ناشيونال إنترست| العودة للخلف.. كيف يكرر الغرب نفس الأخطاء التى قام بها عام 1914 ؟


٢٥ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٥:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

 

شهد هذا العام الذكرى المئوية على نهاية الحرب العالمية الأولى، التي مات فيها نحو ستة عشر مليون أوروبي، وتدمرت فيها دولتان أوروبيتان عُظميان، وأُصيبت فيها بقية الدول بالشلل التام. ربما ينظر المؤرخون أيضًا إلى هذا العام بوصفه العام الأخير للفترة الزمنية الفاصلة بين الحروب الباردة، إذْ بعد تسعة وعشرين عامًا من الهدوء النسبي انتقلت القوى العالمية الرئيسية إلى وضعية العداء الهيكلي المتبادل والعميق.

كما شهدت الحرب العالمية الأولى أيضًا ولادة آفتيّ الشيوعية والنازية؛ ما أدّى لاحقًا لاندلاع الحرب العالمية الثانية، والتي كادت أن تفني الحضارة الأوروبية عن بكرة أبيها، نتيجة لتلك الكوارث، انتهى تقريبًا وجود كل النخب السياسية والثقافية التي قادت بلادها نحو الحرب في عام 1914، أما روسيا والنمسا، فقد تعرضتا للتدمير. ويختلف المؤرخون بشأن الأسباب والجهات التي تستحق اللوم عن كارثة 1914، لكن هناك شيء واحد يتفق عليه الجميع: المكاسب التي كان من المتصور أن تحققها القوى العظمى بدخولها تلك الحرب، لا تُقارن أبدًا بالخسائر التي كانت ستجازف بتكبّدها.

أثناء الحرب العالمية الأولى، صوّر البريطانيون والفرنسيون، وانضم إليهم الأمريكيون لاحقًا، الحرب باعتبارها حرب الحضارة ضد البربرية الألمانية، وبعد مرور مائة عام، يستطيع المرء القول إن النظامين البريطاني والفرنسي كانا عمومًا أفضل من النظام الألماني، لكن على المرء الاعتراف أن المواطنين الجزائريين الذين كانوا يخضعون حينها للإمبراطورية الفرنسية، والمواطنين الأفارقة الخاضعين للإمبراطورية البريطانية، ربما كان لهم رأي مختلف، كما أن وجود الإمبراطورية الروسية في تحالف ديمقراطي مفترض كان أمرًا غريبًا.

وكما اتضح لاحقًا، فإن الخطر البربري الحقيقي على الحضارة الأوروبية لم يأت من المؤسسات الأوروبية الحاكمة في عام 1914. بل جاء من مشاعر الكراهية والتوترات التي وُلدت داخل المجتمعات الأوروبية نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في العقود السابقة، والتي أطلقت الحرب العنان لها.

إن أحد الأسباب التي جعلت النخب المحافظة للدول الأوروبية قبل عام 1914 تشجع القومية المتشددة في مجتمعاتها، كان يعود إلى اعتقاد تلك النخب أن ذلك سيصرف أنظار الجماهير بعيدًا عن الاشتراكية، وبالتالي تتم المحافظة على النظام الأوروبي القديم، بيد أن حساباتها كانت خاطئة بصورة كارثية.

أخشى أنه في خضمّ حماستها للدخول في حرب باردة جديدة ضد الصين وروسيا، قد ترتكب المؤسسات الأوروبية الحاكمة اليوم خطأً شبيهًا بذلك الذي ارتكبه أسلافها عام 1914. أخشى أن يحكم علينا المؤرخون في المستقبل بالمعايير القاسية ذاتها، وهذا لا يُعزى بصورة رئيسية لخطر حدوث حرب عالمية، لكن لأن هذه الحرب الباردة الجديدة تعمل - وفي بعض الدوائر يجري استخدامها بشكل مقصود - لصرف الأنظار عن أخطار أكبر ستسحقنا في نهاية المطاف إن لم تُعالج، كما أن النخب السياسية الغربية الحالية  غير راغبة تمامًا في معالجة هذه الأخطار لأن هذا سيتطلب إجراء تغييرات جذرية على مواقفها الأيديولوجية الراهنة. وفي ضوء هوس النخب الغربية بفكرة تفوقها الأخلاقي والحضاري، فإن هذه النخب تقع أيضًا في الفخ الأخلاقي الذي حذر منه "هانز مورغينثاو" (وهو معارض للعدوان السوفيتي في زمن الحرب الباردة، وهو أيضًا يهودي ألماني مطلع بشكل معمّق على الأوهام الحضارية التي ساعدت على وقوع كارثة الحرب العالمية الأولى):

"ترفض الواقعية السياسية فكرة وجود علاقة بين الطموحات الأخلاقية لأمة بعينها وبين القوانين الأخلاقية التي تحكم الكون... إن المساواة السخيفة بين قومية محددة وبين العناية الإلهية هي فكرة سخيفة لا يمكن الدفاع عنها، فخطيئة التكبّر بالتحديد هي ما حذر مؤلفو التراجيديات اليونانية والأنبياء منها الحكام والمحكومين، كما أن هذه المساواة أيضًا خبيثة سياسيًّا لأنها مسؤولة عن تشويه الحُكم الذي يدمّر الأمم والحضارات في ظل الجنون المسعور".

قد يلاحظ مؤرخو المستقبل أيضًا المفارقات المتعددة في فكرة قيادة الولايات المتحدة لـ "رابطة جديدة من الديمقراطيات" ضد "تحالف الاستبداد". في آسيا، بالطبع، سيتضمن هذا التحالف المعادي للصين جهات مثل الشيوعيين الفيتناميين والشعبويين الفلبينيين المستبدين القاتلين، وفوق كل ذلك الفاشيين الهندوس الجدد في الهند، حتى في أوروبا، فإن أشدّ الدول الأوروبية عداوة لروسيا، بولندا، هو شبيهة لروسيا من الناحية الأيديولوجية، أما في الولايات المتحدة، ربما سنتضرع للسماء لكي يُهزم ترامب في انتخابات عام 2020، ويُستبدل بزعيم أكثر إقناعًا يقود "العالم الحر". علاوة على ذلك، تشير كل الأدلة الآن إلى أن فرنسا سوف تنتخب في عام 2022 رئيسًا من حزب "الجبهة الوطنية".

إن صرف الأنظار عن السخط المحلي عبر خلق عداوة خارجية، حتى إن لم يؤد لوقوع حرب كارثية، نادرًا ما ينجح؛ لأن العوامل التي خلقت هذا السخط باقية لم تتغير. هل يعتقد أي أحد تحدث إلى أصحاب السترات الصفر في فرنسا حقًّا أن روسيا هي التي تقف وراء أفعالهم؟ هل  دَرَسَ أي طرف بجدية أزمة الطبقات العاملة البيضاء في الولايات المتحدة (على سبيل المثال، روبيرت بوتنام أو توماس فرانك) يستطيع القول إن سبب تصويت هؤلاء العمال لترامب هو نتيجة تأثرهم بالدعاية الروسية؟ إن هؤلاء الأشخاص الذين يرددون هذه المزاعم، يجدر بهم دراسة رابط أكثر أهمية بين التطورات في روسيا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى عامل أكثر أهمية ساهم في صعود نجمي بوتين وترامب: ارتفاع معدل الوفيات بين ذكور الطبقة العاملة في روسيا في تسعينيات القرن الماضي، والولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. لقد ازداد معدل الوفاة هذا للأسباب ذاتها: الأمراض وحالات الإدمان الناتجة عن انعدام الأمن واليأس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

أما في وسط أمريكا، هناك نسخة أكثر فظاعة من هذه الأمراض تدفع ملايين الأشخاص للانتقال للولايات المتحدة، ما يؤدي في المقابل لولادة حالة من التطرف في بعض القطاعات السكانية في الولايات المتحدة، ومع ذلك، كان إجمالي المساعدات الأمريكية المقدمة للمكسيك في عام 2017 أقل من تلك المقدمة لأوكرانيا أو مصر، بل كانت جزءًا بسيطًا من تلك المقدمة لأفغانستان. هل يمكن لمؤسسة وطنية مسؤولة بحق أن تهمل جوارها بهذه الطريقة؟  

يكمن خلف هذه المشاكل تهديد أكثر خطورة يتمثل في التغير المناخي، الذي يهدد بإلحاق ضرر بالولايات المتحدة والغرب، يفوق بكثير الضرر الذي يمكن للحكومتين الصينية أو الروسية إلحاقه أو تتمنيان إلحاقه بالمنطقة. المفارقة المضحكة المبكية أنه، وفي خضم الهستيريا بشأن الصدام العسكري البسيط بين روسيا وأوكرانيا في بحر آزوف، وفي ظل غياب أي تغطية إعلامية في الولايات المتحدة، كان هناك مثال على تعاون أمريكي - روسي وثيق: اجتمعت الحكومتان على منع تبنّي تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن التغير المناخي.

هذا لا يعني أنه ليس هناك تهديدات حقيقية من روسيا والصين، وأن هناك مجالات (خاصة التجارة) تحتاج الولايات المتحدة فيها للتصدي لهاتين الدولتين، لكن كل هذه قضايا محدودة يمكن التفاوض بشأنها أو احتواؤها، فضلاً عن أن أيًّا من هذه القضايا لا يبرر المحاولة من جديد لإعادة هيكلة الاستراتيجيات والمؤسسات الوطنية للولايات المتحدة وأوروبا حول مبدأ الحرب الباردة، وإن لم ينقل "نكيتا خورشوف" ملكية القرم من جمهورية روسيا السوفيتية إلى جمهورية أوكرانيا السوفيتية في عام 1956، لاعترف الجميع بسيادة روسيا على بحر "آزوف"، وما كان لهذه المشكلة أن تكون موجودة أصلاً. في بحر الصين الجنوبي، تتصدى الولايات المتحدة للصين باسم القانون الدولي للبحار، الذي لا تعترف به الولايات المتحدة أصلاً، ولو أُصيب الصينيون بالجنون وفكروا في استخدام موقعهم في بحر الصين الجنوبي لعرقلة التجارة الأمريكية، فإن الأسطول البحري الأمريكي يمكن أن يمنع التجارة الصينية إلى بقية العالم. وهكذا تسير الأمور.

لقد كانت هناك بالطبع عوامل مهمة دفعت الدول الأوروبية للحرب في عام 1914، بيد أن العامل الذي قاد إلى الحرب فعلاً هو مطالبة القوميين الصرب بالسيادة على البوسنة الخاضعة لحكم النمسا، ما أدى لاغتيال الأرشيدوق "فرانز فيرديناند" في سراييفو. ويبدو من المرجح إلى حد كبير، أن ما مِن جندي واحد من بين كل مائة جندي بريطاني قضوا في الحرب العالمية الأولى، سمع مطلقًا في السابق عن مطالب القوميين الصِرب، أو عن سراييفو.
باسم الرب.. دعونا لا نكرر هذا الخطأ مرة أخرى.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق