ترجمات | ما الذي يساعد الفقراء حقًا؟


٢٤ سبتمبر ٢٠١٨ - ١٢:٢٣ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
المصدر: Aeon Website

منذ ستة أعوام، أخبرتني امرأة من ريف كينيا بقصتها. في كل ليلة عندما تُمطر السماء، كانت تضطر لنقل أطفالها إلى كوخ أحد جيرانها - كوخ مجهّز بسقف معدني، مقارنة بسقف منزلها الراشح المصنوع من القش. لكن عندما أرسلت منظمة GiveDirectly لها مبلغًا ماليًا قدره 1000 دولار، اشترت سقفًا، وبات الآن بإمكان أسرتها أن تبيت ليلة كاملة في المنزل. بعد مرور سنوات، مازالت أتذكر وأنا جالسة معها في كوخها، وأنا أقول لنفسي: ليتني كنت أملك المزيد من المال، حتى أستطيع مساعدة عشرات الأسر من أمثالها!

إن لقائي بتلك المرأة وآخرين غيرها في قريتها، كان له تأثير عاطفي عليّ، لكن ما أدهشني كان أيضًا ثقل الأدلة الصادرة عن الدارسات البحثية. إذ خضعت التحويلات المالية بمختلف أنواعها للدراسة عبر ما يُعرف بـ "التجارب العشوائية المضبوطة" في العديد من البلدان ذات الدخل المتدني، وقد أظهرت هذه الدراسات وجود تأثيرات إيجابية ثابتة في مجالي الصحة والتعليم. وخلافًا لمخاوف المانحين في الماضي، هناك أدلة متزايدة بأن الناس يشترون سلعًا أساسية، ولا ينفقون المال على أشياء مثل السجائر والكحول.

هناك حقيقة مذهلة بشأن هذه الدراسات: كلها دراسات حديثة نسبيًا. إن هذا النوع من الأبحاث الخاصة بكيفية مساعدة الناس في البلدان ذات الدخل المنخفض، وذلك عبر "البرامج المتناهية الصغر" قد انتشر انتشارًا واسعًا في العِقدين الماضيين. إن هذا الارتفاع الكبير في أعداد الدراسات، أعقبه نقاش مذهل وحاسم بشأن قيمة هذه النوع من الأدلة.

قبل عام 2000، كان من الشائع أن يبحث خبراء الاقتصاد الذين يدرسون التنمية الاقتصادية الدولية في القضايا "الكليّة"، بدلاً من دراسة البرامج "متناهية الصغر" لمكافحة الفقر. على سبيل المثال، كان الخبراء يبحثون في مجموعات البيانات ويقارنون العديد من العوامل في البلدان المختلفة، موجهين أسئلة بشأن كيف تطورت البلدان الغنية اقتصاديًا، بينما بقت الدول الأخرى فقيرة. لكن بداية من أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، بدأ خبراء اقتصاديون، من بينهم "إستر دوفلو" و"أبهجيت بانيرجي" في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا، ومايكل كيرمير في جامعة هارفارد، بدأوا في المجادلة بأن هناك حاجة لمنهج آخر. في كتابهما " Poor Economics" الصادر عام 2011، يوضح دوفلو وبانيرجي أنه بدلاً من دراسة الأسباب الأساسية للفقر، أو مدى فاعلية المساعدات عمومًا، كان سؤالهم كما يلي: "هل نعرف طرقًا فعالة لمساعدة الفقراء؟".

لقد دفع هذا النهج الخبيرين وزملاءهما لطرح أسئلة بشأن البرامج متناهية الصغر، مثل: هل ينبغي علينا توزيع ناموسيات مجانية لمكافحة الملاريا، أو هل سيستخدم الناس هذه الناموسيات بصورة أقل في حال حصولهم عليها مجانًا مقابل حصولهم عليها نظير دفع أموال؟ (أظهرت دراسة عشوائية أن إعطاءهم تلك الناموسيات مجانًا في كينيا لم يقلل من استخدامهم لها). هل منح قروض صغيرة (التمويل متناهي الصغر) انتشل الناس من الفقر عبر السماح لهم ببدء مشاريع تجارية؟ (أظهرت مجموعة مكوّنة من ست تجارب عشوائية مضبوطة في ست دول عدم وجود دليل يثبت أن تلك القروض زادت من دخول الناس بشكل عام، لكن ربما كان لتلك القروض آثار مفيدة أخرى) ما التأثيرات طويلة الأمد لمنح حبوب إزالة الديدان للأطفال على نسبة حضور التلاميذ في المدارس، وعلى الدخل المالي في مراحل العمر المتأخرة؟ (أظهرت تجربة عشوائية مضبوطة طويلة الأمد في كينيا وجود تأثيرات إيجابية على هذين الأمرين، غير ان هذه الدراسة أثارت أيضًا الكثير من النقاش".

ولتوضيح الصورة لكم: تعمل التجارب العشوائية المضبوطة عبر اختيار مجموعة من الناس بصورة عشوائية للمشاركة في البرنامج (مجموعة "المعالجة") ومقارنة نتائجهم مع مجموعة أخرى جرى اختيارها بعشوائية (مجموعة "التحكم"). على النقيض من ذلك، تستخدم الدراسات "الرصدية" بيانات موجودة، من دون إجراء تدخل (أي من دون إدراج أشخاص في دراسة). من الممكن أيضًا استخدام أساليب أخرى هدفها التدخل وعدم الاكتفاء بالمراقبة فقط، مثل دراسات "الفرق في الفرق" التي تقارن بين مجموعات المعالجة والتحكم التي جرى اختيارها بصورة غير عشوائية قبل وبعد البرنامج.

لكن استخدام هذه الأساليب الأخرى يثير أسئلة صعبة بشأن الارتباط مقابل العلاقة السببية. على سبيل المثال، قد يقارن المرء صحة الناس الذين يتناولون طعام "التوفو" بصحة الناس الذين لم يتناولوا هذه الحلوى قط. لكن ما أوجه الاختلاف بين هاتين المجموعتين؟ ربما يتناول آكلو "التوفو" أيضًا الخضروات على نحو أكثر تواترًا. ربما لأنهم يمارسون تمارين رياضية أكثر. لذا، حتى لو كانوا أكثر صحة، فسيكون الباحث بحاجة إلى "ضبط" هذه الفروق بصورة إحصائية - وماذا لو كانت هناك فروق لم يفكروا فيها أو غير قادرين على قياسها؟
   
في عام 2010، أصبحتُ مفتونة بالتجارب العشوائية المضبوطة. لقد شعرت بالإحباط بسبب نقص الأدلة خلال مغامرات الأولى في عالم المنظمات غير الربحية. وبصفتي معلمة لمراهق في الرعاية الحضانية، أصابني الفزع عندما علمت أن نسبة هائلة من الأطفال الذين "يكبرون في السن ويتجاوزون" نظام الرعاية الحضانية (أغلب الأحيان في سن الثامنة عشرة) يصبحون مشردين خلال 18 شهرًا. لقد تدرّبت في منظمتين غير ربحيتين تعاملتا مع الجمهور، لكن يبدو أن المنظمتين لم تعرفا الكثير- أو لم تهتما حقًا لمعرفة -  بشأن فاعلية عملهما. كنت حينها طالبة دراسات عليا في الفلسفة، وكنت متخصصة في مواضيع مرتبطة بالتشكك، وقد انخرطت في التجارب العشوائية المضبوطة بوصفها سبيلاً للحصول على معرفة موثوق بها بشأن كيفية مساعدة الناس.

قررت مغادرة مجال الفلسفة الأكاديمية، بعد أن وجدت أن اهتماماتي تتناسب تمامًا مع وظيفة في منظمة GiveWell، وهي منظمة أمريكية غير ربحية اعتمدت على التجارب العشوائية المضبوطة (لكن ليس بصورة حصرية) للحصول على أدلة بشأن مسألة الفاعلية. في الأيام الأولى التي عملت فيها لحساب تلك المنظمة، أجريت بحثًا بشأن منظمة Cochrane، وهي منظمة غير ربحية تقوم بتوليف التجارب العشوائية المضبوطة وتحويلها إلى تحليلات تجميعية. وقد ذُهلت بحقيقة أن عددًا قليلاً فقط من الناس سمع بشأن استعراضات منظمة Cochrane المنهجية.

لقد أجرت منظمة Innovations For Poverty action العديد من التجارب العشوائية المضبوطة في بلدان ذات دخلٍ متدنٍّ، وهي منظمة أمريكية ذهبتُ للعمل فيها بعد مغادرتي منظمة GiveWell. وهذه المنظمة هي من بين المنظمات التي تدفع باتجاه تبنّي نهج التجارب العشوائية المضبوطة في مجال اقتصاديات التنمية. 
 
لقد وصف العديد من الأشخاص من داخل وخارج المجال هذا الارتفاع في استخدام التجارب العشوائية المضبوطة بأن له تأثيرًا إيجابيًّا كبيرًا. وفي بعض الأحيان، مدح البعض هذه التجارب باعتبارها ثورية، من بين هؤلاء على سبيل المثال، السياسي وخبير الاقتصاد الأسترالي" أندرو لي" في كتابه Randomista: How Radical Researchers are Changing Our World الصادر عام 2018.

لقد تطوّرت نظرتي بشأن نهج التجارب العشوائية المضبوطة عبر الزمن، من مرحلة الحماسة الكبيرة إلى مرحلة الشعور الإيجابي العام، بالرغم ما يحيط هذا النهج من تحفظات وأسئلة غير مُجابة. تدريجيًا، وعبر انخراطي مع هذه المجموعات، أصبحت واعية بالانتقادات الموجهة لنهج التجارب العشوائية المضبوطة. في بعض الحالات، كان هذا الوعي مرتبطًا بحالة محددة. على سبيل المثال، عندما شاركت في كتابة تقرير عن وسائل الإعلام ودورها في التغيير الاجتماعي في عام 2012، وعند إشارتي في ذلك التقرير إلى نقص التجارب العشوائية المضبوطة، كتب بعض الباحثين البارزين ردودًا تعبّر عن وجهة نظر مفادها أنه ليس من الضروري أو الممكن إجراء تجارب عشوائية مضبوطة بدلاً من الاعتماد على أساليب دراسية أخرى للحصول على أدلة جيدة تثبت مدى تأثير تلك البرامج. وفي حالات أخرى، واجهت انتقادًا ذا صيغة أكثر عمومية - في العقد الماضي على الأقل، انتقدت "نانسي كارت رايت"، وهي فيلسوفة علوم في جامعة "درم" بالمملكة المتحدة، فكرة قدرتنا على معرفة "ما هو مُجدٍ" باستخدام التجارب العشوائية المضبوطة. وهي ترى أن هذه التجارب بسيطة للغاية.

تجادل نانسي كارت رايت، مع أنجوس ديتون الحاصل على جائزة نوبل للسلام، بأن الباحثين والمنظمات التي تجري التجارب العشوائية المضبوطة غالبًا ما يبالغون في تقدير قيمة تلك التجارب باعتبارها أدلة. وفي ورقة بحثية مشتركة، يقولان إن التجارب العشوائية المضبوطة هي مجرد أسلوب من بين أساليب عديدة يمكن أن تكون مفيدة، لكن لا يجب اعتبار تلك التجارب "المعيار الذهبي" للبحث. إن حجة هذين الشخصين بشأن سبب عدم تفضيل الأدلة الناتجة عن التجارب العشوائية المضبوطة مقارنة مع الأساليب البحثية الأخرى، تتركز على الصلاحية الخارجية. تجادل "كارت رايت" و"ديتون" بأن السياق للتدخلات الاجتماعية غالبًا ما يكون معقدًا للغاية، مع وجود الكثير من العوامل ذات الصلة التي يمكن أن تغيب بسهولة في سياق جديد. ويكتب البحاثان "العمليات العَرضية غالبًا ما تتطلب هياكل اقتصادية وثقافية أو اجتماعية شديدة التخصص لتمكينها من العمل". وبالتالي، لتطبيق النتائج بشكل يتجاوز السياق الأصلي، يجب أن يكون لدينا نظرية بشأن أي "العوامل المساعدة" تعتبر مهمة (أي عوامل إضافية تعمل إلى جانب العلاج للحصول على النتائج الملاحظة).

تشير "كارت رايت" و "ديتون" إلى أمثلة كان فيها برنامج ما ناجحًا وفقًا لتجربة عشوائية مضبوطة، لكن هذا البرنامج فشل عند إعادة تطبيقه في سياق مختلف. أحد الأمثلة على ذلك هو تجارب عشوائية مضبوطة في كينيا أظهرت أن درجات امتحان الطلاب زادت كثيرًا عندما عيّنت المدارس التي تديرها منظمات غير حكومية مدرسين إضافيين. مع ذلك، عند تطبيق تلك الدراسة بالطريقة ذاتها، لكن هذه المرة في مدرسة يعمل فيها مدرسون عيّنتهم الحكومة، لم تزد درجات الاختبار.

تخلص "كارت رايت" و "ديتون" إلى أنه من أجل جعل أدلة التجارب العشوائية المضبوطة مفيدة في السياقات الجديدة، فإنه يتعيّن على الباحثين وصُناع القرار محاولة فهم ليس فقط أن العلاج يعمل، لكن أيضًا لماذا يعمل. إن تطبيق أدلة التجارب العشوائية المضبوطة على سياق جديد يتطلب العديد من الافتراضات، يجادل الباحثان، ولهذا فإن الميزة المزعومة للتجارب العشوائية المضبوطة (أي أنها تتطلب عددًا قليلاً نسبيًا من الافتراضات) ليس في الواقع ميزة عندما يتعلق الأمر باستخدام الأدلة من أجل السياسة، والذي يتطلب غالبًا تطبيق الأدلة في أماكن خارج السياق الأصلي. هذا صحيح بالنسبة للسياقات الجديدة (مثل بلد جديد)، وأيضًا بالنسبة لتطبيق نتائج دراسة ما على شخص.

عندما يستمع المدافعون عن نهج التجارب العشوائية المضبوطة هذا النقد، فإنهم غالبًا ما يتساءلون لماذا يُوجه هذا الانتقاد نحو التجارب العشوائية المضبوطة، بدلاً من توجيهه نحو الدراسات البحثية بشكل عام؟

هناك نوع آخر من الشكوى بشأن الحركة المدافعة عن التجارب العشوائية المضبوطة، وهو يتمحور حول جدوى وأهمية التجارب العشوائية المضبوطة. ما مدى فائدة الأمور التي تدرسها التجارب العشوائية المضبوطة، مقابل الأمور التي يسهل دراستها بواسطة التجارب العشوائية المضبوطة؟ هناك تعبير مجازي يجري عادة الاستشهاد به، وهو الشخص الذي يبحث عن مفاتيح مفقودة تحت عامود إنارة الشارع: ربما تكون الرؤية في هذا المكان سهلة للغاية، لكن هذا لا يعني أن المفاتيح موجودة على الأرجح هناك. على سبيل المثال، ربما تعدّ عملية صنع القرار الحكومية في مجالات مثل التجارة والبتّ في حقوق الملكية مهمة للغاية لرفاهية الناس في بلد ما، مع ذلك، فإنه نادرًا ما يمكن إجراء تجربة عشوائية مضبوطة حول هذه السياسات والممارسات.

مؤخرًا، وقّع خمسة عشر أكاديميًا، من بينهم عدد من خبراء الاقتصاد، خطابًا في صحيفة الجارديان، يعبّرون فيه عن انتقادهم للحركة المدافعة عن التجارب العشوائية المضبوطة. وذكر هؤلاء في خطابهم ما يلي: "إن المشكلة الحقيقية في الهوس المتعلق بـ "فاعلية المساعدات" تكمن في أنه يحصر تركيزنا في التدخلات المتناهية الصغر على المستوى المحلي والتي تُثمر عن نتائج يمكن ملاحظتها على المدى القريب، ويجادل موقّعو الخطاب أنه بدلاً من التركيز على إجراء تجارب عشوائية مضبوطة لاختبار فاعلية المشاريع التنموية المتناهية الصغر المختلفة، والتي لا تفعل الكثير لتغيير الأنظمة التي تنتج المشاكل في المقام الأول، فإنه ينبغي علينا السعي لمعالجة الأسباب الأساسية للفقر وعدم المساواة والتغيير المناخي".

قد يردّ العديد من داعمي التجارب العشوائية المضبوطة بأن الأمر لا يجب أن يقوم على الاختيار بين إجراء التجارب العشوائية المضبوطة أو العمل على تغيير السياسات، وأنا أتفق معهم. تقول "روث ليفنين" مديرة برنامج التنمية العالمية والسكان في مؤسسة "Hewlett" في كاليفورنيا، إن النتائج الصادرة عن التجارب العشوائية المضبوطة بشأن سلوكيات الفرد والمجتمع يمكن أن تكون مفيدة للإجابة على تساؤلات مهمة بشأن الدوافع الهيكلية للفقر. وهي تعارض الفكرة القائلة بأن التجارب العشوائية المضبوطة تهدد بمزاحمة الأنواع الأخرى للأبحاث والبرامج، واصفة ذلك بغير الواقعي، نظرًا إلى أن أموال التنمية الرسمية والخاصة يتم إنفاقها على برامج لا تخضع ولن تخضع للتجارب العشوائية المضبوطة".

ليس هذا فحسب، فمن غير الواضح إذا كان المنتقدون مصيبين في قولهم إن البرامج متناهية الصغر لها تأثير ضئيل للغاية. إذ أن هناك دراسة في المكسيك بعنوان "The Progresa" (جرى إعادة تسميتها لاحقًا إلى Oportunidads) وقد دعمت تلك الدراسة أدلة بشأن برنامج للتحويلات النقدية المشروطة، والذي ساعد ملايين الأشخاص في ذلك البلد، وقد جرى اختبار وتطبيق البرنامج ذاته في العديد من الدول الأخرى ذات الدخل المتدني. 
 
إن الأمر الأكثر إزعاجًا بالنسبة لي في السنوات الثمانية منذ أن بدأت التفكير بشأن التجارب العشوائية المضبوطة، يتمحور حول الأبحاث بشكل عام. فقد كانت هناك العديد من المشاكل المحتملة في الدراسات البحثية، من بينها التجارب العشوائية المضبوطة والتي يمكن أن تبرز فجأة، ما يؤدي لتقويض قدرتنا على الاعتماد على هذه النتائج. تتمثل إحدى هذه المشاكل في التحيّز في النشر: الانحياز ناحية نشر النتائج الإيجابية وإهمال النتائج السلبية. هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن هذا الأمر لا يمثل مشكلة كبيرة في التجارب العشوائية المضبوطة مقارنة مع أساليب الدراسة الأخرى: تميل التجارب العشوائية المضبوطة في اقتصاديات التنمية لأن تكون مكلّفة ماليًا وتستغرق الكثير من الوقت، ويمكن للنتائج أن تكون مثيرة للاهتمام ويجري نشرها بغض النظر عن نتائجها. مع ذلك، يظل هذا الأمر مثيرًا للقلق.

هناك مشكلة أخرى كبيرة وهي البحث الانتقائي. في بعض المجالات مثل الطب، إذ تشترط المجلات العلمية على المؤلفين المحتملين إجراء "تسجيل مسبق" لدراساتهم على الإنترنت سلفًا، وتحديد النتائج التي يخططون لقياسها. الفكرة تتمثل في أنه لو كان هناك العديد من الأمور التي يجري قياسها، وكان بإمكان الباحثين انتقاء ما يحلو لهم لنشره لاحقًا، فمن السهل إيجاد ما يسمى نتيجة إيجابية يمكن أن تسبب ضجة إحصائية. هناك مثال واضح على ذلك: بعد أن اشترط "المعهد الأمريكي الوطني للقلب والرئة والدم" على الباحثين إجراء تسجيل مسبق لدراساتهم، انخفضت نسبة الدراسات التي توصلت لنتائج إيجابية من 57 بالمائة إلى 8 بالمائة. لكن في اقتصاديات التنمية، لا يزال من النادر نسبيًا القيام بإجراء تسجيل مسبق لنتائج الدراسة وخطة التحليل، وهناك جدل بشأن مدى صوابية تلك الفكرة في المقام الأول، كما يجادل بعض الباحثين بأن تحديد النتائج بشكل مسبق هو أمر مقيّد للغاية. هناك فكرة أخرى تتمثل في القبول بالورقة البحثية قبل الموعد المحدد، وقبل إجراء الدراسة، بناءً على أهميتها وتصميمها - لقد توسّع استخدام هذا النموذج "التقرير المسجل" في مجال علم النفس، وفي السنة الماضية، أعلنت مجلة "اقتصاديات التنمية" أنّها ستجرّب هذا النموذج أيضا. 

بالعودة إلى القرى التي توزع فيها منظمة GiveDirectly النقود في كينيا، سنجد الكثير من الأدلة التي تشير إلى التأثير الناتج عن منح تلك التحويلات النقدية. لكن لا تزال هناك الكثير من التساؤلات: تُجري منظمة Innovations For) (Poverty action تجربة عشوائية مضبوطة على تجربة الدخل الأساسي التي تقوم بها منظمة GiveDirectly، وتتمثل التجربة في إعطاء تحويلات نقدية شهرية للعائلات في أرياف كينيا لمدة 12 عامًا. ستلقي هذه التجربة ضوءًا كبيرًا على تأثيرات الدخل الأساسي في السياق الكيني. هناك بالفعل نقاش نقدي بشأن نهج التجارب العشوائية المضبوطة ذاتها، وبشأن التفاصيل الخاصة بكيفية إجراء تلك التجارب وتحليلها.

وبدلاً من النظر إلى تلك الانتقادات باعتبارها إشارة على وقوع خطأ ما، إلا أنني أرى أن هذا ما نحتاجه بالضبط - تمحيص وثيق ومتواصل بشأن تفاصيل تجارب عشوائية مضبوطة بعينها، وعقد نقاشات بشأن توقيت إجراء تجربة عشوائية مضبوطة مقابل استخدام نوع آخر من الوسائل البحثية، وعمل موازنة بين حجم الاستثمارات التي يتعيّن توجيهها نحو الوسائل المتناهية الصغر في مقابل الوسائل الكليّة الهادفة لمساعدة الناس. وكما تعلمت خلال السنوات الماضية، فإننا لا يمكننا الإجابة على هذه التساؤلات. لكن لا يمكننا التوقف عن المحاولة.   

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية أفريقيا

اضف تعليق