بعد تفكيك أنصار الشريعة.. تعرف على حالة التنظيمات المتطرفة فى تونس


٠٩ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٥:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

 

لقد بلغت الحركة الجهادية في تونس في الوقت الراهن أدنى مستوياتها منذ ثورة عام 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق "زين العابدين بن علي"، والتي أفسحت المجال لنمو الحركة الجهادية في تونس. حيث ظهرت حركة "أنصار الشريعة في تونس"، والتي أصبح اسمها "داعش وكتائب عقبة بن نافع" لاحقًا، بوصفها أبرز جماعة جهادية في تونس. وبالرغم من استمرار نشاط داعش وكتائب عقبة بن نافع، لا سيما في المناطق الجبلية البعيدة على الحدود التونسية - الجزائرية، غير أن مستقبل الحركة الجهادية التونسية تتوالى فصوله داخل السجون التونسية، بعيدًا عن أعين الجمهور.

في السابع والعشرين من أغسطس عام 2013، صنّفت الحكومة التونسية حركة "أنصار الشريعة في تونس" منظمة إرهابية. وقد أنهى هذا التصنيف وضعًا شاذًا في تاريخ الحركة الجهادية التونسية، إذ سُمح للأفراد في تونس خلال سنتين ونصف من اندلاع الثورة التونسية بحرية القيام بأمور الدعوة والتجنيد وعقد المناسبات وتقديم الخدمات الاجتماعية التي كانت تروّج للأيديولوجية الجهادية. مع ذلك، عادت الحركة الجهادية في تونس بسرعة لوضعها التاريخي العادي، والذي تميّز بوجود مقاتلين ومسهّلين ومسؤولي لوجستيات ومخططي ومنفذي هجمات إرهابية أجانب. بالرغم من أن حركة "أنصار الشريعة" تشكّلت في بداية الأمر بوصفها واجهة لتنظيم القاعدة، إلا أنه عقب تصنيف الحركة منظمة إرهابية، انضم أغلب التونسيين الذين واصلوا اعتناقهم للجهاد لتنظيم داعش في سوريا ولاحقًا في ليبيا.

لقد بقيت مجموعة أصغر من أفراد الحركة مخلصة لقضية تنظيم القاعدة، و بقي هؤلاء الأفراد أو انضموا لجبهة النصرة في سوريا (والجماعات التي خلّفتها مثل جبهة فتح الشام وهيئة تحرير الشام)، وللفرع الليبي لحركة أنصار الشريعة التونسية، أو لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والذي ينشط في الجزائر وليبيا ومالي وتونس (ينشط التنظيم في تونس باسم كتائب عقبة بن نافع). وبالرغم من أن هذا التشتت أدّى لتخفيف حدة العنف لسنتين، بيد أن عملية التوجيه والتدريب القادمة من الخارج، لا سيما في ليبيا وبدرجة أقل سوريا، تسببت في وقوع موجة من المخططات والهجمات الإرهابية التي استهدفت المدنيين والمسؤولين الأمنيين التونسيين في عامي 2015 و 2016. وأبرز تلك الهجمات كان هجوم "متحف باردو الوطني" في مارس 2015، وهجوم شاطئ سوسة في يونيو من العام نفسه، والهجوم على أفراد الحرس الرئاسي في العاصمة تونس في نوفمبر من العام ذاته، ومحاولة السيطرة على مدينة "بن جردان" على الحدود الليبية في مارس 2016.

لقد تآكلت قدرات داعش في كل من تونس وليبيا منذ ذلك الوقت. لقد تمكّن "داعش"، وفقًا لمزاعم رسمية بتحمل المسؤولية، من تنفيذ 11 هجومًا في تونس عام 2015، لكنها نفذت أربع هجمات فقط عام 2016، وأربع أخرى عام 2017، وهجومين حتى الآن في عام 2018.

إن هذا الاتجاه ينطبق أيضًا على كتائب عقبة بن نافع، التي نفّذت 6 هجمات عام 2015، وخمسة أخرى عام 2016، وثلاث هجمات عام 2017، وهجومين حتى الآن في عام 2018. إن هذه الاتجاهات لا تُعزى فقط لعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية التي نفذتها قوات الأمن التونسية، ولكن لعمليات الاعتقال المتواصلة بلا هوادة ضد الأفراد الذين أبدوا أي تلميح بتعاطفهم مع جماعات جهادية أو بمحاولة مساعدة أو الانضمام أو التخطيط لحساب تلك الجماعات، سواء في الداخل أو الخارج. مع ذلك، فإنه نظرًا لتوسيع رقعة استهداف تلك الجماعات، هناك خشية من أن الأفراد المنخرطين في المراحل الأولى للتعبئة الجهادية قد يعتنقون دون داعٍ الفكرة الجهادية في السجون. كما أن الحكومة التونسية لم توفر مخارج بديلة لهؤلاء الأفراد.

منذ بداية أغسطس 2018، كشفت بيانات صحفية صادرة عن وزارة الداخلية التونسية وتقارير صحفية تونسية محلية، عن تنفيذ 43 عملية اعتقال بسبب جرائم مرتبطة بالفكر الجهادي- أقل قليلاً من شخص في اليوم. والجدير بالملاحظة أيضًا أن تلك الاعتقالات قد جرت في مناطق محلية متفرقة في تونس، ما يشير إلى أن الحركة الجهادية في تونس، وبالرغم من ضآلة حجم العينة، هي ظاهرة وطنية، وليست ظاهرة تتركّز فقط في منطقة أو منطقتين.

وبينما يعد هذا الأمر إيجابيًا بالنسبة للأمن والاقتصاد والسياحة في تونس، إلا أن تبنّي نهج أمني خالص لمواجهة الجهاديين هو أمر غير مستدام. إن مستقبل الحركة الجهادية في تونس تتكشف فصوله داخل منظومة السجون التونسية- التي تعاني من الاكتظاظ والافتقار لبرامج فعّالة لإعادة التأهيل والاندماج. أما بالنسبة للبرامج التي تلقت مساعدة من الاتحاد الأوربي، فما زالت هناك أسئلة تحوم بشأن كيفية تطبيقها وبشأن ما إذا كانت هناك مقاييس لتحديد مدى نجاحها، وإمكانية تكرارها مع مرور الوقت. بالتالي، ونظرًا إلى مئات  - إن لم يكن آلاف - الاعتقالات بسبب الجرائم المتصلة بالفكر الجهادي منذ عام 2013، بالإضافة إلى منع 16 ألف شخص من السفر إلى العراق وليبيا وسوريا وبقاؤهم في تونس، علاوة على عودة 970 مقاتلاً أجنبيًا من العراق وليبيا وسوريا، فإن المرء بمقدوره أن يدرك أن هذه الظاهرة لا تشهد بالضرورة حالة من التراجع- حتى لو كانت وتيرة الهجمات وفاعليتها أقل كثيرًا مما كانت عليه في عام 2013 أو في الفترة الزمنية 2015-2016. بالتالي، فإنه بالرغم من أن تونس تستحق الثناء بفضل إرجاعها الجنّي الجهادي إلى قمقمه مرة أخرى، إلا أنه ومن أجل تحسين الأمن التونسي المستقبلي، ورفع مستوى رفاهية الشعب، فإنه من المفيد تجاوز النهج الأمني باعتباره السبيل الوحيد، واستغلال المجتمع المدني القوي في تونس لإعادة إدماج هؤلاء الجهادين بصورة أفضل في المجتمع، علمًا بأن الجهاديين التونسيين ليسوا الأكثر تطرفًا وخبرة بين بقية الجهاديين. هذا بدوره يمكن أن يساعد في منع احتمال عودة ظهور النشط الجهادي على نطاق واسع في المستقبل. وإلا، فإن تونس ستشهد تكرارًا لما رأيناه في مناطق كثيرة أخرى- عودة ظهور جماعة جهادية، بالرغم من وجود علامات تحذيرية من البداية.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق