ناشيونال إنترست | كيف ستكون شكل الحرب الأهلية الإيرانية التى تلوح فى الأفق؟


١٧ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٥:٣٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
لقد كان صباحًا دافئًا على غير المعتاد في شمال غرب إيران، وذلك على الرغم من أن الثلوج المتساقطة حديثًا قد غطت الجبال. حيث استمرت الاضطرابات الأهلية في هذه المنطقة لسنوات على خلفية الحرب والاضطرابات الإقليمية. تجمّعت الحشود في الميدان الرئيسي لمدينة "مهاباد"، لم تنتظر تلك الحشود طويلاً، صعد "قاضي محمد"، مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، المنصّة وألقى خطابًا مدته 15 دقيقة، أعلن فيه أن الكُرد شعب له خصوصيته، وله حق تقرير المصير مثل الأمم الأخرى. عندما اختتم حديثه، أطلق كل فرد في الحشد المؤيد المكوّن من ثلاثمائة شخص خمس طلقات نارية في الهواء، إحياءً لهذه المناسبة. 
في ذلك اليوم، غابت الحكومة المركزية الإيرانية عن الانظار، لقد كانت مشاكل الحكومة الإيرانية كبيرة، وكان جيشها يعاني من انشقاقات. وعلى أي حال، كانت القيادة الإيرانية أكثر انشغالاً بحفظ الأمن والاستقرار في طهران، ومواجهة التهديدات الخارجية من إرسال قواتها لحفظ النظام في الريف. 
القصة آنفة الذكر، بالطبع، تشير إلى إعلان جمهورية "ماهباد" في الثاني والعشرين من يناير 1946، وهو كيان استمر لنحو عام قبل أن يتمكّن الجيش الإيراني من إعادة سلطة طهران على المنطقة. لكن في تاريخ إيران الحديث، تكررت هذه القصة عشر مرات في القرن العشرين. لهذا، فإن هذا النوع من الاضطرابات والتمردات هو سيناريو من المرجح تكراره عقب وفاة المرشد الأعلى "علي خامنئي" في نهاية المطاف. 
تاريخ من الاضطرابات:  
لنعد مرة أخرى للتاريخ: في العقد الأول للقرن العشرين، أجرى "إدوارد جرانفيل براون"، وهو باحث بريطاني في شؤون الشرق الأوسط ومراسل حرّ لعدد من الصحف البريطانية، سردًا زمنيًا للانتفاضات ضد تجاوزات النظام الملكي الإيراني القمعية في الثورة الفارسية. في تلك الواقعة، أصبحت مدينة تبريز- التي كانت وقتها ثاني أكبر مدينة في إيران- المركز الرئيسي للحركة الثورية، وفقد الشاه في طهران فعليًا السيطرة على المدينة، وحاول من دون جدوى تجويع المدينة بهدف إخضاعها. 
ثم في العام 1920، بعد خمس سنوات من تمرد متقطع ناشئ عن حالة سخط واسعة تجاه القيادة الإيرانية التي كانت ما تزال فاسدة وديكتاتورية وتعسفيّة، أعلن "ميرزا كوشيك خان"، على سبيل المثال، جمهورية "جيلان" السوفيتية على طول القسم الغربي التابع لإيران في بحر قزوين.  
بعد مرور أربع سنوات - وقبل عام واحد من الانهيار النهائي للأسرة القاجارية- أصبح إقليم خوزستان، وهو إقليم تقطنه غالبية عربية في إيران، المسرح الرئيسي للتمرد الانفصالي ضد الدولة المركزية. لقد انتفض الشيخ "خزعل" من مدينة "المحمّرة"- وهي مدينة تعرف اليوم باسم آخر مشهر- متحديًا النظام الملكي الإيراني. استمر تمرّده شهرين قبل أن تتمكّن الدولة الإيرانية من إخماده. 
يعيش حفيد خزعل اليوم في دولة الإمارات، وهو لا يزال ملتزمًا بأهداف وإرث جده. 
في خضم فوضى الحرب العالمية الثانية وتداعياتها، لم ينتفض الكُرد فحسب، لكن انتفض أيضا الأذربيجانيون الإيرانيون (الذين تلقوا دعمًا من السوفيت، تمامًا مثل الكُرد). في زمن الثورة الإسلامية، انتفض الكُرد مجدًا ضد الحكومة المركزية، لقد أُخمد ذلك التمرد البسيط بصورة وحشية، كما شهد إقليم بلوشستان في جنوب شرق إيران لعقود طويلة ليس فقط تمردًا منخفض المستوى، لكنه كان أيضًا مسرحًا للإجرام المتفشي الذي تسببت فيه تجارة المخدرات الأفغانية. 
إن تمييز الجمهورية الإسلامية ضد السكان البلوش الأصليين لا يعود فقط لعرقيتهم المختلفة، ولكن يعود أيضًا لكونهم سنّة في بلد شيعي طائفي، وهذا الأمر تحديدًا يصبّ الزيت على النار.
انهيار أمن الحدود الإيرانية:
ببساطة، فإن التاريخ في إيران هو مجرد مقدمة. عندما تكون الدولة ضعيفة أو عندما تنهار الحكومات، تتمرد الأقليات المتململة التي تعيش في الأطراف، هناك أدلة كثيرة تشير إلى أن قوات الأمن الإيرانية بدأت تفقد سيطرتها. لا يقتصر الأمر على الاحتجاجات الاقتصادية التي بدأت منذ عام مضى والمستمرة على فترات متقطعة، ففي الأشهر الأخيرة، زادت جرأة الإرهابيين والمتمردين على طول أطراف إيران. 
لنأخذ مثلا الأهواز، وهي كبرى مدن إقليم خوزستان الغني بالنفط، وثامن أكبر مدينة في عموم إيران، في الثاني والعشرين من سبتمبر 2018، هاجم مسلحون عرضًا عسكريًا، ما أسفر عن مقتل خمسة وعشرين شخصًا. 
كان ذلك الهجوم الأكثر دموية في إيران منذ أن هاجم إرهابيون مسيرة للشيعة في مدينة "شابهار" الجنوبية عام 2010، ما أدى لمقتل ما يزيد على ثلاثين شخصًا، فيما ألقت التحقيقات الإيرانية التالية باللوم على خلية من أربعين إرهابيًا، تقول التقارير إن خمسة وعشرين منهم قد جرى إعدامهم، وقد تتفاخر السلطات الإيرانية بعدالتها السريعة، لكن ربما يتعيّن عليها بدلاً من ذلك التفكير في كيفية عمل مجموعة كبيرة كهذه لمدة طويلة من دون رصدها، وكيف تمكّن عدد من المسلحين من اختراق منطقة شديدة التأمين، وممارسة عمليات قتل بصورة فعّالة. صحيح أن بعض قتلى العرض العسكري كانوا مجرد متفرجين أبرياء، لكن لو كان جنود الجيش والحرس الثوري الذين سقطوا جراء الهجوم غير مسلحين، فإن ذلك يشير إلى مدى عدم ثقة النظام الإيراني في ولاء قواته.
بعد مرور شهر على ذلك الهجوم، تعرّضت قوات الأمن الإيرانية لهجوم مدمّر في موقع "ميرجافه" الحدودي، وهو المعبر الحدودي الرئيسي بين إيران وباكستان. في ذلك الهجوم، شنّ متمردون أو إرهابيون هجومًا مفاجئًا واختطفوا عشرة جنود إيرانيين داخل قاعدة إيرانية. في الثاني والعشرين من نوفمبر 2018، أعادت القوات الباكستانية خمسة من الرهائن، لكن مصير بقية الجنود لا يزال مجهولاً، حيث تشير التحقيقات الإيرانية إلى أن الهجوم على المعبر الحدودي كان، في جزء منه، عملية مدبّرة من الداخل، من الواضح أن الأمن على أطراف إيران بدأ يتداعى. 
في غضون ذلك، لا تزال كردستان العراق مسرحًا لتمرد واضطرابات مستمرة، وفي هذا الصيف، قُتل عشرة من جنود الحرس الثوري في هجوم واحد، كما أن الصدامات في المنطقة متكررة، وقمع النظام هو العامل الوحيد الذي يمنع انحدار المنطقة نحو تمرد شامل، فيما كان اضطرار الحكومة الإيرانية للإعلان عن حدوث تلك الهجمات بدلاً من إخفائها، دليلاً على أنه لم يعد بالإمكان إنكار وجود هذا التحدي، حتى في طهران. 
إن حديثي العهد بالسياسة الإيرانية الذين ينظرون إلى ديمغرافية هذا البلد ويرون تنوعها العرقي الكبير، يقترحون غالبًا فكرة اللعب بـ "الورقة العرقية" لدعم بعض هذه الحركات الانفصالية. هذا سيكون خطأ فادحًا. إن شعور إيران كأمة يسبق فكرة الدول التي بُنيت على أساس العرقية.  عندما حاول الأجانب في الماضي إثارة الاضطرابات العرقية، أدّى هذا فقط إلى توحّد الإيرانيين من كال الأطياف حول العلم، بغض النظر عن مدى قبح الحكومة. 
إن غزو الرئيس العراقي السابق صدام حسين لإيران في عام 1980، ربما أنقذ الثورة الإسلامية التي كانت قد بدأت بالفعل بالخروج عن السيطرة. لحسن الحظ - وبعكس ما تقوله الدعاية الإيرانية - لم تدعم الولايات المتحدة ولا أي قوة أخرى الحركات الانفصالية في إيران في مرحلة ما بعد الثورة.
التحديات الأمنية في مرحلة ما بعد خامنئي:
لكن، مع تأخر صحة المرشد الأعلى "علي خامنئي" واقترابه من شهوره أو سنواته الأخيرة، يبدو أن سيطرة الحكومة المركزية على الأطراف بدأت تزداد ضعفًا. إن الفراغ الذي سيعقب موته، ربما سيعني حدوث انتفاضات محلية متزامنة. وبالرغم من أن الحرس الثوري الإيراني سيبقى على الورق قوة كبيرة، إلا أن شغور منصب زعيم النظام وقائده العسكري الأعلى، ربما سيضع الحرس في مواجهة ضد عدد من الانتفاضات والتمردات المحلية في خوزستان وكردستان وبلوشستان. لكن من غير الواضح مدى فاعلية الحرس الثوري في مواجهة هذه التحديات. 
إن مجتمع الاستخبارات الأمريكي يعاني من نقطتين معتمتين فيما يتعلق بالحرس الثوري الإيراني. الأولى هي الانقسامات الفصائلية في الحرس، بينما يعترف الجميع بأن الحرس ليس كيانًا متجانسًا- ينضم بعض الرجال من أجل المزايا فقط - إلا أن هناك فهمًا قليلاً بشأن هوية وأعداد الجهات التي تمثل الأيديولوجيات الحقيقية داخل هذه المنظمة. النقطة الثانية تتعلق بالوحدات الفردية. في عام 2007، أعاد "محمد علي جعفري، القائد الحالي للحرس الثوري، تنظيم الحرس، وتم بمقتضى القرار وضع وحدة عسكرية واحدة في كل إقليم (ووحدتين في طهران) بهدف حفظ النظام. لكن من غير المعلوم ما إذا كانت كل وحدة إقليمية للحرس مكوّنة من جنود من أبناء الإقليم الذين يخدمون فيه. إن الإجابة على هذا التساؤل، ستشير إلى ما إذا كانت الأيديولوجيا تتفوق على الولاء عندما يُؤمر الجنود بإطلاق النار على الحشود التي قد تضمّ عائلاتهم وأصدقاءهم أو زملاءهم في الدراسة. عندما يموت خامنئي، من المرجح أن يعود أولئك الذين لا يعتنقون أيديولوجية النظام الثورية ببساطة إلى بيوتهم، ما سيزيد فقط من تشجيع الكُرد والبلوش وربما العرب على التمرد. حتى لو بقى الحرس الثوري مواليًا بشكل كبير للنظام، فإنه سيكون مشغولاً بتأمين مدن إيران الكبرى-طهران ومشهد وأصفهان وتبريز- فضلاً عن البنية التحتية النفطية لإيران، سيملأ المتمردون والمجالس المحلية الفراغ، وقد يعلن البعض الاستقلال، وربما يغلّف آخرون حركاتهم بمطالب تحقيق الفيدرالية.
 
في عشرينيات القرن الماضي، ومنتصف الأربعينيات وفي زمن الثورة الإسلامية، استغرق النظام الإيراني شهورًا، وفي بعض الحالات، سنوات لإعادة النظام إلى الأطراف. إن نجاح "رضا خان"، مثلاً، وهو ضابط من ضباط القوزاق، في إخماد التمردات، جعل منه في أول الأمر بطلاً عسكريًا، ثم جعل منه في عام 1925 شاه إيران. من غير الواضح ما إذا كان هناك قائد إيراني يقبع منتظرًا داخل الرتب المتوسطة في الجيش أو الحرس الثوري الإيراني، وإن لم يكن كذلك، ماذا سيكون رد فعل طهران والمنطقة والعالم على انهيار الدولة الإيرانية وتفسّخها؟ لو كان التاريخ مرشدًا، فإن العالم ربما لن ينتظر طويلاً لمعرفة الإجابة.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق