مركز الشرق الأوسط | كيف سيصبح عام 2019 قاسياً على تركيا؟


٢١ يناير ٢٠١٩ - ٠٥:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



سيكون عام 2019 عامًا قاسياً على تركيا؛ فلا تزال العلاقات التركية - الأمريكية سيئة كما كانت عليه في يناير 2018، عندما أعلنت الولايات المتحدة عن قوة حماية ذاتية كردية في سوريا، وربما ازدادت تلك العلاقة سوءًا.

ترغب الولايات المتحدة الآن في التوصل لصفقة مع تركيا تحمي بموجبها الكُرد السوريين، حيث كان الرئيس ترمب ينوي تقديم هدية لأردوغان في الشهر الماضي، عندما أعلن عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وبدلاً من ذلك، ذهبت تلك الهدية في الواقع إلى موسكو ودمشق وطهران، وقد باتت كلمة هذه الدول الثلاث بشأن من يفعله الأتراك في سوريا أقوى من كلمة الولايات المتحدة، ولا تزال تركيا في موقف دفاعي مع روسيا بسبب فشلها في التخلص من الجماعات المرتبطة بالقاعدة في إدلب. ونظرًا لكونها الطرف الأضعف في عملية السلام، فإن تركيا سيتعيّن عليها القبول بأي شيء تراه روسيا وإيران وسوريا مناسبًا. وفي ضوء إعلان الانسحاب الأخير، لا تملك الولايات المتحدة الكثير لمساعدة تركيا في أي حالة.

حتى لو كانت الولايات المتحدة وتركيا متفقتين، فإنه لا تزال هناك قضايا كبيرة عالقة: مثل المعدات العسكرية والقواعد واستخدام القوة الجوية والعودة المحتملة للقوات الأمريكية لقتال داعش.

في حين تقول تركيا إنها ستواصل حملتها ضد تنظيم داعش الإرهابي، لكن مركز قوة داعش يقع على بعد مئات الأميال جنوب الحدود التركية، علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة باتت في وضع لا يؤهلها للترويج لفكرة إقامة منطقة عازلة على طول الحدود التركية - السورية، وذلك عقب إعلانها الانسحاب من سوريا.

كما أن الولايات المتحدة لا تملك الوسائل التي تمكّنها من تنفيذ صفقة كهذه. فقط سوريا، وثلاثي اتفاق الأستانة (روسيا وإيران وتركيا) بإمكانهم الاتفاق على منطقة عازلة كهذه.

إن عملية التغيير الأخيرة في قيادة الجيش التركي، تعكس وجود نقاش داخلي صعب بشأن ما يمكن لتركيا عمله على أرض الواقع في شمال شرق سوريا. هل تعتقد تركيا أنها تملك القدرة على السيطرة والإمساك بأراضٍ في شمال شرق سوريا ضد رغبة روسيا وسوريا وإيران؟ لو كانت تركيا تتظاهر بقدرتها على فعل ذلك، فإن حدوث انتكاسة لها في هذا الأمر ستظهر عجزها عن تحقيق أهدافها.

إن تصريحات تركيا الصحفية الإيجابية الحالية، تخفي وراءها جمودًا تجاه أي معارضة لخطط الحكومة، تستخدم تركيا كلمة "إرهابي" بكثرة. لقد اعتادت تركيا في السنوات الأخيرة وصف مَن تختلف معهم بالإرهابيين، بما في ذلك سياسيين معارضين وصحفيين وجمعيات خيرية وأساتذة جامعيين، والأمر الأكثر إذهالاً، هو اتهامها اللاعب التركي الأصل في دوري كرة السلة الأمريكي "أنيس كانتر" بالإرهاب. في خارج تركيا، هناك جهات قليلة فقط تثق في قدرة تركيا على التفريق بين الكرد "الجيدين" والكرد "السيئين" بمجرد اندلاع المعارك. لقد رفضت تركيا باستمرار إشراك كرد سوريا في التسوية السلمية في سوريا، وهو موقف يتجاوز معارضتها لـ "وحدات حماية الشعب" الكردية. مع ذلك، لم تلصق موسكو أو دمشق صفة الإرهاب بالأكراد، ويحتفظ هذان الطرفان بعلاقات تفاوضية مع قيادة أكراد سوريا.

يستهدف السيد أردوغان أيضا الأكراد ، تمامًا كما فعل مع التوغل في عفرين، لكسب الدعم قبيل الانتخابات المحلية المقرر عقدها في الحادي والثلاثين من مارس. نظرًا لمواجهة الاقتصاد التركي لتضخم هيكلي ونسبة بطالة عالية، لا سيما وسط الشباب، فإن حزب العدالة والتنمية يخاطر بزيادة تآكل قاعدته الشعبية.

ولا شيء يُظهر هذا التآكل بوضوح أكثر من اعتماد حكومة أردوغان على حزب "الحركة القومية" اليميني للفوز في الانتخابات المقبلة والبقاء في السلطة، يعلم الرئيس التركي كيف يفوز بالانتخابات وكيف يطوّع سياساته في الشؤون الخارجية والمحلية لتحقق هذا الهدف.

وعلى نطاف أوسع، كما لاحظ كثيرون، فقد تغيرت صورة سوريا والشرق الأوسط بأكملها منذ إعلان ترمب الانسحاب، ففي تغريدة واحدة في شهر ديسمبر تخلى ترمب بشكل عملي عن عملية سلام الأستانة والأمم المتحدة، فيما حاول وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" بقوة أثناء جولته الأخيرة لإقناع العالم أن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير، لكنها، بالطبع، تغيرت. اليوم، يبدو السيد ترمب متذبذبًا، فيما يبدو جون بولتون صداميًا، بينما يلعب "بومبيو" دور المُصلح، ولا يمكن لهذه الأدوار الثلاثة أن تستمر في التواجد مع بعضها، وقد باتت هذه التناقضات تقوّض من النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومهما كانت المحادثات التي تعقدها واشنطن مع أنقرة على الصعيد العملي، فإن الارتباك سيكون سيّد الموقف حتى تصبح السياسة الأمريكية واضحة وثابتة.

علاوة على ذلك، لا يرغب الشرق الأوسط في تمدّد القوة الإقليمية التركية، سياسيًا أو عسكريًا، لقد استخدم السيد أردوغان ببراعة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في أكتوبر 2018 لإضعاف مكانة السعودية في الشرق الأوسط، وإحراج الولايات المتحدة بسبب دعمها المستمر للرياض، لكنه لم ينجح في الإطاحة بالحكومة السعودية. ويمتلك أردوغان اليوم ثلاث قواعد في المنطقة، في قطر والسودان والصومال، وقد تنبّهت الدول العربية المجاورة لتركيا لهذا الأمر، ولا شك أن دعم رئيس تركيا القوي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو أمر لا يتحدث عنه دوليًا، يُقابل بالرفض الشديد من مصر والسعودية والإمارات، كما أن هذا الدعم لا يزال يمثل حركة أقلية في المنطقة. إن ثروة تركيا الاقتصادية لا يمكن أن تضاهي ثروة السعودية ودول الخليج، ومما لا يخلو من دلالة أن دول الخليج تَعتبر إيران الخطر الاكبر، حتى في الوقت الذي لا تعبّر فيه تركيا عن رفضها لوجود القوات الإيرانية في سوريا. يتذكر العرب تركيا بأنها سيّد مستعمر، وليس كصديق طيب، وهي لا ترغب في الانضمام لنادي تركيا.

يؤمن أردوغان أن بلاده مقدّر لها أن تصبح إمبراطورية عثمانية افتراضية لديها قوة ثقافية وسياسية واقتصادية وعسكرية تمكّنها من الدخول في مصاف أهم الدول في العالم، كما سعى لحصول تركيا على مقعد في الأمم المتحدة يمثل العالم الإسلامي، مكررًا القول: إن "خمسة مقاعد ليست كافية" للعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي. لقد أعرب أردوغان عن أسفه لخسارة أراضي الإمبراطورية العثمانية، واصفًا تسوية السلام التي وقّعت عليها تركيا عام 1923، والتي أقرها مصطفى كمال أتاتورك، بأنها فاشلة.

وطوال مسيرته الوظيفية، لم يذكر أردوغان مطلقًا أهدافه طويلة الأمد، لكن أفعاله توضح طبيعة هذه الأهداف، ومشكلته اليوم تشبه بالضبط المشكلة التي واجهت الإمبراطورية العثمانية في قرونها الأخيرة: فهو لا يملك الموراد التي تمكّنه من تحقيق أهدافه، والأمر الطبيعي هو أن يسعى قائد في وضعه لكسب صداقة الدول التي يمكنها تقديم الدعم له، وفي عالم اليوم، فإن هذا يعني بالنسبة لتركيا العمل مع أوروبا والولايات المتحدة داخل إطار مجتمع عالمي أوسع.

لقد بدت تركيا يوما مًا وكأنها ماضية في هذا المسار، لكن السيد أردوغان صمم على اتخاذ مسار مختلف؛ ما جعل تحقيق أهدافه أكثر صعوبة.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق