HISTORY | نابليون نموذجاً.. ما هى السمات التى يجب على القائد تفاديها تجنباً للسقوط؟


٠٧ يناير ٢٠١٩ - ٠٤:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد


يُعد صعود وسقوط نابليون بونابرت واحدًا من الأحداث الأكثر إثارة في التاريخ المدوّن، فقد أحدث الجنرال ورجل الدولة الفرنسي، الذي نصّب نفسه إمبراطورًا، ثورةً في مؤسسات الدولة العسكرية والقانونية والتعليمية، لكن بعد فشل بعض حملاته التوسعية الأكثر جرأة, أُجبر على التنحي ونُفي بخزي في نهاية المطاف.  

ما الذي دفع نابليون للصعود: هل هي العبقرية الفائقة؟ أم الطموح المرتفع؟ أم القدر؟ وما الذي أدى إلى سقوطه؟ جنون السلطة؟ أم العجرفة؟ أم القدر؟ أم أن الإجابة أقل إثارة؟

إن النظرة المقربة وراء الصور البطولية والأزياء الفخمة تكشف بعض الأمور المذهلة عن هذا الرجل الصغير العظيم (لقد كان صغير الحجم). ولعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو عدد العُقد التي عانى منها, التي تضمنت الإحساس بالدونية الطبقية, وانعدام الأمن المالي والحسد الفكري والقلق الجنسي, والإحراج الاجتماعي والحساسية المفرطة المستمرة من النقد.

لقد قادت هذه السمات, جميعها, طموحه الصارخ, وقوّضت مساعيه العظيمة، وفي النهاية عطلّت إرثه التاريخي.. فما هى حكاية الصعود والهبوط النابليونى؟

تصميم على الصعود
وُلد نابليون بونابرت لأسرة تعد نفسها من نخبة مدينة أجاكسيو الواقعة في جزيرة كورسيكا الفرنسية، بيد أنها لم تكن أسرة ثرية وعاشوا بطريقة مُقتصِدة, وتكدسوا في غرف قليلة في منزل قديم.

نجح والده المتغطرس في الحصول على مركز نبيل، وكانت له طموحات أكبر لأبنائه، لكن نابليون لم يستطع إخفاء أنه كان يخجل منه, واعترف لاحقًا بأنه وجدّه "مولع بالأرستقراطية السخيفة في ذلك الوقت." مع هذا, كان هو أيضًا مصممًا على الصعود.

لقد أصبح مدركًا للحواجز الاجتماعية في سن التاسعة عندما ترك المنزل والتحق بالأكاديمية العسكرية في بريين بشمال فرنسا. إن أصوله الأجنبية ولغته الفرنسية الشنيعة (لقد نشأ على التحدث باللهجة العامية الإيطالية لكورسيكا) ومكانته النبيلة المريبة جعلته عُرضة لتهكُّم زملائه.
على الرغم من أنه كوّن عددًا قليلاً من الأصدقاء – وكان يقدر على أن يكون منفتحًا بشكل ملحوظ مع الأطفال أو الجنود والخادمين البسطاء – واصل نابليون على مدار حياته إبعاد نفسه عن المحيطين به بغطرسة دفاعية لاذعة.

لقد دفعه الإحساس بأنه وحده في مواجهة العالم إلى إظهار أنه يستطيع التفوق على الآخرين دهاءً. أثناء عمله جاهدًا للتفوق في عمله كضابط مدفعية, قرأ بشراهة وحاول (بطريقة غير ناجحة) كتابة مقالات فلسفية وسياسية وروايات، وعندما رُشح عام 1797 لمعهد فرنسا, كان يحب إثارة إعجاب أعضائه بالحوار المثقف عن كل المواد من الموسيقى إلى العلوم. ولاحقًا, في إرفورت عام 1808, اقتطع من وقت المفاوضات مع قيصر روسيا ليُبهر جوته بعلمه.

مطاردة الربح القذر
لقد رحب باندلاع الثورة الفرنسية في يوليو 1789, عندما كان على وشك بلوغ العشرين من عمره – ليس فقط لأنه كان جمهوريًّا, بل أيضًا لأن إزالة الحواجز الطبقية فتحت آفاق جديدة على المستوى السياسي والشخصي. لكن عندما وجد نفسه في باريس الثورية بعد خمس سنوات, واجه الجنرال نابليون ذو الـ26 عامًا عالمًا مفزعًا يحكمه شيئان لم يكن يمتلك الكثير من الخبرة بهما: المال والجنس.  

لقد شعر بالذعر من حالة الهرج التي أعقبت نهاية ما يُعرف بعهد الإرهاب, وعندما لاحق المضاربون الثروات في مناخ اقتصادي محموم؛ ندد نابليون بسلوكهم, مع هذا لم يستطع مقاومة الانضمام لهم، وعندما توفي والده عام 1785, لم يترك سوى الديون, تاركًا نابليون يرعى والدته وسبعة إخوة, براتبه كضابط.

تفوق إغواء جني المال في وقت قصير على طموحاته العسكرية، حيث كان يضارب على شراء وبيع ممتلكات المهاجرين أو النبلاء الذين تم إعدامهم بالمقصلة, وجلب الكماليات المهربة، مثل القهوة والسكر والجوارب الحريرية. وعلى الرغم من أن كرهه لما سمّاه "رجال الأعمال" لم يغادره, لم يتركه أيضًا تصميمه على امتلاك النقد الجاهز، وعندما وصل للسلطة كان يملك بحوزته دائمًا علبة صغيرة من العملات الذهبية، كان أيضًا يرى المال كمفتاح لتحقيق الأهداف التي وضعها لنفسه, وإقامة مؤسسات جديدة وبناء الأشغال العامة.

وخلال حملته الأولى في 1796-1797, والتي جرّد فيها هو وجيشه إيطاليا من كل شيء, وصولًا إلى كنوزها الفنية, اكتشف أن الحرب قد تكون مربحة، ومنذ ذلك الحين فصاعدًا حرص على أن تحقق كل حملة ربحًا، كانت الحملتان التي لم تفعلا ذلك – مشروعه الإسباني وغزو روسيا عام 1812 – هما ما كانا سيثبتان سقوطه.

عدم الثقة في الجنس
الشيء الآخر الذي أثار أعصابه في باريس الثورية هو الرخصة الجنسية التي صاحبت الانفراجة التي أعقبت نهاية عهد الإرهاب، كانت تجربته الجنسية الشخصية قاحلة, وسلوكه متزمتًا بطريقة دفاعية، وعندما كان في المدرسة العسكرية اشتكى من أن السلطات لم تفعل ما يكفي لحمايتهم من "الرذيلة," وهاجم صديقًا مثليًا.

لقد مارس الجنس لأول مرة عندما كان في الثامنة عشرة مع ساقطة, وكتب في الصباح التالي مقالًا عن التجربة كما لو أنها تجربة علمية. وكتب فيما بعد "حوار عن طبيعة الحب"، مجادلًا فيه بأنه في الواقع "مجرد إحساس ضار بالمجتمع."

لقد تعرف بعد ذلك على جوزفين, وهي محظية بارعة تكبره بست سنوات, حينها فقط اكتشف متعة الجنس وظن أنه في الجنة، ثم تزوجها, لكنها خانته خيانة صارخة, ما أكد موقفه الأصلي، هذا دفعه لتكريس رأيه عن النساء والجنس كشيء مدمر في كتابه الأعظم: "Code Napoleon" (قانون نابليون), حيث وضع قيودًا صارمة على حريتهن في التصرف، في الوقت الذي ساندته القناعة بأن النساء في حاجة للسيطرة عليهن في إصراره على الإدارة التفصيلية لجميع الأنشطة البشرية والتحكم بها.

الخوف من النظر إليه على أنه ضعيف
تسبب انعدام الأمن الجنسي وعدم الثقة في النساء في ترسيخ إحجامه أو عجزه عن الاختلاط بالآخرين, ما عرقل علاقاته الدبلوماسية التي اعتبرها مواجهات كان عليه أن يبدو رابحًا فيها، كما أنه لم يستطع مطلقًا أن يرى أن التنازل الحكيم ربما يجعله يربح مزايا أكبر. على سبيل المثال, لو كان مد في معاهدة أميان عبر السماح لبريطانيا بالاحتفاظ بمالطا في 1803, كان من الممكن أن يستخدم هذه الفترة الزمنية في تعزيز موقفه, وإعادة بناء اقتصاد فرنسا وقوته البحرية.

كان المزيج المكوّن من هذا الخوف من أن يُنظر إليه على أنه ضعيف في المفاوضات ورغبته في استخلاص أكبر قدر من الأموال من الطرف المهزوم يعني أن كل معاهدة وقّعها تركت الطرف الآخر متعطشًا للانتقام، فيما قاد صفقة صعبة ومُذلة مع النمسا في 1805 بعد معركة أوسترليتز والتي دفعت النمساويين لمحاولة استعادة بعض أراضيهم المفقودة, وشنوا الحرب مجددًا في 1809، وعلى الرغم من أنه هزمهم مرة أخرى وفرض عليهم معاهدة سلام أكثر قسوة, بيد أن الواقعة منعته من التهدئة مع إسبانيا؛ ما أدى إلى عواقب وخيمة، وعني هذا أن النمسا ستشارك في سقوطه.

السعي جاهدًا لمواكبة النبلاء
بقدر ما كان مذعورًا من العلاقات المتعددة لجوزفين, فُتن نابليون بخلفيتها الأرستقراطية المفترضة، وتحمس أكثر بخلفية زوجته الثانية الأرشيدوقة النمساوية ماري لويس، وحيث إنها كانت قريبة لماري أنطوانيت, كان يشير إلى "عمه" الملك لويس السادس عشر ويستمتع بحقيقة أن حماه كان إمبراطور النمسا.

في ذلك الوقت كان نابليون سيد أوروبا, حيث توّج نفسه إمبراطورًا وولى العديد من إخوته على العروش، لكن في الوقت الذي كان يستمد فيه الرضا من الاختلاط بأفراد العائلة الملكية الأكبر سنًا وإجبارهم على الزواج من أفراد عائلته, ظل مدركًا بشكل مثير للشفقة أنهم يبغضونه سرًا ويعتبرونه شخصًا عاميًا.  

هذا أثر بشدة على سلوكه وسياسته, ويقطع شوطًا طويلًا في شرح مسارها الكارثي، لقد أوضح لعائلته: "ألا ترون أني لم أولد على العرش, وأني كان عليّ الحفاظ عليه بنفس الطريقة التي وصلت بها إليه, بالمجد, وأن الشخص الذي يصبح ملكًا مثلي لا يمكنه التوقف, وأنه يجب عليه مواصلة الصعود, وأنه سيخسر إذا وقف ساكنًا."

مفرط الحساسية وعُرضة للاعتداد بالنفس
بدأ صعوده في ربيع عام 1796, عندما تولى قيادة جيش إيطاليا – المكوّن من رعاع مثيرين للشفقة يعانون من نقص التغذية وسوء التسليح، وقد حسّن مستواهم بمزيج من الانتصارات والتودد, وأرسل نشرات كاذبة إلى باريس تعظّم أهمية كل مناوشة, وتمدح شجاعتهم وتشير إلى ذكائه، كما احتاج لأن يجعل الحكومة تصدق أنه لا غنى عنه, لكنه شعر أيضًا بحاجة لتعزيز مكانته. لقد نجح في غضون أشهر في إقناع قواته والحكومة والرأي العام بأنه شخص استثنائي.

لقد استمر في تعزيز هذه الصورة بنجاح لدرجة أنه استطاع تحويل واقعة عادية في مصر إلى أسطورة وإقناع الكثيرين في فرنسا بأنه منقذ الأمة المُقدّر، هذا مكنّه من الاستحواذ على السلطة والبدء في إعادة بناء فرنسا من أنقاض الثورة.

غير أن مخاوفه الفطرية جعلته حساسًا بشدة تجاه أي نقد، وفي الوقت الذي يسيطر فيه نابليون على قوة غير مسبوقة, استمر في الكفاح لبناء صورته عن طريق فرض رقابة على الصحافة واستبعاد من تحدثوا علنًا في المجالس التشريعية، وقد غضب على نحو خاص من الصحافة البريطانية؛ لأنها نشرت مقالات بذيئة تتناول بإسهاب الأصول الوضيعة والسلوك السييء لعائلته, وغضب من رسّامي الكاريكاتير مثل "رولاندسون" الذي صوّره كمُهرّج.

من جهتها دعمت الحكومة البريطانية المؤامرات التي لم تهدّد حياة نابليون فحسب, بل استقرار الدولة التي شيدها، وهذا هو أكثر ما دفعه إلى تولي التاج الإمبراطوري, على الرغم من أن الرغبة في الانضمام إلى نادي الملوك لعبت دورًا. مع هذا, كلما ارتفعت مكانته شعر بالحاجة لتعزيز صورته عبر استخدام الفخامة الإمبراطورية التي لم تثر إعجاب أحد، ومع مرور الوقت, بدأت انتصاراته العسكرية في إصابة رعاياه بالضجر.

في حين أنه كان يدمر قدرة النمسا وروسيا وبروسيا عبر انتصاراته المذهلة في أولم وأوسترليتز وجينا وفريدلند, تلقى تقارير من باريس بأن الناس كانوا يطمحون إلى إنهاء القتال بحيث يستطيعون مواصلة حياتهم. في ذلك الوقت, بدأ حظه الاستثنائي الذي قاده من انتصار إلى انتصار, في جعله يصدق الدعايا التي صنعها لنفسه, بأنه كان محبوب القدر. مع هذا, لم تستطع هالة المجد أن تُخفي الهشاشة الكامنة.

الحاجة لإظهار القوة بأي ثمن
عندما بدأ القيصر ألكسندر في تحديه, شعر نابليون بالتهديد لدرجة أنه جمع أعظم جيش رآه العالم في محاولة لجعله ينسحب، لكنه لم يفعل, وكانت نتيجة هذا هو الغزو المشؤوم لروسيا، في حين توسل إليه وزراؤه وقادته العسكريون لكي يعقد معاهدة سلام بأفضل شروط متاحة, لكنه شعر بأنه لا يستطيع فعل ذلك.

بينما كان بصدد الانسحاب من موسكو, حاول مجموعة من الجنرالات الاستيلاء على السلطة عن طريق الإعلان عن مقتله في المعركة، لكن المخطط فشل وكشف إلى نابليون أن صَرح مجده الإمبراطوري قائم على أقدام من صلصال، وعند سماع خبر موته, لم يتصرف أحد كما كان سيحدث إذا كان ملكًا حقيقيًا – عن طريق الهتاف "مات الإمبراطور, عاش الإمبراطور" وإعلان صعود ابنه إلى العرش.

هذا أضعف مصداقيته أمام نفسه، خلال الحملات في عامَي 1813 و1814, عندما كان يحارب في ثلاث جبهات ضد أوروبا كلها, رفض بصورة متكررة الفرصة لعقد الصلح وإنقاذ عرشه, بسبب شعوره بأنه لا يستطيع تقديم التنازلات اللازمة. لقد قال للمستشار النمساوي الأمير مترنيش, "ملوككم, المولودون على العرش, يمكنهم أن يتحملوا الهزيمة 20 مرة ويعودوا إلى عواصمهم, أما أنا لا أستطيع, لأنني جندي حديث العهد."

لقد استمر في خوض معركة خاسرة منذ فترة طويلة, يائسًا لتحقيق نصر مدوي والذي اعتقد إنه قد يسترد تقديره المنخفض لذاته. وعلى نحو مثير للسخرية, بعد أن خسر عرشه وحُرم من المخاطبة كملك من طرف سجانيه البريطانيين على جزيرة سانت هيلينا, حينها فقط نجح في استعادة هذا وإظهار صورة عن العظمة أثناء الهزيمة والتي لا تزال تُبهر الناس حتى اليوم.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق