فورين بوليسي | لماذا لا يعتبر القضاء على تنظيم داعش أولوية بالنسبة لتركيا؟


٠٣ يناير ٢٠١٩ - ٠٤:٢٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



لقد كتبت في الصيف الماضي مقالًا بصحيفة "فورين بوليسي" تحت عنوان: "ترامب هو أول رئيس يفهم تركيا بطريقة صحيحة." ظن بعض من أصدقائي وزملائي أنني جُننت بينما كان الرئيس الأمريكي يكتب تغريدات قاسية على تويتر من أجل التأثير على المسئولين الأتراك واقتصاد تركيا.

بالطبع, أنا لم أكن أمدح التغريدات المتطرفة, وإنما رغبة إدارة ترامب في حشد الضغط العام على أنقرة حول عدد من القضايا، سواء اعتقال المواطنين الأمريكيين وسجنهم دون وجه حق, أو استهداف الصحفيين, أو نية شراء أسلحة متطورة من روسيا, أو التهديدات الموجهة للجنود الأمريكيين الذين يخدمون في سوريا. وعندما أُطلق سراح أندرو برونسون, الراهب الأمريكي الذي ظل محتجزًا في تركيا لعامين, في شهر أكتوبر الماضي, أكد هذا لي أن التعامل بحزم مع تركيا كان أفضل من الدبلوماسية الخاصة المكثفة التي جرّبتها الإدارات السابقة مع أنقرة.
 
مع هذا, تمضي الحياة سريعًا، تحولت تركيا على ما يبدو من غريم إلى شريك في غضون أشهر قليلة، والرجل الذي اتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشن "حرب اقتصادية" على تركيا سيزورها الآن في 2019. كان الزعيمان قد أجريا مكالمتين هاتفيتين خلال 10 أيام. لكن هذا التقارب المفاجئ متعلق بصورة مباشرة بقرار الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا في أسرع وقت ممكن, تاركًا أردوغان, الذي هدد في وقت سابق الضباط الأمريكيين بـ"صفعة عثمانية" والذي فعل كل ما في وسعه لتعقيد القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا, لإبادة التنظيم وإرساء الاستقرار في المنطقة.

هل يستطيع أردوغان الوفاء بالتزاماته الظاهرية؟ ليس من الواضح أنه سيفعل – لكن ليس لأن تركيا غير قادرة. على العكس, على الرغم من أن الولايات المتحدة وتركيا تبدوان وأنهما قد عالجتا اختلافاتهما, لكن مصالحهما في سوريا لا تتواءم.

لا أحد متأكد لماذا قرر ترامب يوم 19 ديسمبر الإعلان عن أن المهمة الأمريكية في سوريا قد أُنجزت، إنه على الأرجح مزيج من نزوة رئاسية والهواجس التي عبّر عنها الرئيس في السابق حول الانتشار العسكري المفتوح بالخارج، وبغض النظر عن ذلك, سوف يُنهي الانسحاب الأمريكي من سوريا بفاعلية العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية, ومكوّنها الرئيسي قوة مقاتلة كردية تُسمى وحدات حماية الشعب.

في القائمة الطويلة للقضايا التي تسببت في انقسام بين الولايات المتحدة وتركيا, كانت المشكلة الأكبر هي علاقة الجيش الأمريكي بوحدات حماية الشعب، وبالنسبة إلى الجنود الأمريكيين الذين يعملون مع الجماعة, فإن وحدات حماية الشعب هي القوة البرية الأكثر موثوقية لأمريكا ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لكن الأتراك يرون الأمور بطريقة مختلفة, حيث يزعمون أن وحدات حماية الشعب هي في الحقيقة حزب العمال الكردستاني باسم مختلف. كان حزب العمال الكردستاني, الذي صنفته واشنطن وأنقرة كجماعة إرهابية, يشن حملة عنيفة ضد تركيا منذ الثمانينيات، خشي الأتراك بصورة مبررة من أن الولايات المتحدة تساعد على قيام دولة إرهابية على حدودهم، والآن, انتهى كل ذلك, ولهذا سيُحتفى بترامب في تركيا في 2019.

بطريقة غريبة, الخطوات التي اتخذها الرئيس في سوريا وتركيا متعلقة بسياسته تجاه إيران. يعتقد البعض داخل الإدارة أنه عن طريق التخلي عن وحدات حماية الشعب – والموافقة على بيع صواريخ باتريوت للأتراك – سوف تسحب الولايات المتحدة تركيا مجددًا إلى مدار واشنطن، هذا التقارب الأمريكي -التركي المتجدد سيعيد أردوغان شريكًا مستعدًا لاحتواء إيران. نعم, كان أحد التبريرات لوجود القوات الأمريكية في سوريا هو ردع إيران, لكن الأتراك لم يكونوا أبدًا شريكًا في هذا الجهد، لقد ساعدوا إيران في التهرب من العقوبات خلال فترة لا بأس بها من رئاسة باراك أوباما, وفي الوقت الحالي تطلب أنقرة إعفاءً دائمًا لشراء النفط الخام الإيراني.

هذا لأن المسئولين الأتراك لا يعتبرون إيران تهديدًا، فبالنسبة لهم, إيران فرصة اقتصادية وتوفر نفوذًا دبلوماسيًا مع الولايات المتحدة، كما أنه في أوقات كثيرة خلال عهد أوباما عندما كان هناك توتر بين واشنطن وأنقرة, كان أردوغان أو غيره من المسئولين الأتراك رفيعي المستوى يظهرون في طهران وهم يمدحون القيادة الإيرانية، ويوفرون غطاءً لأنشطتها النووية. كان هذا كله جهدًا لإرغام الولايات المتحدة على إسقاط ما كان يجعل واشنطن مستاءة من تركيا في ذلك الوقت، هذا النمط مستمر، منذ بضعة أسابيع فقط, ظهر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في صورة وهو يبتسم ويمسك بيد نظيره الإيراني, جواد ظريف, في إسطنبول.

إن ما يجعل أي شخص يعتقد أن مغادرة الولايات المتحدة لسوريا ستشجع الأتراك على الانقلاب على إيران أمر غامض.

لم يذكر ترامب منطق إدارته المعقد بخصوص إيران, مفضلًا التركيز على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، ووفقًا للبيت الأبيض, مبدئيًا على الأقل, هُزمت قوات أبو بكر البغدادي, ومن ثم لم يعد هناك سبب للبقاء في سوريا (حُجة مشروعة بامتياز). عدّل الرئيس لاحقًا هذا الادعاء, معلنًا أن تركيا ستُنهي المهمة التي بدأتها القوات الأمريكية ووحدات حماية الشعب, ثم تتأكد من عدم عودة تنظيم الدولة الإسلامية.

من الناحية النظرية, العمل مع تركيا ضد تنظيم الدولة الإسلامية ليس فكرة سيئة، فهي دولة تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو بجميع أنواع الأسلحة فائقة التكنولوجيا ومشغلي القوات الخاصة. مع هذا كانت الحكومة التركية لا مُبالية, في أفضل الأحوال, بخصوص الانضمام إلى القتال. عندما كانت إدارة أوباما تبحث عن حلفاء لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في صيف 2014, قال الأتراك إن أفضل طريقة لحل المشكلة هي تغيير النظام في دمشق، كما صرّحت أنقرة بأن لها أولويات أخرى – أبرزها, محاربة القومية الكردية. بعدها بعام, وافقت على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية لكنها لم تنضم للقتال بصورة فعلية، وصحيح أن الشرطة التركية ضبطت خلايا متطرفة مزعومة, من ضمنها مقاتلين تابعين لتنظيم الدولة الإسلامية, لكن في ميدان المعركة لم تنشغل سوى بوحدات حماية الشعب ومستشاريها الأمريكيين.

هل من المفترض بنا الآن أن نصدق أن أردوغان ملتزم بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية حتى النهاية؟ من شبه المؤكد أن الأمر هو إما أن ترامب يسمع ما يريد سماعه, أو أنها كذبة من الرئيس الأمريكي أو التركين وكان وسيظل الشاغل المسيطر على تركيا هو تدمير منطقة الحكم الذاتي الكردية في سوريا الخاضعة لهيمنة وحدات حماية الشعب وفرعها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطين، وبالنسبة لأردوغان, سيزيل الانسحاب الأمريكي من سوريا العقبة الرئيسية أمام تدمير وحدات حماية الشعب، ولا يوجد سبب لتصديق أن الأتراك سيحولون انتباههم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في الوقت الذي كانوا مركزين فيه بشدة على التهديد الكردي لأمنهم.

ربما بمجرد أن يتخلصوا من وحدات حماية الشعب، والذي ربما لا يكون سهلًا مثلما يعتقد المسئولون الأتراك؛ نظرًا للقتال الطويل ضد حزب العمال الكردستاني، وسوف يوّجه الجيش التركي انتباهه إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وسيكون هذا تطورًا إيجابيًا, لكن المختصين في البنتاجون أخفوا شكوكهم لفترة طويلة.

إنهم يعتبرون الوكلاء السوريين لتركيا, الذين من المفترض أن يُستخدموا للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية, ليسوا مدربين جيدًا وغير جديرين بالثقة.

بيد أن التحول في العلاقات الأمريكية - التركية كان مذهلًا في سرعته وطريقته , لا بُد وأن المحللين والبيروقراطيين والدبلوماسيين في واشنطن الذين جادلوا بأن الولايات المتحدة يجب أن تحفظ شراكتها الاستراتيجية مع تركيا في طمأنينة الآن، مع هذا, حتى في هذا التقارب, الاختلافات بين البلدين واضحة، يريد ترامب إعادة قواته إلى الوطن لأنه يعتقد أن الأفضل للولايات المتحدة هو ألا تكون مقيدة في أرض أجنبية من دون أهداف واضحة، هذا أمر مقبول، يريد أردوغان أن تغادر القوات الأمريكية ليس لأنه سينفذ تعليمات أمريكا الأخيرة في سوريا, بل ليستطيع متابعة المصالح التركية هناك. وستُراق دماء المزيد من السوريين والأكراد والأتراك نتيجة لذلك، وتوجد حُجج جيدة للرحيل عن سوريا, لكن تسليم تركيا كل شيء تريده من الولايات المتحدة في العملية ليس في صالح أحد.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق