ذا ويك | كيف تعمل الرأسمالية؟


٠٧ ديسمبر ٢٠١٨ - ١٠:٠٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
  


توصّل "ديفيد لينهارت"، الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز، لاكتشاف صادم: الرأسمالية لا تقدّم منافع للطبقة العاملة! رباه! وبالتالي هو يخلص إلى أن الرأسمالية "لا تعمل".

هو يزعم أن هذا يعود إلى أن قادة الأعمال صاروا أنانيين ونسوا مسؤوليتهم الاجتماعية. وللإنصاف، من الجيد رؤية صحفيين مؤيدين للأعمال الحرة يكتبون بصراحة بشأن الخلل الاقتصادي الكبير الذي سيطر على الولايات المتحدة لعقود. لكن الرأسمالية تعمل كما هو مُصمَّم لها.

الرأسمالية مفهوم غامض جدًّا، بالطبع، والناس يستخدمونها لكي يقصدوا الكثير من الأشياء المختلفة. مع ذلك، هناك مجموعة من الأفكار الأساسية التي حدّدت بصورة عامة النظام على مدى سنوات.

وهذه الأفكار هي: الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (أي المصانع والأراضي والمواد الخام والأدوات)، وطبقة العمال الذين يجب أن يبيعوا عملهم للحصول على دخل، وثمن هذا العمل، بالإضافة إلى البضائع والخدمات التي تُطرح في الأسواق.

ربما نطلق على هذا اسم الرأسمالية الكلاسيكية أو القائمة على مبدأ "دعه يعمل" (laissez-faire capitalism)، كما وُضعت في القرن التاسع عشر. إن هذا النظام لم يكن موجودًا على الإطلاق في أنقى صوره، لذا يمكننا التفكير فيه بوصفه نموذجًا مثاليًا تستطيع الدول أن تقترب منه بدرجة متفاوتة. ومثل كل أنظمة الاقتصاد السياسي، يُنتج هذا النظام أيديولوجية تعمل على تبريره: ليبرالية كلاسيكية في القرن التاسع عشر، أو الليبرالية الجديدة في وقتنا الحاضر. .

هناك سمة مهمة للرأسمالية الكلاسيكية تتمثل في أنها توزع الدخل على العمال ومالكي رأس المال فقط. لقد حلّت الرأسمالية محل نظام الإقطاع عبر نقلها الفلاحين من الأراضي الزراعية، وبالرغم من الصفات البشعة الأخرى للإقطاع، إلا أنه كان يوفر نوعًا من شبكة الأمان لهؤلاء الفلاحين عبر سماحه لهم بممارسة بعض من الزراعة المعيشية. وفي ظل الرأسمالية، إذا لم يستطع الفرد العمل أو لم يملك ثروة، فإنه سيجوع - ولهذا السبب كان يُنظر إلى الرأسمالية المبكرة على نطاق واسع وبصورة صحيحة على أنها نظام وحشي وغير إنساني.

من بين الخصائص التجريبية المهمة للرأسمالية الكلاسيكية هي أنها تخلق تلقائيًا عدم مساواة مجحفة. هذا حدث في بريطانيا والولايات المتحدة أثناء الثورة الصناعية حتى العصر الذهبي، وكما يذكر الكاتب "توماس بيكيتي" في كتابه "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، فإن الأمر تطلب أزمة الكساد العظيم وحربين عالميتين مدمرتين للقضاء على انعدام المساواة، وذلك عبر ضرائب الحرب المفرطة والتدمير الكامل للثروة.

من الممكن مكافحة عدم المساواة الرأسمالية، ولكن فقط من خلال الابتعاد عن هذا النوع من الرأسمالية الفجّة. إن فرض ضرائب مفرطة على الأثرياء- أو خلق ثروة مملوكة من الجميع عبر شركات عامة أو صناديق ثروة اجتماعية - يعني الحدّ من الملكية الخاصة على الاقتصاد، والأمر ذاته ينطبق على فرض ضوابط رقابية واسعة النطاق لمنع أمور مثل التلوث أو الأزمات المالية.

إن بناء دولة الرفاه في مرحلة ما بعد الحرب - وهو ما ساعد على الإبقاء على نسبة عدم المساواة منخفضة عبر تقديم دخل مالي للعائلات وكبار السن والمعوقين والعاطلين عن العمل، وهكذا - قوّض أيضًا نظام العمل الرأسمالي عبر منح قطاعات كبيرة من السكان دخلاً من دون أن يعملوا. كل هذا كان من سمات النظام السياسي المعروف باسم "الصفقة الجديدة" والذي جرى إنشاؤه في مرحلة ما بعد الحرب.

تُظهِر دول الشمال الأوروبي أنه من الممكن التخلص من الجوانب الأساسية للرأسمالية – لا سيما في النرويج، حيث تمتلك الدولة 75 بالمائة من كل الثروة غير المنزلية، فيما تنتج الشركات المملوكة للدولة 60 بالمائة من الناتج الاقتصادي - وفي الوقت ذاته امتلاك اقتصاد منتج ومتطور. لم تعمل أية دولة في الشمال الأوروبي على إلغاء الأسواق، وهذا صحيح، ولهذا السبب يصرّ أصحاب الفكر المحافظ على أن هذه الدول لا تزال رأسمالية. لكن مؤسساتهم السوقية مقيّدة من جانب الضوابط الرقابية والملكية العامة، ما يجعلها تحمل تشابهًا بسيطًا فقط مع الأشكال الرأسمالية الصافية الوارد تفاصيلها أعلاه.

يلفت "لينهارت" أنه في عقد الأربعينيات، رحّبت طبقة رؤساء الشركات - المرعوبين من الحرب العالمية الثانية والفاشية - بصورة كبيرة بالضوابط الرقابية والضرائب والرفاه الاجتماعي:

"في الأعوام التالية، اتبعت الشركات الأمريكية بصورة كبيرة هذه الوصفة. لكن ليس كل رؤساء الشركات فعلوا هذا، بالطبع، وكانت لا تزال هناك نزاعات مريرة بين إدارات الشركات والعمال. لكن معظم رؤساء الشركات تصرفوا وكأنهم يهتمون بشأن عمالهم ومجتمعاتهم. لقد وافق الرؤساء التنفيذيون للشركات على حزمات رواتب تبدو في يومنا هذا مَبالغ زهيدة. لقد ارتفعت دخول الطبقة المتوسطة في عقدَي الخمسينيات والستينيات بمعدل أسرع من معدل ارتفاع دخول الطبقة العليا. 

هذا حدث بالفعل. لكن هذا الرأي يقلل من شأن الدور الذي قامت به الطبقة العاملة النشطة لانتزاع تلك الدخول المتساوية. في عام 1944، على سبيل المثال، انتهك "سيويل أفري" رئيس شركة " Montgomery Ward" بصورة متعمّدة الاتفاقيات القانونية مع اتحاد عمال شركته لمرات عديدة، ما دفع الرئيس "فرنكلين روزفلت" للسيطرة على الشركة بأكملها للمحافظة على استمرارية الإنتاج الحربي، وقد اضطر أفراد الشرطة لحمل "أفري" بالقوة إلى خارج مكتبه. كما يبخس هذا الرأي من قدر مدى خوف رؤساء الشركات وكرههم للشيوعية. في ذلك الوقت كانت الحكمة السائدة تقول إنه إذا فشلت الدولة في إجراء توزيع عادل للدخل، فإنها ستشهد ثورة شيوعية. لقد كان يُنظر إلى الضرائب المفروضة على الطبقات العليا والمساعدات الاجتماعية بوصفها ثمنًا يستحق دفعه لمنع ثورة العمال.

لكن بداية من عقد الثمانينيات، ومع دخول الاتحاد السوفيتي في مرحلة ركود وانهيار بصورة واضحة، اكتسبت ردة الفعل المناهضة لمشروع "الصفقة الجديدة" زخمًا، وحينها عادت الرأسمالية الكلاسيكية لتشغل مكانة مرموقة. إذ جرى تفكيك كل الهياكل المناوئة للرأسمالية واحدة تلو الأخرى: النقابات قُتلت، والضوابط الرقابية فُككت، والضرائب خُفضت، والمعونات الاجتماعية قُللت. وكانت النتيجة هي إعادة إنتاج ما حدث في عشرينيات القرن الماضي بحذافيره: عدم مساواة مرتفعة للغاية، وأزمة مالية عالمية مدمّرة، وخلل اقتصادي متواصل.

ربما يكون من الممكن إعادة تنظيم الرأسمالية، وجعلها أقل اختلالاً. لكن الرأسمالية، على الأقل في الوقت الراهن، تعمل كما هو مُصمَّم لها - وهذه هي المشكلة.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق