معهد الدراسات الاستراتيجية| قوة حقيقية على الأرض.. ما هى ملامح النفوذ الروسي فى الشرق الأوسط؟


٠٤ نوفمبر ٢٠١٨ - ٠٤:٠٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح




ربما شهد النفوذ والحضور الروسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تذبذبًا خلال السنوات الخمسين الماضية. وصل النفوذ الروسي ذروته في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات عندما هيمنت روسيا على مصر، واعتبرت سوريا واليمن الجنوبي والعراق وكلاءً لها، لكن ذلك النفوذ اختفى تقريبًا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، لكن روسيا لم تيأس أبدًا من المنطقة، واحتفظت بخبراتها ودفتر جهات اتصالها. فمن وسط ركام الربيع العربي، بدأت في إعادة بناء نفوذها الإقليمي لمستوى مرتفع جديد. الحقيقة الملموسة الآن هي أن روسيا باتت قوة إقليمية وصلبة..
 
استراتيجية أم مجرد حظ؟
إذا أخذنا الأمور على ظاهرها، فإن العديد من المكاسب التي حققتها روسيا في عموم المنطقة يبدو أنها نتيجة لاقتناص الفرص. لقد كان التدخل الروسي في سوريا سببًا رئيسيًا لصعود روسيا الإقليمي. وكان ذلك التدخل ضرورة عاطفية بالنسبة لبوتين لإنقاذ تلميذه "بشار الأسد" (أو على الأقل لمنع الغرب من الإطاحة به من الحكم) بقدر ما كان جزءًا من خطة استراتيجية. بالمثل، كان وصول عبد الفتاح السيسي، الرجل العسكري القوي، للحكم في مصر، مكسبًا مفاجئًا لبوتين.

لكن نظرة روسيا الأوسع نطاقًا في المنطقة، تكشف عن تصميم استراتيجي كامن. فاستراتيجيتها في الشرق الأوسط هي جزء من الاستراتيجية الجنوبية الأوسع نطاقًا، والتي تضم البحر الأسود، وخصوصًا، أوكرانيا والقرم.

المصالح الروسية دومًا ما كانت تتحقق على أفضل وجه في تلك المنطقة ككل عبر ممارسة روسيا دور القوة المهيمنة في المياه الدافئة. إن مرور حاملة الطائرات الروسية "كوزنيتسوف" عبر القنال الإنجليزي عام 2016 في طريقها إلى البحر المتوسط، مطلقة دخانًا أسود كثيفًا، أثار ضحك البعض. لكن لا تنخدعوا. فممارسة بلد ما دورًا قياديًا في المياه الدافئة مرتبط بالقوة الجوية والقواعد البحرية وممارسة النفوذ في المناطق الساحلية، بقدر ما هو مرتبط بالأسطول البحري.

إن روسيا تُبلي بلاءً حسنا في كل هذه الجبهات. فهي تمتلك قواعد لسفنها وطائراتها، وهي لديها حلفاء (من بينهم، في الوقت الراهن على الأقل، إيران ومجموعة وكلائها)، والأهم من ذلك هو الخبرة الأخيرة التي اكتسبتها من القتال والفوز بالحرب في المنطقة. في سوريا، اختبر الجيش الروسي بصورة مكثفة أسلحة وأساليب جديدة في مسرح العلميات، محققًا نتائج إيجابية. علاوة على ذلك، وربما يكون الأكثر أهمية، خاض الروس حربًا وفازوا بها ضمن تحالف إقليمي، وهي تجربة غير عادية بالنسبة لروسيا في أي مكان آخر.

إن التحول في ميزان القوى الذي يمثله هذا الأمر، لا ينبغي أن يُنظر إليه حصريًا من ناحية الأرض وخطوط الاتصالات التي تتحكم فيها روسيا وحلفاؤها. بالإضافة إلى قدرتها المحلية لخوض حروب خارجية والسيطرة على المنطقة الرمادية، فإن الشراكة مع إيران تمنح موسكو قدرتين توفران لها على نحو متزايد ميزة استراتيجية في صراعات المنطقة: القدرة على القتال عبر الوكلاء، والقدرة على استخدام الصواريخ الباليستية لتشكيل المشهد الجيوسياسي. تمارس إيران هاتين الوظيفتين بقوة، وهي ضمن فريق روسيا.

بحر أحمر؟
لقد نجحت روسيا دبلوماسيًا، على الأقل في الوقت الراهن، في احتواء إسرائيل وتركيا. في كلا الحالتين، كادت الحوادث الجوية أن تخرّب علاقات الأطراف ببعضها، لكن تلاقي المصالح وتقاسم النُهج بين قادة تلك الدول، حافظا على العلاقات بينهم. فقد جرى الترحيب ببنيامين نتنياهو، وهي سابقة لرئيس وزراء إسرائيلي، بوصفه ضيف شرف في العرض العسكري المقام بمناسبة عيد النصر هذا العام في روسيا. كما توصّل بوتين وأردوغان لتفاهم جديد وربما أوثق بشأن سوريا والشرق الأوسط؛ ما يعني أن هذين الرجلين يتصرفان على نحو متزايد بوصفهما أصحاب نفوذ، كما في حالة إدلب، على سبيل المثال. لقد وعد بوتين بتزويد أردوغان بأنظمة صواريخ إس-400 التي باتت منظومة ضرورية في المنطقة. في البحر المتوسط أيضًا، يعمل الروس على التقرّب من قبرص، ليس فقط عبر وسائل القوة المالية، لكن أيضًا عبر الحصول على قواعد عسكرية هناك.

لقد حظي الوجود والنشاط الروسي في السواحل الجنوبية للمتوسط قدرًا أقل من الاهتمام. في مصر، بات واضحًا أن السيسي هو نوع القائد الذي يفضله بوتين، كما اتضح من زيارة الزعيمين المتبادلة، واستئناف روسيا الحتمي لمساعداتها العسكرية لهذا البلد. لقد طمست الاعتبارات الاستراتيجية المهمة بين البلدين الآثار التي خلفها التفجير المرعب لطائرة "ميتروجيت" الروسية عام 2016 في شرم الشيخ، والذي أثار غضب روسيا بسبب فشل مصر في حماية سائحيها.

وغربًا في الجزائر، والتي جرى إهمال أهميتها الاستراتيجية مؤخرًا، طوّرت روسيا بصورة حثيثة علاقتها العسكرية مع عبد العزيز بوتفليقة المصاب بالشيخوخة، ما خلق حالة من الاعتماد في الجزائر على الأسلحة الروسية، التي ستدوم أطول من بوتفليقة، وستعمل كضمانة للنفوذ الروسي في الجزائر. إن أكثر من نصف مبيعات الأسلحة الروسية لمنطقة الشرق الأوسط، تذهب إلى الجزائر الآن. كما أن مجالات التعاون التجاري الأخرى بين البلدين كبيرة مقارنة مع الدول الإقليمية الأخرى. وبافتراض أن حزب "جبهة التحرير الوطنية" سيصمد أطول من بوتفليقة، كذلك سيكون الحال مع التوجه السياسي الجزائري نحو روسيا.  

وانطلاقًا من مصر، تستعد روسيا لاستغلال الفرص لاستعراض قوتها في ليبيا. تُعد ليبيا مسرحًا مثاليًا لتطبيق الأساليب الروسية غير المتماثلة والتقليدية. فهي بلد منقسم، ما زالت جراحه غائرة بعد حرب مريرة ودموية، وهو بحاجة لعمليات إعادة بناء ضخمة. لقد رمت روسيا بقوة بثقلها ليس فقط وراء السيسي، لكن أيضًا وراء حليفه في ليبيا، الجنرال خليفة حفتر. هذه خطوة استراتيجية هدفها الجائزة الحقيقية في ليبيا: أثناء زيارة حفتر الأخيرة لموسكو، التقى بـ "إيجور سيجين"، رئيس شركة "روزنيفت" العملاقة للنفط.

راعٍ طامح أم "مساهم نشط" في الخليج؟
هناك جزء مكمّل للاستراتيجية الروسية في شرق المتوسط، وهو تزايد الانخراط الروسي في الخليج. لقد حرصت روسيا على عدم التورّط في الانحياز لطرف بعينه في خلاف دول مجلس التعاون الخليجي مع قطر، لكنها احتفت بولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" في موسكو ،وتوصلت لاتفاق مهم مرتبط بالقوة الأكثر صلابة في الشرق الأوسط، تحديدًا النفط. إن طلب دول الخليج الحصول على منظومة صواريخ إس-400 الدفاعية، وهو طلب تحركه المنافسة بين هذه الدول بقدر ما يحركه خوفها الحقيقي من طهران، يعني أن روسيا، بذكاء، ربما ينتهي بها المطاف لبيع تلك المنظومة للطرفين. الأمر المهم، وربما يكون للمرة الأولى، هو أن أنظمة السلاح التي يُنظر إليها بوصفها ضامنًا للأمن ستكون روسية الصنع، وليست أمريكية.

من غير الواضح بعد كيف ستستغل روسيا نفوذها. سيكون هناك عامل مهم يتمثل في طبيعة وفاعلية النفوذ الأمريكي. لو بقيت الولايات المتحدة الراعي الرئيسي للسعودية وإسرائيل، فإن نفوذ روسيا العملياتي، وكذلك قدرتها على ضمّ الدول إلى جانبها، سيكون محدودًا. لكن لو سحبت الولايات المتحدة، لسبب ما، أو حتى قللت رعايتها، فإن روسيا ستكون جاهزة لملء الفراغ. وستكون في وضع يسمح لها لكسب السعوديين بعد تخلّي الولايات المتحدة عنهم عقب مقتل جمال خاشقجي.

بالنظر إلى صلابة الشراكات بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، فإن هذا الاحتمال ربما لا يعدو كونه مجرد أمر هامشي. إن الولايات المتحدة لا يمكن بالتأكيد "استبدالها" بروسيا. كما أن روسيا لا تسعى ولا تقدر حتى على لعب دور البلد الراعي. إن هدف روسيا الاستراتيجي، في منطقة الخليج على الأقل، هو أقرب ما يكون إلى "المساهم النشط"- فروسيا تسعى لامتلاك قسم كبير من النفوذ في المنطقة يسمح لها بحماية مصالحها العالمية، من دون تولي مسؤولية القيادة والملكية.

تصدير السلوكيات وليس فقط الأسلحة  
هذا يتضمّن عرض نموذج بديل للشراكة والرعاية، بحيث لا ينصبّ التركيز على حجم ونطاق العلاقة مع الشركاء، ولكن على مدى صلابة القوة التي يجري استعراضها، والسلوكيات التي يتم تشجيعها.

في حالة الدول المستقرة حاليًا، هذا يعني الاستعداد، ليس فقط لبيع السلاح، ولكن التغاضي عن ودعم السلوكيات التي تتجاهل أو تقوّض القوانين والمواثيق الدولية. هذا يسري على الأنشطة التي من المتوقع أن تمارسها الدول (مثل مكافحة الإرهاب)، وكذلك على الأنشطة التي من غير المتوقع ممارستها (الاغتيالات).

ولطالما عملت روسيا على تصدير ليس فقط أنظمة سلاح بديلة لتلك التي يعرضها الغرب، ولكنها سعت أيضًا، كجزء من الصفقة، لتصدير وجهة نظر دولية بديلة. لقد اعتادت تلك الصادرات أن تكون أيديولوجية. إذ كانت الدول العربية الاشتراكية، سواء اسمًا أو فعلاً، طرفًا مستفيدًا وشريكًا طبيعيًا لروسيا. والآن، صارت الصادرات عبارة عن نظرة عالمية أكثر من كونها رؤية أيديولوجية، وهذه النظرة تخصّ حكم القانون تحديدًا. من المحتمل أن يكون هذا الأمر ضارًا، في منطقة تتزايد فيها حالة عدم اليقين، ويتزايد فيها ميل الأنظمة المحافظة للجوء للاستخدام التعسفي للقوة.

ينبغي أن تكون هناك مساحة في الشرق الأوسط للنفوذ الروسي الشرعي. لكن القوة الصلبة التي تستعرضها، هي أمر إشكالي. هناك حاجة في الشرق الأوسط لأن تروّج القوى ذات النفوذ الأنعم لحقوق الأفراد، وحل الخلافات، وحركة رأس المال والعمل. وهذا ما لا يقدمه الروس للمنطقة حتى الآن.

روسيا صارت حقيقة في الشرق الأوسط. ووجود استراتيجية لاحتوائها هو شرط مسبق حتى تكون هناك فرصة لترسيخ حكم القانون في هذه المنطقة. المعضلة هي، كما هو الحال دومًا مع روسيا، هل يتعين مواجهة روسيا أم الانخراط معها؟ إن عدم القيام بأي من الخيارين قد يعني أننا سنستيقظ يومًا لنجد أن المساهمين النشطين كانوا مشغولين في  قوتهم، وباتوا فجأة أقوى من أن يتصدّى لهم أحد.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق