ناشونال انتريست | إليكم الأسباب التي ستجعل مصر مُصدِّرًا رئيسيًا للغاز


٣١ يوليه ٢٠١٨ - ٠٣:٢٧ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

لا تزال الجغرافيا عاملاً مهمًا في سياسات الطاقة العالمية، ويتجلّى هذا الأمر بأوضح صُورِهِ في حالة أوروبا المتعطشة للطاقة وروسيا الغنية بالغاز. لقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تلك النقطة أثناء جولته الأوربية في يوليو 2018؛ إذ انتقد ترامب ألمانيا بسبب عقدها صفقة أنبوب غاز يمر عبر بحر البلطيق مع روسيا، واصفًا تلك الدولة الأوروبية الرائدة بأنها "رهينة لروسيا".

إن هذا التصريح لم يفعل شيئًا يذكر لتحسين العلاقات عبر الأطلسي. مع ذلك، هناك تطور في المياه الواقعة قبالة سواحل مصر الشمالية، يمكن أن يوفّر خيارًا جديدًا لأوروبا المتعطشة للطاقة، وهو ما سيؤدي لتغيير ديناميكية سياسات الطاقة في المنطقة الأوروآسيوية.

أفادت الأنباء في أواخر شهر يونيو عام 2018، باكتشاف شركة "إيني" الإيطالية للطاقة حقل غاز طبيعي هائل، حقل نور، قبالة سواحل شمال سيناء. وبالرغم من أن المزاعم الأولية المتعلقة بحجم حقل نور قد يكون مبالغًا فيها (حيث إن عملية حفر بئر استكشافي لن تكتمل حتى شهر أغسطس) غير أن هناك احتمالاً بأن مخزونات مصر الغازية البحرية كبيرة، وربما تُغير قواعد اللعبة. وتفيد التقديرات بأن احتياطيات حقل نور المؤكدة تصل إلى 90 تريليون قدم مكعب، ما سيرفع احتياطيات مصر المؤكدة من 65.2 تريليون متر مكعب (في عام 2016 وفقًا لشركة بريتش بتروليوم) إلى 155.2 تريليون متر مكعب، ما سيضع مصر في نفس المستوى مع الجزائر ونيجيريا، لكنها مع ذلك ستظل خلف عمالقة إنتاج الغاز: قطر وإيران وروسيا والولايات المتحدة. وعند إضافة هذا الاكتشاف إلى حقل "ظهر" الذي اكتُشف عام 2015، من المتوقع أن تعود مصر مجددًا لكي تصبح مُصدِّرًا صافيًا للغاز في عام 2019.

إن اكتشاف حقل غاز كبير هي أخبار مهمة بالنسبة لمصر. إذ عانى هذا البلد من ظروف سياسية صعبة منذ 2011... وفي 2014 وصل الجنرال "عبد الفتاح السيسي" للسلطة ، وسعى بعدها لإبقاء مصر بعيدًا عن قبضة الإخوان المسلمين، وتحقيق الاستقرار للاقتصاد المصري الذي أُصيب بحالة اختلال توازن.

لقد أدت سنوات من الاضطرابات السياسية إلى خروج الاقتصاد المصري عن مساره. إذ تباطأ النمو كثيرًا، وبقي التضخم مرتفعًا، وهربت الاستثمارات الأجنبية، وتوسّع العجز المالي لمستويات خطيرة (بلغ 10 بالمائة لسنوات عديدة)، ولم تكن الاحتياطيات الدولية تكفي إلا لاستيراد بضائع وخدمات لثلاثة أشهر فقط، وارتفعت البطالة من 9.2 بالمائة في الفترة 2009/2010 لتصل إلى 13.4 بالمائة خلال 2013/2014. علاوة على ذلك، طلبت مصر مساعدة من صندوق النقد الدولي.

بحلول عام 2018، يُعتقد أن الاقتصاد المصري بات يتجه نحو الاستقرار، وذلك مع تعافي نمو الناتج القومي الإجمالي، وزيادة تحسّن معدلات التضخم، وضبط أوضاع المالية العامة. كما أن الاحتياطات الدولية أيضًا ارتفع حجمها. وبالرغم من إحراز تقدم كبير، لا تزال هناك تحديات كبيرة. طبقًا لتقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي الذي صدر مؤخرًا، فإنه يتعين القيام بالمزيد من العمل لـ "إصلاح الإطار التنظيمي، وتعزيز المنافسة، وتحسين الوصول إلى التمويل والأراضي، وتعزيز الحوكمة والشفافية والمحاسبة فيما يتعلق بالمؤسسات المملوكة للدولة، وتحسين عملية إدماج النساء والشباب في سوق العمل".

وهناك قضية أخرى مثيرة للقلق وهي العجز المزمن في الميزان التجاري وفي الحسابات الجارية. ففي الفترة الزمنية 2016/2017، بلغ العجز التجاري 11.2 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي، بينما بلغ عجز الحساب الجاري 6.1 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي.

هناك عامل اقتصادي إضافي يتمثل في الحجم الكبير لعدد سكان مصر، والذي بلغ، وفقًا لبيانات البنك الدولي، نحو 95.7 مليون نسمة بنهاية العام 2016. ومن أجل أن يخلق الاقتصاد المصري وظائف كافية، فإنه يجب أن ينمو بوتيرة قوية نسبيًا. بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4.2 بالمائة، ويتوقع البنك الدولي أن تصل تلك النسبة إلى 5.0 بالمائة لعام 2018.

لذا يجب النظر إلى اكتشاف حقل نور للغاز عبر عدسة هذه الأوضاع الاقتصادية. إن انخفاض أسعار النفط سيساعد الاقتصاد المحلي، بينما ستساعد صادرات الغاز في تحسين العجز التجاري وعجز الحساب الجاري. في الوقت الراهن، يجري توجيه الغاز الطبيعي المكتشف لسد حاجة سوق الطاقة المحلي النّهم. على سبيل المثال، يأتي ما يزيد على ثلاثة أرباع طاقة البلاد من محطات طاقة تعمل بالغاز، كما ارتفع استهلاك الطاقة بنسبة 14 بالمائة عام 2017.

لحسن الحظ، طوّرت مصر البنية التحتية الخاصة بالغاز: فقد شيّدت محطتَي تسييل غاز في الساحل الشمالي للبلاد. إن مشاريع البنية التحتية مهمة لتحويل الغاز إلى سائل، والذي يمكن شحنه لاحقًا. وبالرغم من أن هذا يعدّ خطوة إيجابية كبيرة لمصر فيما يخص تطويرها لتجارة الغاز، بيدَ أن هذا الأمر أيضًا يمكن أن يُعقّد سياسات الطاقة في منطقة شرق البحر المتوسط.

في فبراير عام 2018، جرى التوصل لاتفاق قدره 15 مليار دولار بين مصدّري غاز إسرائيليين وشركة مصرية اسمها "دولفنس"، يُسمح لإسرائيل بموجبه باستخدام منشآت تسييل الغاز المصرية. سيوفر هذا الاتفاق منفذًا لحقل "لفياثان" الغازي البحري الإسرائيلي. تصدّر إسرائيل بالفعل الغاز للأردن، لكنها لا تملك منشأة غاز مسال، حيث تُعدّ كلفة بناء منشأة كتلك قد تكون هائلة. وبالتالي، اعتُبرت منشآت تسييل الغاز المصرية غير المستغلة حلاً ممكنًا. فبإمكان إسرائيل تصدير الغاز الطبيعي لمصر، ومن المحتمل أن تقوم بعد ذلك بشحنه إلى أوروبا. في الوقت ذاته، تتطلع قبرص، التي حققت أيضًا اكتشافات غاز طبيعي، لكنها تفتقر إلى وجود منشأة لتسييل الغاز، إلى الشركات المصرية للمساعدة. وعلاوة على ذلك، هناك خطة مطروحة للنقاش لبناء أنبوب يربط مصر وقبرص وإسرائيل واليونان وإيطاليا.

لقد أضاف اكتشاف حقل نور للغاز عنصرًا جديدًا في الصورة. السؤال المطروح أمام مصر هو هل هي بحاجة الآن للربط مع إسرائيل وقبرص؟ يمنح حقل نور مصر مرونة أكبر في التعامل مع جيرانها، إذ إن هذا الاكتشاف ومشاريع الغاز الأخرى يمكن أن تُلبي الطلب المحلي وتضيف إلى القاعدة التصديرية للبلد. في الوقت ذاته، هناك مكاسب ستتحقق عبر المحافظة على التعاون مع قبرص وإسرائيل في ملف الغاز. من جانبه، أشار "ممدوح سلامة" الخبير الاقتصادي الدولي في شؤون النفط والمستشار لدى البنك الدولي في مطلع يوليو 2018 إلى ما يلي: "بوصفها مركزًا دوليًا لتجارة الغاز، ستحصل مصر أيضًا على عائد مالي نظير تحويل الغاز القبرصي والإسرائيلي، والغاز اللبناني والسوري في نهاية المطاف، إلى غاز طبيعي مسال، وإعادة تصديره بجانب غازها المسال إما إلى أوروبا أو على الأرجح إلى منطقة آسيا - المحيط الهادي التي يزداد فيها الطلب على الغاز الطبيعي المسال بشكل سريع".

إن مصر ليست بديلاً فوريًا للغاز الطبيعي الروسي المصدّر إلى أوروبا. مع ذلك، فإن التطورات الحاصلة بالفعل الآن وما سيحدث في المستقبل، يجعل من مصر مركزًا رئيسًا للغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط. كما أن مصر منخرطة مع شبكة معقدة من المنتجين المحتملين للغاز، من بينها قبرص وإسرائيل، وربما لبنان وسوريا على المدى الطويل. هناك عقبات كبيرة يجب تجاوزها، من بينها قرار مصر بتولي الأمر بمفردها أو التعاون مع شركاء آخرين، ورفض تركيا لتطوير قبرص لحقولها الغازية البحرية، والحاجة إلى وجود قدر من الاستقرار السياسي في سوريا. لكن هناك أمر مؤكد، وهو أنه من الأفضل بناء جسور بين الدول عبر دبلوماسية الغاز بدلاً من الذهاب إلى الحرب. إن بناء مركز لتجارة النفط في شرق المتوسط، تكون مصر الحلقة الرئيسية فيه، سيقطع شوطًا كبيرًا في بناء تلك الجسور عبر تعزيز روابط الطاقة الإقليمية.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق