فورين بوليسي| المركز الأول.. كيف تربعت الولايات المتحدة على قائمة نشر الأخبار الكاذبة؟


٢٦ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٨:٢١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
 



في عام 1934, ترشح المحقق الصحفي والروائي آبتون سنكلير في انتخابات اختيار حاكم كاليفورنيا كجزء من حركة "إنهاء الفقر في كاليفورنيا." اقترح أجندة تقدمية شاملة والتي تضمنت طرح المعاشات, وزيادة الضرائب على الدخل والممتلكات على سكان كاليفورنيا الأثرياء, وإنشاء شبكة من الجمعيات التعاونية التي تديرها الدولة لتشغيل العاطلين عن العمل. وضع رواد الأعمال والاتحادات التجارية في أنحاء البلاد, بسبب قلقهم من العناصر الاشتراكية في أجندته, ملايين الدولارات لدعم الحاكم فرانك مريم.  
 
اُستخدمت هذه الأموال لترويج أكاذيب ومعلومات مضللة من خلال المنشورات الإعلانية, والبرامج الإذاعية, والأخبار الصحفية, واختراع إعلامي جديد: إعلانات هجومية حزبية متخفية في صورة أفلام إخبارية مصورة والتي تُعرض قبل الأفلام في دور العرض بكاليفورنيا. أظهرت المقاطع الإخبارية ممثلين, والذين ظهروا كمواطنين عاديين, يقرأون جملًا مكتوبة تحتوي على أكاذيب عن حركة "إنهاء الفقر في كاليفورنيا" وسنكلير.

أثبتت هذه الأخبار الكاذبة فاعلية كبيرة؛ هزم مريم منافسه بسهولة. وحتى قبل التصويت, كتب سنكلير إلى الكونجرس مطالبًا بإجراء تحقيق في ما وصفه بـ"الدعاية الكاذبة," مضيفًا, "سواء كنتم تتعاطفون معي في برنامجي الانتخابي أم لا, لا صلة لهذا بالموضوع." وواصل قوله بأنه إذا كانت صناعة الأفلام "يمكن استخدامها للتأثير على الناخبين بطريقة منصفة, يمكن استخدامها أيضًا للتأثير على الناخبين بطريقة ظالمة." لم يُجرَ أي تحقيق؛ أصبحت حملات التأثير والمعلومات المضللة جزءًا عاديًا ومقبولًا من الانتخابات الأمريكية.
 
إن دور المعلومات المضللة في الحملات الانتخابية, وكيف تُنقل وتنتشر, وتأثيرها على الناخبين كانوا موضوعًا للنقاش الوطني منذ الانتخابات الرئاسية لعام 2016. الجناة المحددون هذه المرة هم روسيا, وإيران, والصين. وثّق مجتمع المخابرات الأمريكي, ولجان الاستخبارات في مجلس النواب ومجلس الشيوخ, والمستشار الخاص روبرت مولر جهودًا روسية لإضعاف سير الانتخابات سرًا.

في هذه الأثناء, في شهر أغسطس, ذكرت شركة الأمن السيبراني "فاير آي" بالتفصيل وبـ"قدر متوسط من الثقة" الاستخدام الإيراني لوسائل التواصل الاجتماعي "لترويج روايات سياسية تتماشى مع المصالح الإيرانية.

" بناءً على تقرير "فاير آي," أزال فيسبوك 652 صفحة, ومجموعة, وحساب بسبب "سلوك زائف منسق." وأخيرًا, ادعى الرئيس دونالد ترامب, متحدثًا أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي, "أننا وجدنا أن الصين كانت تحاول التدخل في انتخابات 2018 في شهر نوفمبر المقبلة ضد إدارتي." عندما ضُغط عليه لاحقًا في ذلك اليوم لتقديم الدليل, قال, "لدينا أدلة. سوف تظهر." وأضاف عن الرئيس الصيني شي جين بينج, "إنه صديقي."
 
عندما نتعمق في هذه الادعاءات, ما يبرز هو غياب الدقة في تحديد الأنشطة التي تسبب قلقًا وعليه ينبغي حظرها. في الواقع, هناك مزج بين الأهداف المزعومة للخصوم وأفعالهم المزعومة. على سبيل المثال, التقييم الصادر عن مجتمع المخابرات الأمريكي يحذر من "رغبة روسيا في تقويض النظام الديمقراطي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة" كما لو أنها, في حد ذاتها, جريمة. هذا يشبه القول بأن القائد الأمريكي الذي يبدو وأنه يدعم نفس الهدف عن طريق الطعن في الحلفاء الأمنيين, وتطبيق سياسات تجارية حمائية, وإثارة النزعة القومية, والإعلان عن إعجابه بقادة استبداديين ينبغي إسكاته بطريقة قانونية.
 
بصورة مماثلة, حدد تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس النواب أنه منذ 2015, "سعت موسكو إلى زرع بذور الفتنة في المجتمع الأمريكي وإضعاف إيماننا بالعملية الديمقراطية." فعل الأمريكيون بالفعل الأمر الأول في أنفسهم. والعملاء السياسيون المشبوهون سعوا وراء الهدف الثاني قبل فترة طويلة من التبني واسع الانتشار لوسائل التواصل الاجتماعي.
 
وأخيرًا, في شهر أغسطس, أعلن موقع فيسبوك حظر الحسابات الإيرانية المشبوهة "لأننا نرغب في أن يكون الناس قادرين على الثقة في العلاقات التي يكوّنونها على فيسبوك." من الجدير بنا أن نسأل ما إذا كان أولئك الأشخاص الذين كتبوا هذا الإعلان قد أمضوا وقتًا فعلًا على فيسبوك أو إنستجرام.
 
إن الإنترنت كأداة للأغراض السياسية والمجتمعية الخبيثة – والإيجابية في بعض الأحيان – هو محط تركيز كتاب جديد بعنوان LikeWar: The Weaponization of Social Media (مثل الحرب: تسليح وسائل التواصل الاجتماعي), لخبراء الدفاع بي دبليو سينجر وإيمرسون تي بروكنج. إنه كتاب مشوق للغاية. وهو أيضًا مثير للقلق, ببساطة عن طريق تصنيف الكراهية, والأكاذيب, والدعاية الحكومية, والمراقبة الحكومية التي يجعلها الإنترنت ممكنة. مع هذا, يكتب المؤلفان: حيث إن القصص المزعجة تنكشف, وتُنشر, وتُنسى سريعًا, فمن الصعب إدراك العواقب التي يحملها الإنترنت على حرياتنا المدنية, وسلامتنا الشخصية, ونظام الحكم, وحتى الأمن القومي والسياسة الخارجية.
 
يقدم الكتاب حُجته الأكثر تأثيرًا في مجالات الأمن القومي والسياسة الخارجية: إن الاستخدام الاستراتيجي للإنترنت، وتحديدًا وسائل التواصل الاجتماعي، يشبه الحرب. ومن ثَم, فإنه ميدان المعركة الرئيس للعالم, ونحن جميعًا، سواء بعلم أو من دون علم، محاربون وأهداف. هذه النظرية ربما تجعل من نشأوا على دراسة الحرب الحركية والتوازنات المادية للقوة غير مرتاحين, لكن المعلومات التي يتيحها الإنترنت مهمة بصورة هائلة. الإثبات هو أن القادة السياسيين والعسكريين يحاولون باستمرار وينجحون في استخدام تلك المعلومات – بمدى ووتيرة غير مسبوقين في التاريخ – لتحقيق نتائج داخل دول أخرى. لم يعد من الممكن لأولئك القادة أن ينفصلوا عن المحاولات الموجهة من الخارج للتأثير على سكان دولتهم؛ إنهم إما أن يشكلوا الإدراك أو يتركوا آخرين يشكلونه.
 
إن كيفية تفسير الشخص لهذه الجهود تعتمد على المصدر, والنية وراء الرسالة, ومدى تحمل الشخص للنفاق. مثلما أوضح دوف ليفن, الأستاذ المساعد في جامعة هونج كونج, في مجموعة البيانات التي تعقبت تدخل القوى الكبرى في الانتخابات الأجنبية في الفترة بين 1946 و2000, تدخل الاتحاد السوفيتي/روسيا والولايات المتحدة – سرًا بشكل رئيس – في 117 من أصل 938 انتخابات حول العالم, حيث فعلت واشنطن ذلك أكثر من موسكو بما يزيد عن الضعف (81 تدخلًا لواشنطن مقابل 36 لموسكو). بالطبع, جميع القوى الكبرى تتبنى الأعراف العالمية التي تخالفها عمليًا, وهذا يمتد بصورة طبيعية إلى التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى.
 
مع هذا, مخترع الأكاذيب بالنسبة لشخص ما هو صادق شجاع بالنسبة لشخص آخر, تمامًا مثل ترويج شخص لمعلومات صحيحة هو تسليح شخص آخر لنفس المعلومات. إن القضية التي اختار الأمريكيون تجاهلها على مدار العشرين شهرًا الماضيين هي السبب الذي جعل العامة يحتضنون وينشرون المعلومات المضللة المزعومة من الصين, أو إيران, أو روسيا. اختار السياسيون والمثقفون لوم انقسام الولايات المتحدة حول خصومها, لكن هذا مثل محاولة كبح الاستخدام غير القانوني للمخدرات عن طريق التركيز فقط على الدول الأجنبية التي تُنتج فيها المخدرات (متناسين, بالطبع, أن الكثير من المخدرات تُنتج في الداخل). تزداد الرغبة في المعلومات الانتقائية, أو المنحازة, أو الحزبية, وسوف تواصل الزيادة نظرًا للاتجاهات الظاهرة في الإلمام بالمعلومات, والتفكير الناقد, والحزبية لدى الجمهور الأمريكي. لا يمكن للدولة أن تكتفي بتمني زوال انحيازاتها التأكيدية.

عقب وقت قصير من هزيمته في صناديق الاقتراع, نشر سنكلير كتابًا يوضح بالتفصيل الهجمات على حملته ورفض النوافذ الإعلامية نشر أي من ردوده التوضيحية الحقيقية. في إشارة محددة إلى محرري صحيفة رفضوا نشر أية تفاصيل عن خطته الخاصة بالتقاعد, كتب سنكلير جملة لا تُنسى: "لقد اعتدتُ أن أقول للجماهير: من الصعب أن تجعل رجلًا يفهم شيئًا ما, في الوقت الذي يعتمد فيه راتبه على عدم فهمه!" سواء لأسباب أيديولوجية, أو قَبَلية, أو حزبية, أو مالية, أو أسباب أخرى, ربما لا يكون الأمريكيون مهتمين بفهم ونقد المعلومات التي يتلقونها عبر هواتفهم وحواسيبهم, في حياتهم اليومية وقبل الانتخابات المقبلة. بسبب ذلك, سيصبحون أهدافًا للمعتدين الخارجيين والداخليين في "أشباه الحروب".
 
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق