نيويوركر | أبعد من الضرائب.. كيف يمكن فهم احتجاجات السترات الصفراء فى فرنسا؟


٠٩ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٥:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
 


لقد كان أصحاب السترات الصفر في فرنسا، موضع قلق وجدل، وفي بعض الاحيان، انتهازية سياسية سافرة من جميع الأطراف. هم حركة شعبية ليس لديها رؤية سياسية أو إيديولوجية واضحة، ويستمدون اسماءهم من السترات الصفر التي يجب أن يحتفظ بها السائقون في فرنسا داخل سياراتهم، لارتدائها في حال حدوث عطل في سياراتهم. (بهذه الطريقة يمكن رؤيتهم في الظلام). إن السبب الظاهري وراء اشتعال تلك الحركة الاحتجاجية هو قرار رفع الضرائب على الوقود، الذي اتخذته حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون بغرض حماية البيئة: الخطة كانت تقضي بدفع فرنسا للإقلاع عن الوقود الأحفوري عبر رفع تكلفته، وتشجيع استخدام موارد متجددة.

لقد كان رفع الضرائب بالنسبة لتلك الحركة، التي جمعت اتباعًا لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هو آخر إهانة من مدينة باريس الكبرى ضد الريف الفرنسي، وبدأ أعضاء الحركة الاحتجاج وإغلاق الطرق السريعة في عموم البلاد. في الأسبوع الماضي، وصلت الاحتجاجات باريس، حيث قام محتجو السترات الصفر- أو، حسب معظم التقارير، أعضاء تلك الحركة التي يشكل أبناء الريف أغلبها، بمساعدة اليساريين واليمينيين المتطرفين الذين جهّزوا أنفسهم لخوض حرب شوارع- بأعمال شغب في شارع "الشانزليزيه"، وخرّبوا قوس النصر، واقتحموا المتاجر، متسببين في خلق أزمة تشبه أزمات سابقة كانت قد أفشلت أو عرقلت عمل الحكومات الفرنسية باستمرار في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. 

هذه الحقيقة، في ذاتها، هي الحقيقة الأولى التي يجب إيلاء الاهتمام لها: الأسباب الداخلية التي خلقت حركة السترات الصفر، سواء كان رفع الضرائب أو الإهانة التي وجهها ماكرون- أو حتى التآكل الكبير في التفويض الشعبي الممنوح له- تبدو أقل أهمية من السبب المتمثل في أن هذه الحركة الاحتجاجية هي واحدة من سلسلة حركات، على الأقل منذ عام 1995، التي نزلت إلى الشارع للاحتجاج على برنامج تخيلت حكومات اليمين واليسار أو الوسط بأن غرضه "الإصلاح". وبذلك، فإن محاولة فهم تلك الحركة من منظور سياسي-اقتصادي ضيق ومباشر هو حجة خاطئة.

إن حدوث مظاهرات عنيفة في الشوارع تجبر الحكومة على التراجع- حيث علقت حكومة ماكرون يوم الثلاثاء قرار رفع ضرائب الوقود- ليس أمرًا مألوفًا فقط في فرنسا، لكنه الدورة الأكثر توقعًا في الحياة السياسية الحديثة لفرنسا. في كتابه بعنوان "إعادة الإعمار الطويلة لفرنسا" (France’s Long Reconstruction)، يشرح "هيريك تشابمان"، أستاذ التاريخ في جامعة نيويورك، بوضوح أن دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، الذي وضعه شارل ديغول عام 1958، ركّز السلطة في أيدي القصر الرئاسي، ما جعل احتجاجات الشوارع والمظاهرات، دون قصد، هي البديل الديناميكي الوحيد لسياسة الحكومة. حتى الجمعية الوطنية مصممة لتكون تابعة لقصر الإليزيه، حيث يسكن الرئيس. هذا ليس عيبًا ولكنه سمة تميّز النظام الفرنسي.

إن أي شخص يتذكر المظاهرات الأكبر حجمًا في أواخر عام 1995، والتي أسقطت حكومة جوبيه، والتي كانت شرارتها إصلاحات نظام التقاعد، سيدرك دوام هذه الدينامية. في الحقيقة، من المفارقة أن هذه الحركة تستمد اسمها من قانون تفرضه الحكومة المركزية: تلك السترات الصفر الإلزامية. إن وجود سلطة مركزية للغاية، يفرز احتجاجات عفوية غير متجانسة. إن ابناء الجمهورية الفرنسية الخامسة، يشعرون أنه لو أردت أن تلفت انتباه السلطة المركزية، يتعيّن عليك النزول للشارع مرتديًا سترات مضيئة. 

وبمعنى أوسع، بالطبع، فقد تركت المظاهرات وقتال الشوارع-بما في ذلك أعمال العنف- أثرًا لا يُمحى على التاريخ الفرنسي منذ الثورة الفرنسية. ففي السنوات التي سبقت الجمهورية الخامسة، يتذكر المرء أعمال الشغب التي ارتكبها اليمين المتطرف، والتي خرّبت باريس ضمن حرب العصابات بين اليسار المتطرف واليمين المتطرف، والتي تركت جروحًا في فرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي، أو حركة "البوجاديين" (Poujadistes) في الخمسينيات- وهي حركة قادها أصحاب المحلات الصغيرة الذين، مثلهم مثل أصحاب السترات الصفر، شعروا بانهم يتعرضون للأذى والتجاهل من جانب الحكومة المركزية، وكانت لديهم بالمثل سياسات متناقضة. إن أشهر احتجاجات الجمهورية الخامسة هي أحداث مايو عام 1968. وبالرغم من أن تلك الاحتجاجات ماتزال تمثل ذكرى مضيئة في العقول الطوباوية، إلا أن السياسات التي تبنّتها كانت غامضة، وأحيانا، بشعة- في ذروة كابوس الثورة الثقافية في الصين، كانت "الماوية" تلقى رواجًا- وقد ارتبط اسم تلك الاحتجاجات بشكل رئيسي بالروح الثورية، تمامًا مثلما ارتبط اسم مهرجان " Woodstock" بالموسيقى، وليس الطين. 

لذا، فإنه ضمن الاتجاه "الرأسي" للتاريخ، لا تبدو الانتفاضة الحالية شيئًا جديدًا، بل جزءًا من انتفاضة متكررة. في الاتجاه "الأفقي"، جغرافيًا، يبدو تعسفيًا حصر أسباب هذا السخط في هذا الإجراء أو ذاك لحكومة ماكرون، وذلك بالنظر إلى وجود حالات سخط مشابهة اجتاحت أوربا وأمريكا، ومازالت تمضي قدمًا في البرازيل وجبهات أخرى جديدة. وكما هو الحال مع البريكست وظاهرة برلسكوني الإيطالية وظاهرة ترامب الأمريكية والحركات المتطرفة في وسط وشرق أوربا، التي تُسمى بصورة غير ملائمة "شعبوية"، فإن البحث عن سبب داخلي واحد يبدو حجة خاطئة تفشل في قراءة التطورات العالمية المعقدة. 

لقد اجتهد الصحفيون للاستفسار عن مظالم السترات الصفراء، واكتشفوا وجود شكاوى اقتصادية ممزوجة بنظريات مؤامرة وسخط تجاه "النخب". بالتأكيد، فإن عدم المساواة التي أصابت أمريكا، أصابت فرنسا أيضا. كما أن الانقسام الريفي-الحضري، الذي ظهر بصورة واضحة للغاية في انتخاباتنا التي انتهت للتو، يبدو قويًا بنفس الدرجة هناك: السترة الصفراء هي شعار ريفي، نادرًا ما يتواجد في المدن. 

وبطبيعة الحال، اغتنم المعلقون على اليسار واليمين فرصة الاحتجاجات الفرنسية للترويج لوجهة نظرهم الإيديولوجية: أعلنت صحيفة ول ستريت جرنال في افتتاحيتها أن السترات الصفر قدمت دليلاً إضافيًا بان النخبة الخضراء لا تفهم السخط الشعبي تجاه الشواغل البيئية، لا سيما التغير المناخي. لقد أصبح ماكرون، الذي نصّب نفسه بوصفة الرئيس المعارض لترامب، هدفًا مفضلاً لمؤيدي ترامب. لقد انحاز ترامب نفسه، بأسلوبه المعتاد، إلى جانب السترات الصفر ضد الطاقة الخضراء، لكن انحيازه هذا يبدو أنه يعود لاعتقاده بأن المحتجين يدعمونه.

أما الصحفيون اليساريون، فقد أصرّوا أن السبب الحقيقي للحركة هو ثوري ومتجذر في كراهية الليبرالية الجديدة. نحن نشهد من جديد إصرارًا من جانب اليسار التقدّمي مفاده أن كل الحركات الشعبية، بصرف النظر عن خطابها الرجعي أو حلفائها البغيضين، هي حركات يسارية لم تكتشف بعد طبيعتها الحقيقية. (لا شك أن مشاعر الإقصاء والحرمان موجودة في عموم فرنسا، كما هو الحال في أمريكا، لكن يجب القول أيضا إن البرامج الاجتماعية التي يتبناها مؤيدو "بيرني ساندرز" التقدميون هنا- مثل توفير رعاية صحية شاملة وإجازة أمومة مدفوعة الأجر وتعليم جامعي مدعوم حكوميًا- هي موجودة بالفعل في فرنسا.)

في فرنسا، أيضا، تحاول قيادات اليسار واليمين استغلال تلك الحركة. مع ذلك، نظرًا إلى التنظيم الجيد لليمين المتطرف والشعبية المثيرة للقلق التي يتمتع بها في العقود الأخيرة، فمن المؤكد أنه قد يكون الطرف الأكثر استفادة من حدوث أي تفكك اجتماعي: في أي منافسة تحدث بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف عقب رحيل ماكرون، فإن الرهان سيكون على "ماري لوبن". لهذا السبب، من المرجح أن تصبح حركة السترات الصفر الوجه الفرنسي لظاهرة ترامب- أو لظاهرة فيكتور أوربان أو حتى ظاهرة فلاديمير بوتين- بدلاً من كونها تبشّر بمستقبل أكثر تسامحًا.

في الواقع، فإن خطاب الحركة، الذي يصرّ على أن هناك نخبة عالمية تحاول تدمير الحضارة الفرنسية عبر التلاعب بالتمويل ورأس المال، يتناغم على نحو ينذر بالخطر مع الأشكال الكلاسيكية للقومية التي يتبنّاها اليمين الفرنسي المتطرف، بما في ذلك الفكر الفرنسي المحلي المعادي للسامية. (تماما مثلما يبدو القلق الاقتصادي لدى بعض مؤيدي ترامب متجذرًا في تصور بفقدان المكانة، بالإضافة إلى مشاعر السخط العرقي التي تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب الأهلية الأمريكية). لا شك في حقيقة أن حكومة ماكرون، مثلها مثل إدارة أوباما، عوّلت كثيرًا على خبرتها الخاصة، واستهانت بالعواطف الشعبية. لكن هذا لا يجعل العواطف الشعبية أساسًا لحكومة أفضل. 

إن الفكرة القائلة بإن الغضب أو حتى العنف يمكن أن يكونا قوة إيجابية في الحياة الاجتماعية، هي فكرة ثابتة- ما يزال حلم الثورة الرومانسي قويًا في فرنسا، وهو يهيمن بوجه خاص على ذكريات أحداث عام 1968- إلى جانب فكرة أنه من المثير العيش في زمن كهذا. في الواقع، الأمر ليس كذلك. فنحن نعيش في زمن، كما كتب "ديفيد بينون" الأسبوع الماضي في صحيفة الغارديان، تستمر فيه ما يسمّيه الأمريكيون المؤسسات الليبرالية، وما يسمّيه الفرنسيون المؤسسات الجمهورية، منذ زمن طويل جدا لدرجة أن الناس يفترضون بأن هذه المؤسسات قوية وطبيعية ما يجعلها تدوم للأبد على الرغم من تعرّضها لهجوم من جانب متطرفين متسلطين- بعضهم في السلطة، وبعضهم يسعى إليها. في الواقع، فإن المؤسسات الجمهورية هشّة بصورة مخيفة، وكما أصبحنا نرى في أوربا الشرقية، يمكن أن تنهار بوتيرة أسرع مما تخيله المرء.
 
بإمكان المرء أن يلمس وجود رغبة ملحّة داخل فرنسا وخارجها للتنفّع سياسيًا مما يحدث هناك: يقول طرف إن المحتجين غاضبون من الضرائب الخضراء، ولذلك هم جزء من ثورتناّ, ويقول طرف آخر: هم غاضبون من الليبرالية الجديدة وسيطرة الشركات الكبرى، وهذا جيد لفريقنا. هناك حقيقتان ثابتتان: الحقيقة الأولى هي أن تجاهل الغضب هو أمر خطير، والحل هو معالجته، بغض النظر عن عدم معقوليته، والحقيقة الثانية هي أن الغضب، بمفرده، لا يمكنه مطلقا أن يشكّل سياسات. إن أولئك الذين يراهنون على إمكانية الاستفادة من الغضب، أو استغلاله، سيخسرون في نهاية المطاف رهانهم، وأحيانا رؤوسهم. من المهم، كما تذكّرنا حركة السترات الصفر بصورة رمزية، أن يكون الشخص مرئيًا في بلده. لكن أن يكون الفرد مرئيًا، لا يعني بالضرورة أنه سيتم إنقاذه. فهذا يتطلب عملاً شاقًا لإحداث إصلاح حقيقي.   
   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق