NPR | التغول تدريجياً.. كيف تقوم الصين بفرض نفوذها فى النظام العالمي؟


٣٠ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٥:٤٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح




لقد أصبح الرئيس الصيني "شي جين بينج" مستعدًا لحدوث تغيير- تحديدًا التحوّل في النظام الدولي ودور الصين فيه. ففي خطاب له عام 2016 أمام وزراء الحكومة ورؤساء الأقاليم، قدّم "شي" إشارة مبكّرة عن نواياه: "الصين أصبحت عاملاً رئيسيًا في تغيير المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي... نحتاج للعمل بجد أكبر لتحويل قوتنا الاقتصادية إلى سلطة مؤسسية دولية"

لكن، حتى يومنا هذا، تجنّب الرئيس "شي" التصادم بصورة مباشرة مع الولايات المتحدة ومنافستها على الزعامة العالمية. ما من دليل حتى الآن يشير إلى رغبته في تحمل المسؤولية التي تستلزمها هذه الزعامة. فالعالم، على سبيل المثال، لم يسمع عن وجود مقترح صيني لمواجهة تحدّي الإرهاب العالمي، او أزمة اللاجئين، أو حتى التغير المناخي. لكن نهج "شي"، عوضًا عن ذلك، تمثل في العمل لتقويض الأعمدة الأساسية لزعامة أمريكا- تحالفاتها، والقيم والمعايير التي تتبناها المؤسسات الدولية ونموذجها التنموي- واستبدالها بأخرى تكون أكثر دعمًا للمصالح الصينية. في هذا السياق، ربما يتم فهم الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة بوصفها معركة واحدة ضمن حرب برية طويلة الأمد على القيم والمبادئ والزعامة العالمية.

في ظل توازن القوى العالمي الراهن- المدعوم من خلال التوزيع النسبي للثروة العالمية ونظام التحالفات بقيادة الولايات المتحدة- ماتزال الولايات المتحدة الطرف المهيمن (رغم أن هيمنتها باتت أقل مما كانت عليه في أي وقت في الماضي القريب)

عوضًا عن شنّ هجوم مباشر على زعامة الولايات المتحدة، عبّر الرئيس "تشي" عن رؤيته المتمثلة في قيام "مجتمع ذو مصير مشترك" يرتكز على التعاون المتبادل والعدل والمساواة- نهج "جديد" "يحل محل" النموذج الغربي الذي عفى عليه الزمن. بالرغم من أن هذا الكلام يبدو سليمًا، إلا أن هذا المفهوم المجتمعي لا يعني شيئا إلا إنهاء نظام التحالفات بقيادة الولايات المتحدة. وكما أخبرني مسؤول صيني، فإن هذه التحالفات "بالية" و "غير مناسبة للوقت الحديث"

إن التزام الرئيس ترامب الضعيف تجاه هياكل تحالفات أمريكا، وفّر دعمًا مرحّبًا به للدبلوماسيين والباحثين الصينيين المكلّفين بمهمة الترويج لفكرة الرئيس "شي". مع ذلك، فقد قوّض الرئيس الصيني محاولته الترويجية الناعمة عبر شراسته العسكرية في بحر الصين الجنوبي، واستعداده لتبنّي سياسات اقتصادية قسرية تجاه كوريا الجنوبية وتايوان، ودول أخرى.

كما يعمل "شي" أيضا لإصلاح المؤسسات والمعايير الدولية لخدمة مصالح الحكومة الصينية. يستغل الدبلوماسيون الصينيون بمهارة الأمم المتحدة ومنظمات أخرى لمحاولة التقليل من الأهمية النسبية للحريات الفردية في الخطاب المتعلق بحقوق الإنسان، والترويج لمبدأ سيادة الدولة في مجال الإنترنت، بدلاً من التدفق الحر للمعلومات.

لقد أصبحت مبادرة الصين واسعة النطاق المعروفة باسم "الحزام والطريق" والخاصة بمشاريع البنى التحتية، اختبارًا للقواعد التي يقوم عليها مسار الصين التنموي، والذي لا يعير اهتماماً للحكم الرشيد، ويركّز على تحقيق تنمية اقتصادية سريعة. بالرغم من أن العديد من الدول ترغب بحماس في الانضمام لمشاريع الحزام والطريق، إلا أن دولاً عديدة أخرى باتت ترفض هذا المشروع الآن، خوفًا من آثاره البيئية والمالية والاجتماعية السلبية.

أخيرا، زادت الصين بصورة كبيرة من الموارد التي خصصتها للدبلوماسية العامة، إذ باتت تقدم منحًا دراسية سخيّة للطلاب والمسؤولين الأجانب لدراسة النموذج الصيني، وافتتحت مراكز تحظى برعاية حكومية لتعزيز فهم اللغة والثقافة الصينية، كما أطلقت حملة إعلامية للترويج للرواية الصينية.

يقدّر مسؤولون في بعض الدول النامية تأكيد الصين على نموذج النمو الناتج عن مشاريع البنى التحتية، والاستثمارات الأجنبية والاستقرار السياسي. يرى وزير النقل والاتصالات التنزاني أن ممارسات الصين الرقابية تستحق التقليد: "تمكّن أصدقاؤنا الصينيون من منع هذه الوسائل الإعلامية في بلدهم، واستعاضوا عنها بمواقعهم المحلية التي تعتبر آمنة وبناءة وشعبية. نحن لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، لكن... ينبغي علينا ان نأخذ حذرنا من إساءة استخدامها".

علاوة على ذلك، بكين لا تعزز فقط من روايتها الإيجابية عن الصين، لكنها تعمل أيضا لمنع الآخرين من تقديم رواية مناقضة لها. فبعد أن استحوذت شركة صينية على حصة كبيرة في صحيفة جنوب إفريقية، على سبيل المثال، وجد أحد الكتاب أن عموده تم إلغاؤه بعد نشره مقالة تنتقد قمع الصين للمسلمين في إقليم "شينجيانغ" المتمتع بالحكم الذاتي في غرب الصين. وفي كينيا، موّلت الصين خدمة التلفزيون الرقمي لنحو 800 قرية كينية، وتزوّد تلك الخدمة مشاهديها ببرامج صينية مكثفة، لكن هذه الخدمة سعّرت المحطات الدولية الأخرى، مثل البي بي سي والجزيرة، بأسعار تجعلها بعيدة عن متناول المشاهدين. يتفاخر بعض المحللين الصينيين الآن بالعلاقة الإيجابية بين الأنظمة السياسية "غير الحرة" والرخاء الاقتصادي.

لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تخشى من النموذج الصيني أو ترويج الرئيس "تشي" له. لأنه، في نهاية المطاف، ليس نظامًا جذابًا أو مرنًا بطبيعته. فالتحديات البيئية والصحية والديمغرافية معروفة جيدًا. وهناك تصاعد خطير في مستويات ديون الأسر المعيشية والشركات والحكومة. كما تشير الاحتجاجات المتواصلة من جانب قطاعات عديدة في المجتمع- من بينها المدافعين عن حقوق المرأة والعمال والطلاب والسجناء وضباط الجيش المتقاعدين- إلى وجود حالات امتعاض عميقة. يلفت باحث أوربي في الشؤون الصينية إلى الاتي "لم أر في حياتي بلدًا ناجحًا جدا يرغب العديد من ابنائه الذين يجنون أكبر الفوائد في مغادرته".

مع ذلك، لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل الرئيس "شي" وجهوده لإعادة صياغة النظام الدولي. يتعيّن على الإدارة أن تعيد الحياة إلى مفهومها المعروف بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ المفتوحة والحرة: رسالة حازمة بشأن القيم المتأصلة في ديمقراطيات السوق الليبرالية، وتطبيق عملي لهذه القيم داخل الوطن، مدعوم بمجموعة من الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية، بالإضافة إلى التزام بالتنمية الدولية مرتكز على هذه المبادئ. إذا كان أفضل ما يمكن للولايات المتحدة أن تفعله هو الشكوى والتذمّر وشجب الصين، فإنها بالتأكيد ستخسر ليس فقط المعارك القادمة، لكنها ستخسر أيضا- وهو الأمر الأهم- الحرب.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق