فورين بوليسي | إعادة ضبط.. كيف سيستعد العالم لمرحلة ما بعد ترامب؟


١٤ سبتمبر ٢٠١٨ - ٠٩:٢١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح




لقد أدّت الطريقة المتعجرفة والفاسدة والمزاجية التي يتعامل بها الرئيس ترامب مع السياسة الخارجية، إلى حدوث العديد من العواقب المؤسفة، من بينها تثبيط التفكير الحصيف بشأن جدول الأعمال العالمي. الأسوأ من ذلك، أن طريقة تعامله مع السياسة الخارجية تقوّض بصورة تدريجية من القدرة المؤسساتية التي ستحتاجها الولايات المتحدة للتعامل مع قضايا العالم.

إن الأشخاص الأكثر قلقا بشأن تصرفات ترامب (وأنا من بين هؤلاء الأشخاص) يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم لرص الصفوف وتقليل الضرر الذي تسبب فيه ترامب واتباعه أثناء فترة حكمهم. إن هؤلاء الأشخاص هم مثل أبوين يحاولان بشكل محموم السيطرة على طفل هائج يعيث فسادًا في محل خزف: كل الاهتمام منصبّ على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأواني الفخارية، ولا يملك أحد الوقت للتفكير بشأن ما سيفعلونه بمجرد انتهاء الطفل من تحطيم تلك الأشياء.

من المفهوم أن الناس باتوا محصورين في وضعية رد الفعل، لأن عبقرية ترامب تتمثل في قدرته على جعل كل شيء تقريبا يدور حول شخصه، وقدرته على تركيز الاهتمام على آخر تصرفاته الشنيعة. هل سبق أن جعل رئيس أمريكي سابق نفسه مركز الاهتمام عند موت عضو مجلس شيوخ، أو هل سبق أن عبّر رئيس أمريكي سابق عن اختلافه في الرأي مع زعيم بارز لبلد حليف عبر إلقاء قطعة حلوى عليه؟

ربما يكون ترامب فاشلا في إدارة الحكومة، لكن قدرته على لفت لأنظار إليه عبر سلوكه البشع، يجعل المغنية "مادونا" تبدو مجرد هاوية.
مع ذلك، يجب علينا مقاومة الرغبة في البقاء في موقف دفاعي تجاه ترامب. نعم، هناك الكثير من الضرر الذي يتسبب فيه ترامب هذه الأيام، كما أن مقاومة أسوأ نزوات ترامب هي أمر مهم. لكن هناك الكثير من المشاكل التي ستتطلب اهتمامًا في المستقبل القريب. ستكون هناك حاجة للتفكير المتأني والإبداعي لمعرفة الوجهة المناسبة، ومن ثم رسم طريق للوصول إلى هناك. لهذا فإن الوقت قد حان لكي يبدأ خبراء السياسة الخارجية التفكير بشأن عالم ما بعد ترامب، والهدف لا يعني ببساطة إرجاع الوضع الذي كان قائما قبل وصول ترامب للرئاسة، ولكن التوصل إلى ترتيبات تعترف بالوقائع الجديدة على الأرض، وتكون مناسبة للظروف التي سنواجهها في المستقبل.

لا شك أن كل منكم لديه قائمته الخاصة من الأولويات، لكن إذا كان لهذا قيمة، إليكم قائمة بأولوياتي:
1-هيكل سياسات القوى العظمى
عندما خاض "بيل كلينتون" انتخابات عام 1992، أعلن حينها أن "الحسابات المتشائمة الخاصة بسياسات القوة لم تعد ببساطة مجدية. وهي غير مناسبة للعهد الجديد". كان كلينتون حينها يعبّر عن وجهة نظر شائعة مفادها أن الإنسانية قد بلغت منعطفًا مهمًا في نهاية الحرب الباردة، وأن المنطق القديم المتعلق بالتنافس بين القوى العظمى بات الآن خلف ظهورنا. لكنه كان مخطئا، إذ عادت سياسات القوى العظمى مجددا وبقوة.

لكن شكل هذا التنافس وقوته مازال أمرًا غير معروف، كما أن طبيعة العلاقات بين القوى العظمى الحالية يجب تشكيلها عبر تحرك دبلوماسي بعيد النظر. هل ستنفصل الولايات المتحدة وتترك أوربا وآسيا تسلكان دربهما الخاص بهما؟ هل ستتحالف الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو واليابان مع دول أخر بغرض احتواء روسيا والصين وشركائهما الإقليميين الآخرين؟ هل ينبغي على الولايات المتحدة بذل جهد مركّز لدقّ إسفين بين موسكو وبكين، ربما عبر محاولة التوصل لاتفاق بشأن أوكرانيا والترويج لهيكل أمني لأوروبا وروسيا يقلل من مخاوف الطرفين تجاه بعضهما؟ أين سيكون موقع بلدان مثل الهند وسط تلك القوى العظمى، وما الموقع الذي ترغب الولايات المتحدة أن تكون الهند فيه؟
 
من الجيد أن نصاب بالهوس بشأن "إنقاذ الناتو" أو "الحفاظ على النظام الليبرالي"، لكن هذه الأهداف قصيرة المدى القائمة على ردّ الفعل، لا تلغي الحاجة إلى التفكير جديّا بشأن الشكل الذي يجب أن تكون عليه علاقات القوى العظمى في العقود القادمة. في اللحظات المهمة في تاريخ العالم- مثل الأحداث التي وقعت في الأعوام 1815، و 1870، و 1919، و 1945، و 1993- كان على قادة القوى العظمى تخيّل ثم بعد ذلك محاولة تطبيق رؤى سياسات القوى العظمى المصممة للحفاظ على المصالح المهمة لتلك الدول، من دون اللجوء للقوة العسكرية. لقد نجح هؤلاء القادة في بعض الأحيان، لكن في لحظات أخرى مهمة، فشلوا فشلا ذريعًا. إن المشكلة لا يمكن تفاديها، لكن من المحتمل أن نحصل في نهاية المطاف على ترتيبات مناسبة لنا، وذلك في حال بدأنا التفكير في الاحتمالات منذ الآن.

2-فضاء إليكتروني جديد وشجاع:
أنا أول مَن يعترف بأنني لم أتوقع مدى قدرة الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي، والأوجه الأخرى للفضاء السيبراني، على تشكيل السياسات الدولية والمحلية. بالتأكيد، كان هناك الكثير من المبالغة والتهويل بشأن الأمن السيبراني والحرب السيبرانية وأي شيء متعلق بالفضاء السيبراني، لكن في العام 2018، من المستحيل إنكار أن تلك القضايا باتت تؤثر علينا جميعا تأثيرًا كبيرًا. في الواقع، فإن حتى مجرد الاشتباه في وجود أشخاص أشرار يستخدمون الإنترنت للتدخل في الوضع السياسي، يمكن أن يكون له تأثير لوحده.

لكن، بدلاً من التحرك بحماسة لمعالجة هذه القضايا، أقال ترامب منسق الأمن السيبراني في البيت الأبيض، وقام بإلغاء ذلك المنصب، نافيًا بشكل متكرر فكرة تدخل أي طرف في انتخابات عام 2018، كما نشر ترامب تغريدة يتهم فيها موقع "جوجل" بالانحياز ضده. بدلاً من تطوير سياسة أمريكية متماسكة، ومحاولة التوصل لقواعد سلوك دولية يمكن أن تخفف من أثر هذه المشاكل، يعمل ترامب على التنصل من هذه المشكلة.

لكن هل يعتقد أحد أن تلك القضايا ستختفي من تلقاء نفسها؟ بالطبع لا. هذا يعني أن المزيد من الأشخاص ذوي الرؤية الثاقبة سيكونون مضطرين للبدء في تطوير سياسات تهدف للمحافظة على مكاسب الثورة الرقمية، وحمايتنا في الوقت ذاته من جوانبها السلبية.

3-مؤسسات جديدة للاقتصاد العالمي
بات من الواضح الآن أن العولمة الحديثة لم تحقق نتائج إيجابية لملايين الناس كما كان متوقعًا- لكنها حققت فوائد مهمة للطبقة المتوسطة في آسيا والنخبة التي تمثل واحد بالمائة من العالم- كما أن المؤسسات الرئيسية التي جرى إنشاؤها لإدارة التجارة والاستثمار العالمي، تتطلب إعادة تفكير جدية. وهذا يُعزى جزئيا إلى فشل بعض البلدان (الصين، مثلا) في الالتزام ببعض القواعد، رغم أنه ليس هناك دولة لديها سجل مثالي، كما يُعزى أيضا إلى أن العولمة المنفلتة لم تسمح للدول الفردية بوضع ترتيبات مناسبة تدعم أولوياتها الوطنية والثقافية المهمة.

هذا ليس مجال اختصاصي، ولن أقدّم نصائح مفصّلة بشأن ما ينبغي فعله. لكنني أجد أن حجج زميلي "داني رودريك" مقنعة، حيث أنه يدعو لمنح الدول الأخرى استقلالاً أكبر داخل النظام الاستثماري والتجاري العالمي، حتى لا تؤدي مشاركتها في هذا النظام إلى حدوث تفكك اجتماعي مؤلم داخلها. لهذا، قد تكون هناك حاجة لتحجيم العولمة، لكن تحجيم العولمة لا يعني القضاء عليها تماما.

كل ما أستطيع قوله، إن نهج إدارة ترامب تجاه هذه القضايا تمثل في استخدام النفوذ لاقتصادي الأمريكي لإجبار هذه الدول على تقديم تنازلات اقتصادية محدودة، يستطيع ترامب التسويق لها باعتبارها صفقات تجارية جديدة "رائعة" تتوافق مع وعوده التي أطلقها في انتخابات 2016.

هذا ما حدث مع كوريا الجنوبية وما يبدو أنه يحدث مع قضية اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية (نافتا). لكن ما ينقصنا الآن، حتى وقتنا هذا على الأقل، هو محاولة تطوير مجموعة أكبر من المؤسسات والترتيبات التي تحفظ العناصر المعزِزة للثروة في التجارة الحرة، والتي تجنّبنا أيضا التكاليف الباهظة للحروب التجارية والاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن العولمة المتوحشة.

4-أين يتجه الشرق الأوسط؟
لو كان هيكل سياسات القوى العظمى غير مؤكد الآن ويتطلب دبلوماسية مبدعة للتكيّف معه ولتشكيله، فإن الوضع في الشرق الأوسط المضطرب يحتاج إلى جهد مضاعف. حتى الآن، بذلت إدارة ترامب جهدًا مضاعفًا في دعم شركاء أمريكا القدماء في الشرق الأوسط:، بالإضافة إلى زيادة ترامب الضغط على خصم أمريكا البغيض والدائم، إيران. كما انخرط ترامب أيضا في خلاف بغيض مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، لكن أردوغان على الأقل، شخص سريع الغضب ويبحث بصورة يائسة عن كبش فداء مثل ترامب تماما، وقد يجادل بعض الساخرين أن هذين الزعيمين يستحقان بعضهما.

بالرغم من أنه من الممكن أن يحقق مستشار الأمن القومي "جون بولتون" حلمه القديم المتمثل في شن حرب على إيران، إلا أن السؤال الأكبر هو كيف سيكون شكل الدور الامريكي في المنطقة على المدى الطويل، وكيف ستتعامل أمريكا مع المشاكل التي ستطالها في نهاية المطاف؟

على سبيل المثال، دعم الرؤساء السابقون، كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما، بشكل واضح حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين، وحاول كل منهم تحقيق هذا الحل بطريقته الخاصة غير الفعّالة. لكن حل الدولتين اليوم يلفظ أنفاسه الأخيرة، إن لم يكن قد مات بالفعل، وهو ما يثير السؤال الواضح: لو كان "حل الدولتين لشعبين" مستحيلاً، فما الحل الذي تدعمه الولايات المتحدة؟ هل تؤمن الولايات المتحدة بأنه ينبغي أن تصبح إسرائيل دول واحدة ديمقراطية، تمنح حقوقا سياسة كاملة لكل سكانها، بمن فيهم الفلسطينيون الخاضعون الآن لسيطرة إسرائيلية صارمة، والمحرومون من حقوقهم السياسية؟ هل يؤمن الأمريكيون بأنه ينبغي إبقاء الفلسطينيين في حالة استعباد دائمة (أي يخضعون لتمييز عنصري)؟ هل تؤيد الولايات المتحدة طرد إسرائيل لهؤلاء الفلسطينيين إلى دولة اخرى؟ لا يرغب أحد حقا في التفكير في هذه الأسئلة المحرجة، لكن خلفاء ترامب سيواجهون تلك الأسئلة. ولعل من المستحسن البدء الآن في صياغة ردّ عليها.

ما سبق هو مجرد قضية واحدة. فالولايات المتحدة سيتعيّن عليها أيضا تحديد ما إذا كانت ترغب في مواصلة جهودها (الفاشلة في معظمها) لتحديد شكل السياسات المحلية في عموم المنطقة، أو الرجوع مجددا إلى استراتيجية " تحقيق التوازن من الخارج" التي استخدمتها هناك من عام 1945 وحتى عام 1991 تقريبا؟ هل يجب أن تسعى الولايات المتحدة للتوصل لتسوية مؤقتة مع إيران، أو تواصل التمسك بنهج تغيير النظام؟ كما بجدر بنا التساؤل عما إذا كان الشرق الأوسط ما يزال منطقة حيوية كما كان في السابق، وذلك بالنظر إلى ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة، وضرورة الحدّ من استهلاك الوقود الحفري، والأهمية الاستراتيجية المتصاعدة لقارة آسيا؟

5-إعادة بناء القدرات والخبرات في مجال السياسة الخارجية
لسوء الحظ، ستواجه الولايات المتحدة كل هذه المشاكل مستعينة بقدرات سياسة خارجية مستنزفة استنزافًا شديدًا. إن المتاعب التي تعاني منها وزارة الخارجية معروفة جيدا، لكن معدل تغيير مساعدي ترامب البارزين كان مرتفعًا بشكل استثنائي، كما أن هناك تآكل عام في مستوى التجارب والخبرات غير الحزبية داخل الإدارة. كما أن هجمات ترامب المتكررة على وكالات الاستخبارات ومساعيه لتسييس الخدمة المدنية لا تساعد في تحسين الوضع أيضا.

وبناء على هذا، فإن التخطيط لعالم ما بعد ترامب سيتطلب أيضا جهدًا مركّزا لإعادة بناء القدرات المؤسساتية والإدارية من أجل إجراء سياسة خارجية فعّالة. إن تأسيس خدمة مدنية وسلك دبلوماسي محترف، هو أمر مهم لنظام دولة مثل الولايات المتحدة، لأن العديد من الوظائف المهمة يجري استبدالها كلما جرى انتخاب رئيس جديد، كما أن عملية ترشيح المسؤولين الرفيعين وتأكيد تعيينهم يستغرق أشهرًا إن لم يكن سنوات. علاوة على ذلك، يبقى الكثير من هؤلاء المسؤولين في مناصبهم لسنة واحدة أو سنتين فقط، ما يخلق المزيد من الفوضى داخل الحكومة. ضف إلى ذلك الممارسة الغريبة الموجودة في أمريكا والتي يُسمح بموجبها للمتبرعين الكبار في الحملات الانتخابية بالعمل في مواقع دبلوماسية أو إدارية مهمة، وهو ما يعتبر وصفة مثالية للمشاكل.

إن هذه المشكلة لن تكون بهذه الخطورة لو تبنّت الولايات المتحدة أهدافا متواضعة في سياساتها الخارجية. وبدلاً من ذلك، تحاول أمريكا إدارة العالم عبر منظومة ربما تكون الأسوأ تنظيما والأكثر اختلالاً. وبناء على ذلك، يجب على الوطنيين أصحاب النظرة البعيدة أن يبدأوا في التخطيط لكيفية استعادة الخبرة والقدرة التحليلية والمحاسبة الآن، حتى يمكن لهذه العملية أن تنطلق بسرعة عقب رحيل ترامب.
إن القائمة التي عرضناها هنا بعيدة عن الاكتمال، ومن السهل التفكير في قضايا أخرى (مثل التغير المناخي وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والهجرة، إلخ..) ستحتاج إلى تفكير إبداعي. لكن نقطتي الأساسية تبقى كما هي: المحافظة على الوضع القائم في مواجهة سياسة ترامب التخريبية ليس كافيًا. وبدلاً عن اتخاذ موقف المدافع، يجب على منتقدي ترامب أن يبدأوا في التفكير في الأهداف الإيجابية التي ينوون تحقيقها بعد مغادرته المشهد السياسي.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق