجال يفتقدون هذا الطعام."

بعد ستة عشر شهرًا من خطفهم, أظهرت صور على التلفاز الرهائن, هزيلين لكن يبتسمون, في مطار الدوحة.

تقول مصادر الرسائل النصية والصوتية – وهم مسئولون من حكومة معادية لقطر – أن المواد تُظهر أن "قطر أرسلت أموالًا للإرهابيين."

بعد وقت قصير من إرسال الأموال إلى بغداد, بدأت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارهم الاقتصادي لقطر. إنهم لا يزالون يتهمون قطر بامتلاك "تاريخ طويل" من تمويل "الإرهاب."

تشير المصادر المعادية لقطر إلى بريد صوتي معين من السفير الخيارين. في هذا البريد, يشرح إنه أخبر قائد في كتائب حزب الله: "يجب أن تثق بقطر, أنت تعرف ما فعلته قطر, وما فعله والد الأمير... لقد فعل الكثير, ودفع 50 مليون, ووفر البنية التحتية للجنوب, وكان أول من زاره."

تؤكد مصادرنا أن هذا يُظهر دفع مبلغًا تاريخيًا, في عهد الأمير السابق, بقيمة 50 مليون دولار لكتائب حزب الله.

يقول مسئولون قطريون إنه يُظهر دعم الشيعة بوجه عام.

إن استمرار حصار قطر من عدمه سيعتمد على من يربح في حُجته حول "تمويل الإرهاب."

جزئيًا, هذه معركة حول من نصدق فيما يخص كيف انتهت عملية الخطف في الصحراء العراقية. يقول المسئولون القطريون أن الأموال التي أرسلوها إلى بغداد تبقى في خزانة البنك المركزي العراقي في صورة "وديعة."

يقول خصومهم أن الحكومة العراقية أقحمت نفسها في اتفاقية الرهائن ووزعت الأموال.

في الوقت الحالي, يبقى الغموض حول ما إذا كانت قطر قد دفعت أكبر مبلغ فدية في التاريخ غير محسوم.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق