مركز الدراسات الاستراتيجية | انتخابات وإصلاحات ومنافسة.. ما الذي يحمله عام 2019 لأفريقيا؟


٠٩ يناير ٢٠١٩ - ٠٣:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



سيكون العام 2019 عامًا حاسمًا لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وستشهد هذه المنطقة عددًا من الانتخابات الرئاسية في تسع دول على الأقل، من بينها نيجيريا وجنوب إفريقيا، كما ستظل هذه المنطقة غارقة في صراعات في الكاميرون وجمهورية إفريقيا الوسطى ومالي ونيجيريا وجنوب السودان والصومال، وستجذب المنطقة أيضا اهتمامًا أكبر من الشركاء الدوليين الذين ينظرون باضطراد إلى هذه المنطقة باعتبارها مركزًا للتهديدات العابرة للحدود الوطنية ووجهة للاستثمار وساحة للمنافسة الجيوستراتيجية.

لمعاينة بعض الأحداث الرئيسية في عام 2019، جمع "برنامج إفريقيا" في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قائمة للدول والقضايا المهمة التي يجدر مراقبتها في هذا العام، وكانت على النحو التالي:

 الفوضى في الكونغو
تقترب جمهورية الكونغو الديمقراطية من نقطة انعطاف خطيرة بسبب نتائج الانتخابات الرئاسية المطعون في صحتها، فيبدو الرئيس "كابيلا" مصممًا على تنصيب خليفته "إيمانويل رمضاني شاداري"، بالرغم من قناعة معظم المراقبين، من بينهم الكنيسة الكاثوليكية ذات التأثير الكبير، بأن "شاداري" خسر الانتخابات، وتؤجل مفوضية الانتخابات، التي أشرفت على عقد انتخابات غير منظمة وفوضوية، إصدار النتائج، وبات من المؤكد تقريبًا أنها ستتلاعب بالنتائج لصالح مرشح كابيلا.

وفي ضوء وقوف معظم أعضاء المعارضة والجمهور العام بقوة خلف "مارتن فايولو" الناشط السياسي الذي عمل مديرًا تنفيذيًا لإحدى شركات النفط، يُنذر العام 2019 بحدوث اضطرابات سياسية وانفلات أمني كبير، ولو نجح كابيلا في فرض "شاداري" قائدًا للكونغو، فإنه من المرجح أن يتولى "شاداري" منصبه من دون تفويض ديمقراطي، وسيواجه "رمضاني" موجات من الاحتجاجات السياسية، وتصاعدًا في الأنشطة العسكرية في مناطق ساخنة، من بينها كينشاسا وليبومباشي وجوما وبيني. كما سيكافح للسيطرة على وباء الإيبولا في "كيفوس" المتوقع استمراره لخمسة أشهر أخرى.

إن الموقف السياسي الضعيف لـ "شاداري"- على الأقل أثناء خضوعه لعقوبات الاتحاد الأوروبي وبقائه في ظل كابيلا- ربما يدفعه لإطلاق يد الأجهزة الأمنية ليظهر سيطرته على الوضع.

 انتخابات في نيجيريا
خلال فبراير تستعد نيجيريا لعقد انتخابات رئاسية هي الأكثر تنافسية، وربما الأهم منذ عودتها للحكم المدني عام 1999. وسيتنافس الرئيس الحالي "محمد بخاري" ونائب الرئيس الأسبق "أتيكو أبو بكر"، وكلاهما من شمال نيجيريا، للفوز بأرفع منصب في هذا البلد. ويقدم المتنافسان للناخبين رؤى متناقضة بشأن الاقتصاد والفساد والأمن والفيدرالية، مع ذلك، هناك إشارات إنذار مبكر بأن الانتخابات ستشهد بعض الاضطرابات والتلاعب بالأصوات، بالرغم من تعهّد المرشحَين بحفظ السلام، غير أن أيًّا منهما لم يفعل ما يكفي لمنع داعميه من المشاركة في العنف أو شراء الأصوات، ولو سارت الانتخابات بشكل سيء، فإن هذا سيشلّ أهم بلد في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وسيفاقم من تحدياتها الاقتصادية والأمنية الكبيرة.  

 الإصلاحات في إثيوبيا تواجه اختبارًا
ستتعرض جهود رئيس الوزراء الإثيوبي "أبي أحمد" الحثيثة لإصلاح بلده لضغط أكبر هذا العام، فمنذ توليه السلطة في إبريل 2018 سعى لتحقيق السلام مع إريتريا المجاورة، ورحب مرة أخرى بالمعارضين السياسيين، وأجرى تغييرًا وزاريًا ضمّ عددًا متساويًا من النساء الوزيرات، وفي حين رحّب العالم بإصلاحات "أبي"، تواجه هذه الإصلاحات مقاومة في الداخل، ولا سيما من النخبة التابعة لقبيلة "التيغراي" التي حكمت إثيوبيا في الماضي، كما فشل "أبي" أيضًا في كبح العنف العرقي في الأقاليم، فمنذ يناير 2017، تشرد 1.4 مليون شخص بسبب القتال، عندما تعرض للضغط، لجأ "أبي" لأساليب عنيفة لنزع سلاح معارضيه، من بينها إجراء اعتقالات وإغلاق الإنترنت.  وفي عام 2019، سيضطر "أبي" لمواجهة مقاومة أكثر ثباتًا ضد برنامجه للتغيير، ما سيمهد الساحة لأخطار كبيرة على حكومته.

 تصاعد المنافسة الأمريكية - الصينية
ستتخلى الولايات المتحدة والصين عن الدبلوماسية في عام 2019، وسوف تستخدمان أساليب أكثر تصادمية لتحقيق مصالحهما. لقد كان حديث مستشار الأمن القومي "جون بولتون" في ديسمبر بمثابة طلقة تحذيرية، حيث اتهم الصين بانتهاج سلوك افتراسي يعرقل النمو الاقتصادي، فيما ردّت الصين بالقول إن "بولتون" ينبغي عليه تعلم عدم "التفوّه بأمور دون تفكير" بشأن دور الصين في إفريقيا، مشيرة إلى اتهام غير مثبت بأن بكين تستعد للسيطرة على شركة الكهرباء الحكومية في زامبيا.

ومن المرجح أن يتبنّى الجانبان عقلية "نحن وهم"، وهو ما سيؤدي بالتأكيد لتنفير الحكومات والشعوب الإفريقية. من جانبه اتهم رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي "موسى فقي" بالفعل الطرفَين بـ "التعامل مع الأفارقة كأطفال". كما ينبغي مراقبة تصاعد التوترات في جيبوتي التي ستستضيف أول قاعدة عسكرية صينية في الخارج على بعد أميال من "معسكر ليمونير" التابع للجيش الأمريكي، حيث تستعد الصن كما يبدو للسيطرة على ميناء جيبوتي التجاري.  

  العنف يعصف بوسط مالي
سيواصل التمرد الإسلامي في مالي ترسيخ نفسه في غرب إفريقيا، وسيوسّع عملياته في مالي وفي بوركينا فاسو المجاورة.
إن الصراع في وسط مالي، والذي زاد بصورة ملحوظة في مطلع 2015، هو مزيج معقد من العنف داخل الجماعات وفيما بينها، وأعمال اللصوصية والعمليات الجهادية، ويستغل فرع القاعدة في الساحل الإفريقي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والمظالم المحلية، لا سيما وسط عرقية "البيول"، وقد شنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عددًا من الهجمات في بوركينا فاسو، لذا قد تسعى إحدى الجماعات المنشقة التابعة لتنظيم داعش، والتي طُردت من منطقة الحدود بين مالي والنيجر بفضل عمليات المليشيات المدعومة فرنسيًا، للحصول على ملاذ آمن في أقصى الجنوب. يستفيد المتمردون من تقاعس حكومة مالي وإحجامها عن معالجة الدوافع المحرّكة للعنف، وبالرغم من الموت المزعوم للقائد المالي المتطرف البارز "أمادو كوفا"، بيد أنه من المؤكد أن الوضع الأمني سيواصل التدهور.  

 عام حافل ينتظر جنوب إفريقيا
سيواجه رئيس جنوب إفريقيا "كريل رامبوسا" تحديات مضنية في سعيه لإصلاح اقتصاد دولته، واستعادة زعامتها الأخلاقية أثناء فترة عضويتها في مجلس الأمن الدولي، ومساعدة حزبه لتحقيق فوز في الانتخابات.

في فبراير 2018، نجح رامبوسا، النقابي العمالي والمدير التنفيذي السابق في إحدى الشركات في تسجيل بعض النقاط لمجرد أنه جاء خلفًا لسلفه "جاكوب زوما" المثقل بالفضائح. لكن شهر العسل لرامبوسا قد انتهى، تاركًا إياه أمام خيارات جيدة قليلة لتحقيق تقدم في البلاد، وسط حالة من الكساد وانتخابات عامة مثيرة للجدل. هو لا يمكنه التعويل بالكامل على حزبه الذي تسوده الانقسامات والجروح بسبب اتهامات الفساد، لكن ذلك يجعله يخاطر بتعرضه للحصار من جانب منافسين سياسيين يتبنون سياسة متطرفة تدعو للسيطرة على أراضي البيض من دون دفع تعويضات لهم. ومن المتوقع أن يفوز "رامبوسا" في انتخابات 2019، لكن جهوده لإجراء إصلاح اقتصادي ربما تنتكس في مواجهة عراقيل هيكلية وأولويات سياسية متضاربة.

 الاحتجاجات ضد النظام السوداني
سيترنّح النظام السوداني تحت وطأة احتجاجات واسعة ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ولقد شهد السودان، الذي مرّ بضغوط اقتصادية حادة لسنوات عديدة، مظاهرات في عموم البلاد عقب إلغاء الحكومة هناك الدعم المقدم للخبز والوقود. وبالرغم من أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود هو السبب الرئيس للاحتجاجات، غير أن كثيرًا من المحتجين رفعوا شعارات مناهضة للنظام، ويبدو الرئيس عمر البشير غير مستعد لمواجهة هذه الاحتجاجات، والمعلوم أن البشير يتولى منصبه منذ عام 1989، ويسعى لتعديل الدستور للبقاء فترة أخرى في الحكم. هو لا يحظى بدعم مالي كبير من الخليج لدعم أركان حكمه، وحتى الآن، تردّد البشير في إطلاق أيدي أجهزته الأمنية بشكل كامل، لأن ذلك سيعكر صفو التقارب مع الولايات المتحدة، ولا شك أن الاحتجاجات التي تهدد بقاء النظام لها تاريخ ثري في السودان، حيث نجحت الاحتجاجات السابقة في إنهاء الحكم العسكري في عامي 1964 و1985، وعلينا توقع أن تصبح الحكومة السودانية أكثر يأسًا؛ ما سيدفعها لتصعيد إجراءاتها القاسية، مثل قطع الإنترنت واستخدام ذخيرة حية ضد المحتجين، لكن من غير المعلوم ما إذا كانت هذه الإجراءات ستكفي لإضعاف زخم الاحتجاجات.

 التمرد في موزمبيق يكتسب المزيد من القوة
سيتوسّع العنف الذي يعصف بإقليم "كابو ديلغادو" الغني بالنفط في موزمبيق، وسيؤدي لإرهاب المجتمعات المحلية وسيعطل الحركة التجارية، ومنذ حدوث الهجوم الأول في أكتوبر 2017، نفذ المتمردون (يُطلق عليهم اسم الشباب أو أهل السنّة والجماعة) نحو 45 هجومًا أدى لمقتل 194 شخصًا وإصابة 342 آخرين، وسلب أو حرق 750 منزلاً في سبع مقاطعات. لقد نفذت موزمبيق وتنزانيا المجاورة العديد من الاعتقالات، وهناك محاكمة سرية متواصلة لـ 189 شخصًا. مع ذلك، فإن الواقع هو أن القليل فقط يعرفون هوية الجهات التي تقف خلف هذه الاضطرابات أو ما إذا كان المتمردون لهم ارتباطات بمنطقة "الشاطئ السواحيلي" شمالاً. علاوة على ذلك، فإن الدول المتضررة ليست مهيئة لمواجهة هذه المشكلة؛ ما يمثّل أزمة كبيرة للمنطقة والمجتمع الدولي.

 بوروندي تدخل في صراعات مع جيرانا ومع نفسها
سيصعّد الرئيس "بيير نوكورنزيزا" من خطابه وأفعاله ضد معارضيه؛ ما سيزيد خطر حدوث المزيد من العنف في هذه الدولة المضطربة الواقعة في وسط إفريقيا. لقد واصل "نوكورنزيزا"، الذي فاز بفترة رئاسية ثالثة مثيرة للجدل في عام 2015، والذي عدّل الدستور عام 2018، نشر حالة من عدم الاستقرار في السياسة البوروندية وفي علاقات هذا البلد مع جيرانه. في الأشهر القليل الماضية، أصدرت حكومته أمر اعتقال ضد الرئيس الأسبق "بيير بويويا"، وطردت مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ووبّخت الاتحاد الإفريقي، واتهمت رواندا بتدريب متمردين بورونديين.

وبينما تعهّد "نكورونزيزا" بأنه لن يترشح لفترة أخرى عام 2020، إلا أن استفزازاته تشير إلى عكس ذلك، وحتى لو كان يحاول فقط التصدّي للتحديات التي تواجه سلطته، فإن هناك احتمالاً كبيرًا لحدوث خطأ في الحسابات، ولو استمر "نوكورنزيزا" في مهاجمة خصومه المحليين والخارجيين، فإن بوروندي ستشهد المزيد من الاضطرابات الخطيرة والعنف العِرقي.

   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق