اتقاقيات أوسلو بعد خمسة وعشرين عامًا.. هل يُكرر ترامب نفس الإخفاقات؟


٠٦ أكتوبر ٢٠١٨ - ١١:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

في الثالث عشر من سبتمبر عام 1993، أشرف الرئيس بيل كلينتون على واحدة من أهم المصافحات في التاريخ الحديث. لقد جرى الترحيب بالمصافحة التي حدثت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي "إسحاق رابين" ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية "ياسر عرفات" في حديقة البيت الأبيض باعتبارها نجاحًا سياسيًا سيكون فاتحة خير لفجر جديد للشرق الأوسط. الآن، وبعد مرور خمسة وعشرين عامًا على اتفاق "إعلان المبادئ"- المعروفة أيضًا باسم اتفاقيات أوسلو- يبدو أن فرص السلام باتت بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى. إن الإدارة الأمريكية الحالية لديها القدرة على استخدام الوسائل الدبلوماسية، التي تتمتع بها بوصفها طرفًا ثالثًا قويًا، لإعادة إطلاق عملية السلام. وللقيام بذلك، يتوجّب على الرئيس دونالد ترامب الانتباه لأهم بنود تلك الاتفاقيات.

إن اتفاقيات أوسلو، وهي سلسلة من الاتفاقيات المؤقتة جرى التوصل إليها في الفترة ما بين 1993 و 1999، هي نتاج مفاوضات إسرائيلية-فلسطينية سرية بوساطة نرويجية، وهي تحظى باعتراف منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. ووفقًا لـ "إعلان المبادئ" عام 1993 والذي ينصّ على ترتيبات مؤقتة للحكم الذاتي، التزمت الحكومة الإسرائيلية ومسئولو منظمة التحرير الفلسطينية بجدول زمني مدته خمسة أعوام لإقامة حكم ذاتي فلسطيني محدود في بعض أجزاء الضفة الغربية وقطاع غزة اللذَيْن تحتلهما إسرائيل. وبالرغم من أن اتفاقيات أوسلو منحت السلطة الفلسطينية حُكمًا ذاتيًا جزئيًا في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، غير أنها لم تنهِ الاحتلال الإسرائيلي. كما أنها لم توقف بناء المستوطنات الإسرائيلية في الدولة الفلسطينية المفترضة: زاد عدد المستوطنين من 250 ألف في عام 1993 إلى 600 ألف مستوطن اليوم.

ويُلقي منتقدو تلك الاتفاقيات باللوم على الصفة "المؤقتة" لتلك الاتفاقيات كسبب في فشلها. لقد شدّد اتفاق "إعلان المبادئ" عبر بنيته القانونية على إجراءات بناء الثقة وحسن النية بين طرفي الاتفاق، وهو ما يقود في نهاية المطاف للتوصل لاتفاق الوضع النهائي. لقد أجّلت تلك العملية، المعروفة بـ "الغموض البناء"، النقاش بشأن القضايا الأكثر إثار للجدل في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: وضع القدس، واللاجئون الفلسطينيون، والحدود المستقبلية، والترتيبات الأمنية. لكن، من الناحية الجوهرية، كان التفاوت في ميزان القوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو العامل الاساسي لعدم تنفيذ الاتفاق. إن النرويج، التي لعبت دور الوسيط الصغير، لم تفشل في مواجهة اختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل فحسب، لكنها حافظت على ذلك الاختلال وأعادت إنتاجه أيضًا. وقد أتى كل هذا على حساب الفلسطينيين، الذين كانوا مستعدين لتقديم تنازلات مهمة لتفادي المزيد من التهميش لمنظمة التحرير الفلسطينية وقضيتها.  

وبالرغم من امتلاك الولايات المتحدة للعصا والجزرة التي تمكّنها من تعديل هذا الاختلال في ميزان القوى، بيد أن ترامب فشل في التصدّي لهذا الاختلال بشكل مناسب. في الواقع، وبتوجيه من ترامب، قدّمت الولايات المتحدة بشكل متواصل مبادرات سياسية منحازة لإسرائيل، أدّت بصورة فعلية لتنفير السلطة الفلسطينية، والتقليل من شأن القضايا الجوهرية المنصوص عليها في اتفاقيات عام 1993. وبهدف إرضاء قاعدته الشعبية الإنجيلية وأجندة السفير الأمريكي في إسرائيل "ديفيد فريدمان"، اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في مطلع ديسمبر 2017، مقوّضًا بذلك سياسة خارجية أمريكية متّبعة منذ نحو سبعة عقود. إن الإغلاق الأخير لمقر بعثة منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تُعدُّ بمثابة السفارة غير الرسمية للسلطة الفلسطينية في واشنطن، هو خطوة أخرى للإدارة الأمريكية لن تخدم أي غرض إلا زيادة تنفير السلطة الفلسطينية.

كما أن سياسة ترامب في الشرق الأوسط يبدو وكأنها مُصمِمة على تقديم الفلسطينيين تنازلات سياسية قبيل إعلان خطة السلام الأمريكية، التي يُطلق عليها اسم "صفقة القرن". لقد دعا "جاريد كوشنر"، صهر ترامب وعضو فريق السلام الخاص بالشرق الأوسط، بشكل فّعال إلى "بذل جهد صادق لوقف عمل" وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة "أونروا". وفي مطلع شهر سبتمبر، أوقفت الولايات المتحد كل عمليات التمويل لتلك الوكالة التي توفر المساعدة لخمسة ملايين لاجئ فلسطيني. كما تشير الرسائل الإلكترونية الداخلية أيضًا إلى نيّة كوشنر لتجريد ملايين اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم ووضعهم كلاجئين، وهي خطر تعكس الوصف الذي أطلقه رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنجامين نتنياهو" على وكالة "أونروا" باعتبارها "وكالة إطالة أمد اللاجئين".

يبدو أن ترامب يستخدم المساعدات كوسيلة ضغط لإجبار الفلسطينيين للعودة إلى مائدة المفاوضات. أما الإسرائيليون فقد جرى فقط مقايضتهم مقابل اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. وفي خطاب ألقاه أمام حشد جماهيري في أغسطس، قال ترامب إن الفلسطينيين سيجنون قريبًا ثمار هذه الخطوة وسيحصلون على "شيء جيد جدًا، لأن دورهم قادم". إن هذا التطبيق غير العادل لمبدأ المكافأة والعقاب سينتج أوجه الاختلال ذاتها التي أدّت في نهاية المطاف لفشل اتفاقيات أوسلو. وكما يُظهر التاريخ، فإنه ليس من الضروري أن يكون الوضع على هذا الوجه. فقبل إعلان اتفاقيات أوسلو عام 1992،  كانت العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية في أدنى مستوياتها منذ عقود. إن اشتراط إدارة بوش تقديم القروض لإسرائيل مقابل تجميدها المؤقت لبناء المستوطنات، دفع رابين لإعطاء الأولوية للشواغل المحلية على حساب السياسات ذات الدوافع الأيديولوجية في انتخابات عام 1992. لقد نجحت أمريكا حينها في استخدام الجزرة، ما ساعد في تحقيق أول تحوّل كبير من نوعه في مواقع السلطة منذ مجيء حزب الليكود اليميني للسلطة قبل خمسة عشر سنة مضت، كما مهّد ذلك الطريق لمفاوضات السلام المستقبلية.

لقد فشل ترامب حتى الآن في استخدام القدرات المتاحة لوسيط قوي مثل الولايات المتحدة. بدلاً من اتخاذ قرارات لصالح إسرائيل، كان ينبغي على الرئيس اتباع دبلوماسية أكثر اتزانًا وإيجابية للحصول على مقعد على طاولة المفاوضات.   

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق