ناشيونال إنترست | العودة للواجهة.. كيف تسعى اليابان نحو قيادة آسيا؟


٠٣ يناير ٢٠١٩ - ٠٤:١٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



أعلن الرئيس دونالد ترمب مؤخرًا أن رؤية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح" ستشكل جزءًا من سياسة بلاده في آسيا، ولا شك أنها رؤية استراتيجية ستربط اليابان وشرق آسيا بالهند في جنوب آسيا، بهدف الحفاظ على نظام دولي تحكمه القواعد.

غير أن سياسة "المحيط الهادئ والهندي الحر المفتوح" هي رد قوي على عدوانية بكين في بحر الصين الجنوبي، وربما تكون أداة لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تمتد من آسيا حتى أوروبا.

إن رؤية المحيط الهادئ والهندي المفتوح ليست مفهومًا جديدًا، فأول من دعا إليها كان رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" في عام 2006، يمكن إدماج منطقتي المحيطين الهندي والهادئ في منطقة واحدة تسيطر عليها دول ديمقراطية متاشبهة التفكير، مثل اليابان والهند والولايات المتحدة وأستراليا، فيما لم تدعم الولايات المتحدة فكرة "آبي" في ذلك الوقت، لكن يبدو أن إدارة ترمب تدعم هذه الرؤية الاستراتيجية التي تهدف لمواجهة صعود الصين الاقتصادي والعسكري.

ربما تحمل استراتيجية المحيط الهادئ والهندي طموحات وفرصًا عظيمة لليابان والولايات المتحدة ودول آسيوية أخرى، لكن هذه الاقتراح يصطدم في هذه المرحلة بفجوة هائلة بين المؤسسة وتشكيل الهوية.

لقد أثارت فكرة تحويل أسطورة "المحيط الهادئ والهندي" إلى حقيقة، نقاشًا سياسيًّا وأكاديميًّا في الغرف السياسية الآسيوية، وهذا الأمر يمثل بوجه خاص قضية ملحة للقوى الرئيسية في آسيا، لأن نجاح فكرة المحيط الهادئ والهندي ترتكز على تشكيل هوية مشتركة - أي مدى إمكانية تجاوز الهند واليابان وإندونيسيا مصالحهم الوطنية، والتوصل لتفاهم جماعي. بالتالي، فإنه من الضروري رسم خارطة طريق لسياسة اليابان الخارجية فيما يتعلق بتنفيذ استراتيجية المحيط الهادئ والهندي في آسيا، والتركيز على دعم التواصل والتنوع والتعاون.

هناك نقاشات سياسية ساخنة تدور في اليابان الآن بسبب مخاوف مشاركة الولايات المتحدة وإستراليا في إستراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح"، والتي قد تقلل من دور اليابان في هذه الاستراتيجية، لكن ينبغي ملاحظة أن هناك طريقًا مجديًا للحكومة اليابانية لكي تستأنف زعامتها الخطابية في صياغة استراتيجية المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح. تتضمن رؤية "منطقة الازدهار المشترك في شرق آسيا الكبرى" عنصرين يوفران أساسًا للمحظورات والمسموح به لخطاب اليابان السياسي، وهذان العنصران هما رفض الهيمنة الغربية والحصول على الاستقلال عبر التنوع.

إن العودة إلى الخطاب والمنطق اللذين يرتكز عليهما الخطاب الياباني المتعلق بالوحدة الآسيوية، يساعد حكومة "آبي" على اقتناص الفرصة الاستراتيجية لكسب دعم الجمهور داخل اليابان وخارجها. عندما تواجه الحكومة اليابانية منافسة شديدة بين الصين والولايات المتحدة، فبإمكانها التقليل من التأثيرات السلبية لتصويرها بأنها قوة توسّعية، واكتساب صورة إيجابية باعتبارها شريكًا للدول النامية.

دروس مستفادة من مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية
خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، روّجت اليابان لرؤية اسمها "منطقة الازدهار المشترك في شرق آسيا الكبرى" (المشار إليها أدناه بمنطقة الازدهار المشترك) وهي عبارة عن مفهوم إقليمي يمتد من شرق آسيا إلى جنوب شرق آسيا والهند وأوقيانوسيا. كانت تلك الرؤية تهدف لإنشاء دول آسيوية تقودها اليابان، لكنها متحررة من القوى الاستعمارية الغربية، إذ أشار رئيس الوزراء الياباني في حينها "فوميمارو كونو" إلى أنه ينبغي على اليابان أن "ترفض نزعة السلام الأنجلو-أمريكية" في ذلك الوقت. مع ذلك، استغل العسكريون اليابانيون لاحقًا تلك الرؤية لدعم جهود بناء الإمبرطورية والتوسع الإقليمي. ومع هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، بقى مفهوم "منطقة الازدهار المشترك" حلمًا يابانيًا لم يتحقق، بالرغم من نمو اليابان الاقتصادي. وللوهلة الأولى، فإن الدرس الذي يمكن لليابان أن تتعلمه من الماضي هو "عدم تحدّي النظام العالمي" و"السعي جاهدة لإدماج نفسها في المؤسسات الليبرالية".

مع ذلك، هناك جانب آخر لمفهوم "الازدهار المشترك"(التنوع والتنمية) يلقي الضوء على كيف أن اليابان لديها قدرات عظيمة لتشكيل مستقبل استراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح". قد تكتسب الدبلوماسية اليابانية في آسيا وخارجها دعمًا أوسع عبر عودتها إلى خطابها السابق بشأن الرخاء والتكامل والاستقلال بين الدول الآسيوية. بإمكان "آبي" أن يشرح باستفاضة هذه المميزات أثناء ترويجه لاستراتيجية المحيط الهادئ والهندي.

التواصل والتنوع
إن ما يستطيع "آبي" تعلمه من مفهوم "منطقة الازدهار المشترك" يكمن في بناء طريق شامل ومتنوع للنمو والرخاء للدول النامية في آسيا وخارجها، ولقد حاول المفهوم الأصلي تحرير الدول الآسيوية من الهيمنة الغربية عبر الاستقلال، وما زال جوهر هذه الفكرة يلقى دعمًا وسط الدول الآسيوية عند مواجهتها منافسة شديدة بين الصين والولايات المتحدة، في حين ينبغي على اليابان، من هذا المنطلق، أن تؤدي دور الوسيط الموثوق فيه بين الدول النامية والقوى العظمى.

على سبيل المثال، بإمكان اليابان الترويج بشكل نشط لمبادرة "الممر الآسيوي الإفريقي" مع الهند لتقوية  التعاون الاقتصادي والتتنمية المستدامة في إفريقيا. وخلافًا لمبادرة "الحزام والطريق"، التي تركز على الطاقة والبنية التحتية، يمكن لليابان والهند استعارة خطاب "الاستقلال والتنوع" من مفهوم "منطقة الازدهار المشترك" لدعم المشاريع التنموية في مبادرة الممر الآسيوي الإفريقي، كما ينبغي وضع خطط تنموية مصممة خصيصًا لملاءمة الحاجات الخاصة للدول الإفريقية، إذ تمر معظم هذه الدول بمراحل مختلفة من النمو الاقتصادي.

علاوة على ذلك، ربما تستفيد الهند أيضًا من هذا الخطاب الداعي للتنوع والتواصل، وذلك نظرًا إلى تقليدها العريق المتمثل في اتباع سياسة خارجية مستقلة، وتفضل اليابان والهند أن تكون لديهما مساحة أكبر للمناورة، وتفادي التورط في صراعات بين الصين والولايات المتحدة.

لقد تحدث القليل فقط من اليابانيين بشأن استراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح" من باب مفهوم "منطقة الازدهار المشترك"، لأنهم يعتقدون أن هذين المفهومين متعارضان، كما أن هذه الافتراضات مبنية على تفسيرات تقليدية مفادها أن جوهر مفهوم "منطقة الازدهار المشترك" يهدف لتحدّي النظام الدولي بقيادة الغرب، من دون إيلاء نفس القدر من الاهتمام للعناصر الواعدة أكثر من غيرها لكن لم يتم تحقيقها: التنوع الثقافي والتواصل الإقليمي والتنمية الاقتصادية.

مستقبل استراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح": الابتعاد عن الخطاب التوسُّعي
تشير اللغة الصادرة عن مفهوم "منطقة الازدهار المشترك" أيضًا إلى كيف أن تاريخ اليابان في زمن الحرب أظهر أن الخطاب القومي ربما يحصر أفكار السياسة الخارجية في "مصالح اليابان" فقط، ما جعل ذلك الخطاب يبدو وكأنه مجرد دعاية في عيون الدول الآسيوية. بالتالي، فإن جوهر استراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح"، ينبغي ألا يستفز الصين ويثير مخاوف الدول الآسيوية بشأن ماضي اليابان الاستعماري.

والأهم من كل هذا، هو أن اليابان تحتاج إلى الابتعاد عن إصدار تصريحات رسمية تستهدف الصين على وجه التحديد. على سبيل المثال، كانت دبلوماسية طوكيو المعروفة بـ "قوس الحرب والرخاء" موجّهة ضد بكين، وقد افترض ذلك الخطاب ضمنيًا أن الصين الصاعدة ربما تُشكّل خطرًا على آسيا.

يشدد الخطاب الراهن لاستراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح" على نشر الأفكار الغربية الليبرالية؛ مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون في آسيا وخارجها. إن هذه الاستراتيجية الخطابية تؤدي بسهولة إلى نتائج عكسية متمثلة في خلق توترات إقليمية بين أعضاء استراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح" والصين، وهو ما يقوّض فرص التنمية والتنوع، كما يمكن لليابان بل وينبغي عليها الاشتراك بصورة قوية في إعادة صياغة الخطاب السياسي الخاص باستراتيجية "المحيط الهادئ والهندي الحر والمفتوح"، لأن تحقيق الوعد الخاص بـ "التواصل والتنوع" سيتجنب استهداف الصين، ويفسح المجال للتعاون.

وكما ذكر رئيس الوزراء الياباني مؤخرًا في القمة الآسيوية - الإفريقية، فإن آسيا وأفريقيا هما أرض خصبة للتنمية، ويمكن لليابان والهند أن تكونا شريكين موثوق بهما للدول النامية في هذين المنطقتين.

إن هاتين النقطتين الجوهريتين لمفهوم "الازدهار المشترك" توفران رؤى ثاقبة لكيف يمكن أن تصبح النخب اليابانية صاحبة خطاب حاذق يروّج للأفكار والسياسات في آسيا وخارجها، كما يمكن لليابان بالتأكيد أن تؤدي دورًا أكبر في صياغة استراتيجية المحيط الهادئ والهندي، ما دامت قادرة على التعلُّم من التاريخ.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق