بوليتيكو| رسالة إلى ترامب: إيران ليست كوريا الشمالية


٠٥ أغسطس ٢٠١٨ - ١٠:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
رؤية

إن تهديد الرئيس ترامب الذي وجهه ضد إيران على موقع تويتر- والذي حذر فيه نظيره الإيراني من أنه سيواجه "عواقب وخيمة لم يرها مثلك من قبل على مر التاريخ"- يبدو متطابقًا تمامًا مع نهجه الذي سلكه مع كوريا الشمالية. ويرتكز هذا النهج على تطبيق العقوبات والتلميح بشن حرب مدمّرة، ثم انتظار نتائج كل هذا.

إن الرئيس يشبه مُشعل الحرائق الذي يطفئ النيران التي أشعلها. لقد خففت النتائج العشوائية التي تحققت مع كوريا الشمالية من مخاوف حدوث حرب وشيكة أثارتها تصريحات ترامب، لكن تلك النتائج لم تحدّد مسارًا واضحًا للحدّ من ترسانة بيونج يانج النووية والتخلص منها في نهاية المطاف.

لقد فشلت سياسة ترامب الخاصة بكوريا الشمالية في خدمة المصالح الأمريكية، وهو أمر يبدو أن الرئيس يعترف به سرًا. لقد أعلن ترامب النصر، لكن الكوريين الشماليين لم يتخذوا أي خطوة تجاه التخلص من أسلحتهم النووية، ولم يلتزموا بفعل ذلك. هم يقومون بتجميد جزئي لبعض من سلوكهم الأكثر استفزازًا، مثل اختبارات الصواريخ والقنابل النووية. هذه أخبار جيدة، لكنها كانت مقابل ثمن باهظ، إذ أننا أوقفنا التدريبات العسكرية ووترنا علاقاتنا مع حلفائنا، كما تخلص "كيم يونج اون" من عزلته الدبلوماسية. لكن ترامب على أقل تقدير توقف عن إصدار تهديدات بشن حرب في شبه الجزيرة الكورية، وهذه ربما أفضل نتيجة لتلك القمة في الوقت الراهن.

ترامب لن يستطيع تكرار اللعبة ذاتها مع إيران، لن تكون هناك "صفقة كبرى" بين واشنطن وطهران. لا يكتفي الإيرانيون باعتبار ترامب شريكًا مفاوضًا غير موثوق فيه بسبب قراره المتهور بإلغاء الاتفاق النووي، بل إنهم يعتبرون صواريخهم البالستية ووكلاءهم الإقليميين ركنًا أساسيًا في سياسة الأمن القومي الإيراني التي تضرب بجذورها في الدروس القاسية للحرب الإيرانية - العراقية. لا يستطيع ترامب ببساطة التغلب على هذه القضايا عبر تطبيق ما ورد في كتابه "فن الصفقة"، لأن عقد صفقة كهذه سيتطلب حلولاً أمنية إقليمية غير ممكنة، وذلك في ضوء التوترات الراهنة في المنطقة.  

علاوة على ذلك، وبالرغم مما يأمله ترامب، لن تكون هناك حتى نسخة خليجية من قمة سنغافورة التي كانت عبارة عن دراما تلفزيونية هدفها تخفيف المشاعر العدائية من دون معالجة المشاكل الأساسية. هناك عقبتان تقفان في الطريق: نحن وهم.

أولاً، إيران. حتى لو عرض ترامب على إيران صفقة أفضل من الاتفاق النووي الذي تفاوض عليه الرئيس السابق أوباما - على سبيل المثال، تخفيف العقوبات مقابل تقديم إيران تنازلات نووية إضافية شكلية- بيد أنه من غير الواضح ما إذا كانت إيران قادرة على إدارة انقساماتها السياسية الداخلية وقبول هذه الصفقة.

إن الوضع السياسي في إيران هو أكثر تعقيدًا، أو أكثر علانية بالتأكيد، مقارنةً بما هو عليه في كوريا الشمالية. لقد عوّلت كلٌّ من طهران وبيونج يانج على العداء مع الولايات المتحدة من أجل كسب الشرعية في الداخل، لكن "كيم" بإمكانه ببساطة تغيير دعاية النظام من دون الخشية من الظهور بمظهر المتناقض. بالرغم من أن آية الله خامنئي يحظى بلقب "المرشد الأعلى"، إلا أن سلطته ليست استبدادية بشكل تام. إذ إن أي محاولة لتغيير علاقة إيران مع الولايات المتحدة، ستواجه معارضة شرسة وفعّالة من مراكز القوى في النظام التي تستفيد من الصراع المستمر مع "الشيطان الأكبر". كما أن ترامب جعل مسألة القبول بصفقة مع الولايات المتحدة أمرًا أكثر صعوبة من الناحية السياسية، حيث إن القبول بهذه الصفقة سيعرّض خامنئي لاتهامات بالاستسلام لشروط ترامب العدائية.

ثانيا، السياسات الأمريكية هي أقل تسامحًا تجاه إيران مقارنةً بما هي عليه مع كوريا الشمالية. لقد كذب ترامب مرارًا وتكرارًا بشأن ما حدث في سنغافورة من دون عواقب سياسية تذكر. لقد أطلق ترامب ادعاءً سخيفًا بأن "كوريا الشمالية لم تعد تشكّل تهديدًا نوويًا"، بالإضافة إلى تفاخره في العشرين من يونيو بأن كوريا الشمالية أعادت رفاة 200 جندي أمريكي (الرقم الحقيقي حينها-وحتى يومنا هذا- هو صفر). لقد انتقد بعض المسؤولين الجمهوريين المنتخبين هذا الأمر، لكنهم لم يصروا على عقد جلسات استماع، أو جلسات إحاطة سرية، ولم يتخذوا أي إجراء حقيقي لتأكيد دور الكونغرس الرقابي.

من الصعب تصوّر أن يحظى ترامب بحرية حركة مماثلة بشأن إيران. وبكل صراحة، فإن اليابان وكوريا الجنوبية ليستا إسرائيل والسعودية، اللتين تملكان نفوذًا حقيقيًا في واشنطن وداخل قاعدة ترامب السياسية. لو حاول الرئيس تضخيم التنازلات الإيرانية، فإنه سيتعرض لانتقادات من مؤيديه المحليين والدوليين.

إذا لم يوفر خطاب ترامب المرتفع النبرة تجاه إيران سبيلاً للتقدم، وذلك عبر عقد صفقة أو تخفيف حدة التصعيد، فإلى أين يقودنا إذًن؟ للعزلة أو المواجهة.

لو وجدت أوروبا وبقية الدول المشاركة في الاتفاق النووي مع إيران سبيلاً لمواصلة شراء النفط الإيراني وتسهيل المعاملات المالية الإيرانية رغم العقوبات الأمريكية، فإن واشنطن ستخسر ببساطة مزيدًا من التأثير والنفوذ. ولو فشلت أوروبا وبقية الدولة المشاركة في الاتفاق النووي في الحفاظ على الاتفاق، فإن إيران ستعود بالتأكيد للاستفزازات النووية.

في كلتا الحالتين، فإن ترامب يأخذ مشكلة ويحوّلها إلى أزمة. من الواضح أن إدارته لا تملك استراتيجية متماسكة ومجدية تجاه إيران تمامًا كما هو الحال مع كوريا الشمالية. وهذا يجعل النسخة الإيرانية من سياسته تجاه كوريا الشمالية - التي توّعدها بالنار والغضب في وقت ما- غريبة وخطيرة.              

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق