روبرت فيسك يكتب في الإندبندنت| الفلسطينيون بين حلم إقامة الدولة وصفقة القرن


٠٥ أغسطس ٢٠١٨ - ١٠:٣٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
رؤية

إن فهم طبيعة الأحداث بعد وقوعها ليس عدلاً، لكنه قد يخبرنا بالحقيقة. في البداية، يعلن دونالد ترامب أن القدس هي عاصمة إسرائيل، حارمًا بذلك الفلسطينيين من إقامة عاصمتهم في القدس الشرقية. يشعر الفلسطينيون بالانزعاج الشديد. ويقول "محمود عباس" إنه لن يتحدث من الآن فصاعدًا مع الولايات المتحدة. فيعبّر ترامب عن غضبه قائلاً: "ندفع للفلسطينيين مئات ملايين الدولارات سنويًّا ولا نحصل على تقدير أو احترام منهم". كانت تلك مجرد تغريدة، لكنه كان يعني ما يقول. ثم يقتطع ترامب 300 مليون دولار من المساعدات الأمريكية المقدمة للاجئين الفلسطينيين، وبذلك يحصل الفلسطينيون المقهورين والمحاصرين والمحرومين على 60 مليون دولار فقط من المساعدات.
 
لقد أُجبرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - وهي الجهة المتلقية للمساعدات الدولية المخصصة لـ 5.3 مليون لاجئ فلسطيني- على تسريح موظفيها، من بينهم 113 موظفًا في غزة وحدها الأسبوع الماضي. ترعى وكالة "أونروا" الفلسطينيين منذ عام 1949، وهي تعاني بالفعل من عجز مالي قدره 49 مليون دولار. ويواجه 30 ألف طبيب وممرض ومعلم وموظف فلسطيني لديها خطر البطالة. وبهذا، تهدد المجاعة المزيد من سكان غزة المتعبين والفقراء. أحد هؤلاء السكان هو أب لستة أطفال عمره 53 عامًا، وقد أُخبر للتو أنه خسر وظيفته بعد عمله لمدة 32 عامًا في وكالة "أونروا".

لكن مهلاً! فالمساعدة باتت قريبة. ألم يعد "جارد كوشنر"، صهر الرئيس ترامب ومانح السلام المقبل "صفقة القرن" للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، بحياة أفضل للطرف الخاسر؟
 
لقد وعد كوشنر بذلك بالفعل. فقبل شهر واحد تحديدًا، قال كوشنر "أنا أعتقد أن الفلسطينيين غير مهتمين بأحاديث السياسيين، فهم يدركون أن صفقة السلام ستمنحهم هم وأجيالهم المقبلة فرصًا جديدة ووظائف ذات أجور أفضل وآفاقًا لحياة أفضل". لقد ذكرتُ سابقًا أن هذا يعني النقود مقابل السلام بدلاً من الأرض مقابل السلام- الدولارات بدلاً من عاصمة فلسطينية في القدس وإنهاء الاستيطان اليهودي و "حق العودة"، وهلم جرا. هذا حل "ترامبي" بامتياز.  

لكن استرجاع شريط الأحداث الزمنية يجعل "الصفقة" أكثر سخرية. في البداية، يمنح ترامب القدس للإسرائيليين. وبعد أن يتجرأ الفلسطينيون على الشكوى، يقطع عنهم مساعداتهم الإنسانية ويدفعهم لليأس. بعد ذلك، وبفضل صهره الشاب "جارد كوشنر"، يعرض ترامب على الفلسطينيين أموالاً لا حصر لها في إطار "الصفقة الكبرى" في حال تخليهم عن مطالبهم المفرطة وغير العقلانية والمعادية للسامية والعنصرية بإقامة دولتهم واحترام كرامتهم وإنهاء الاستيطان.  

قد تكون قلوبهم خاوية، لكن بطونهم ستكون ممتلئة. قد تموت آمالهم، لكن ستتحسن أوضاعهم المالية. بدلاً من الكآبة والعنف اللذين تسبب فيهما زعماؤهم السياسيون الفاسدون الذين لا يستطيعون دفع رواتب شعبهم أو إطعامه، يستطيع الفلسطينيون أن يمشوا باعتزاز بفضل حصولهم على "فرص جديدة... ووظائف ذات أجر مرتفع وآفاق لحياة أفضل".

وبفضل كل تلك المغريات المادية، لن تكون هناك حاجة لوكالة "أونروا"، أليس كذلك؟ لأنه لن يكون هناك المزيد من اللاجئين الفلسطينيين الفقراء. لأن اللاجئين سيكونون ميسوري الحال، أو حتى أثرياء، بفضل الوظائف ذات الأجر المرتفع و "الفرص". وداعًا للقمامة في غزة. وداعًا لكل التهديدات ضد إسرائيل. ونظرًا لأن تلك المساعدة المالية ستتوفر أيضا للفلسطينيين في الضفة الغربية، لماذا يهتم سكان الضفة بعد اليوم بالحملة الإسرائيلية الهادفة لسرقة أراضيهم؟

من المستحيل إخفاء تلك المعادلة. إذا اعترض الفلسطينيون على تدمير طموحاتهم السياسية -رفضوا "الانخراط في محادثات السلام" حسب اللغة البذيئة التي يستخدمها الأمريكيون والإسرائيليون - فسيتم إفقارهم بشكل متعمّد. إذ قال ترامب: "ما دام الفلسطينيون غير مستعدين للانخراط في محادثات السلام، لماذا ينبغي علينا أن نسدد لهم أيًّا من هذه الدفعات الضخمة في المستقبل؟".

إن أكثر من نصف سكان غزة البالغ عددهم مليونَي نسمة، يعتمدون على مساعدات وكالة "أونروا"، كما تبلغ نسبة البطالة في القطاع 44 بالمائة. إن القضية الفلسطينية - كما قال لي موظف في وكالة أونروا- يجب أن تتحول إلى قضية إنسانية. حينها، سيكون السلام اقتصاديًا وليس سياسيًا.

إن السعوديين والإماراتيين والمصريين يجري دفعهم دفعًا للمشاركة في هذه الطفرة الاقتصادية الجديدة. إذ تدفع أبو ظبي أموال محطات الكهرباء، ويقيم المصريون متاجر معفاة من الجمارك في رفح، ويشتري السعوديون أسهمًا في الشركات الفلسطينية. قد تكون هذه مجرد أحلام، لكنها ستكون أمرًا مناسبًا للجماهير الفلسطينية.  

إن هذه الخطط تشبه، بطريقة ما، التخيلات القديمة بإقامة "دبي" أخرى في الضفة الغربية و"سنغافورة" أخرى في غزة، والتي تبناها "شيمون بيريز" في الماضي، وألمح إليها وزير الخارجية الأمريكي المأسوف عليه "جون كيري". مَن منا يتذكر "خطة فلسطين" الاقتصادية المنسية البالغ حجمها أربعة مليارات دولار، والتي اقترحها ذلك الوزير أثناء المنتدى الاقتصادي العالمي منذ ما يزيد على خمس سنوات مضت؟ لقد أُخبر الرئيس العجوز "عباس" حينها، أيضًا، بأنه "يجب" عليه إعادة بدء المفاوضات مع إسرائيل، حينها تحدّث كيري بغموض عن "خطة رائدة لتطوير اقتصاد فلسطيني قوي ومستدام يقوده القطاع الخاص... وهو ما يعدّ أمرًا أكبر وأكثر طموحًا من أي شيء جرى اقتراحه منذ اتفاقيات أوسلو التي عُقدت منذ 20 سنة مضت". لكن كيري حينها على أقل تقدير كان يعرض إنشاء دولة فلسطينية مقابل امتثال عباس.

مع ذلك، فإن "صفقة القرن" التي يروّج لها ترامب اليوم ليس بها أي شيء "رائد"، باستثناء مواصلة وضع حجر الأساس لمستوطنات يهودية جديدة فوق تلال الضفة الغربية. لكنني أظن أنه لو كان الفلسطينيون أقل جوعًا وأفضل حالاً من ناحية التغذية ويملكون وظائف "وآفاقًا" أفضل للمستقبل، ولا يخيّم عليهم شبح وكالة "أونروا"، فإنهم سيكونون قادرين على تخيّل مدى سوء وضعهم في حال امتلاكهم لدولتهم ولحدودهم وأمنهم وللقدس الشرقية وزوال المستوطنات الإسرائيلية من على أراضيهم المحتلة.   

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق