فورين بوليسي | بموجب اتفاق الدوحة .. كيف ستعود طالبان إلى حكم أفغانستان بتسهيلات أمريكية؟


٣١ يناير ٢٠١٩ - ٠٥:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس
 

ريان كروكر هو أحد أكثر الدبلوماسيين الأمريكيين احترامًا وتكريمًا، فهو حائز على وسام الحرية الرئاسي. وامتدت فترة خدمته في الخارجية لنحو 40 عامًا، حيث عمل سفيرًا للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا والكويت ولبنان. وعندما كان ملحقًا سياسيًّا في لبنان، نجا من تفجير السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983. وفي حواره مع "فورين بوليسي" يناقش كروكر أسباب اعتقاده أن إجراء إدارة ترامب لاتفاق إطاري مع طالبان هو خيانة للحكومة الأفغانية المنتخبة ديمقراطيًّا، والتي دعمتها واشنطن لنحو عقدين من الزمان. ويقول إن الإدارة الأمريكية ستمنح طالبان الفرصة للسيطرة على أفغانستان مرة أخرى مثلما كانت عندما استهدف أسامة بن لادن الولايات المتحدة في عام 2001، وإلى نص الحوار.



فورين بوليسي: ما هو رد فعلك على الأخبار الواردة بأن مبعوث الولايات المتحدة "زلماي خليل زاد" قد توصل إلى إطار اتفاق مبدئي مع طالبان؟
رايان كروكر: أعتقد أن المخاوف واضحة. حتى الآن لم تكن الحكومة الأفغانية حاضرة على طاولة المفاوضات. وهذا بالطبع شرط أساسي لطالبان رغم أنه ينزع الشرعية عن الحكومة، فطالبان لا تعترف بالحكومة، ولن تتعامل معها. لذا، أيًّا كانت الضمانات التي نعتقد أننا حصلنا عليها، فإن النتيجة – كما أخشى – ستكون مختلفة للأسف. فإذا انسحبنا ونحن نتحدث عن ذلك في إطار زمني مدته 18 شهرًا، بكل بساطة ستعود حركة طالبان وتسيطر على البلاد.

فورين بوليسي: صحيفة "نيويورك تايمز" أشارت إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تطالب بأن تكون الحكومة الأفغانية طرفًا في المحادثات، وأن هذه المسألة تركت معلقة.. هل تعتقد أن إدارة ترامب ستقف صامدة؟
ريان كروكر: هذه نقطة رائعة. أعتقد أن "زلماي خليل زاد" يبذل جهدًا كبيرًا، لكنه مقيد جدًا بالإدارة الحالية. لا أستطيع الوصول إلى معلومات حساسة من الإدارة، وهذا ما أظنه لكن الرئيس أعلن بوضوح أنه يريد الخروج. لذلك لا أعتقد أننا سنستطيع التركيز على العواقب طويلة المدى.

لقد رأينا ذلك من قبل في محادثات باريس للسلام مع فيتنام. لكنني أعتقد أن ما يجعل هذا الأمر خطيرًا على وجه الخصوص، على سبيل المثال، ما الذي سيحدث للنساء الأفغانيات؟ النساء اللاتي دعمناهن للتقدم، اللاتي بذلنا جهدًا كبيرًا لعودتهن إلى المدارس. ماذا عنهن؟ فليس هناك تأكيد أو ضمان أثق به بأن طالبان ستقوم بذلك. من سيفرضه عليهم؟

فورين بوليسي: أنت تتحدث كما لو أن طالبان ستسيطر بالتأكيد على الحكومة الأفغانية. هل هذا هو افتراضك؟
ريان كروكر: نعم، عاجلاً أم آجلاً. فمبادئ التفاوض، هي: ألا تتفاوض من موقف ضعف. وكما رأينا العام الماضي، فإن طالبان تكتسب المزيد من القوة. إنها ليست بتلك القوة الماحقة التي يصفها البعض بها، ولكنها تتحكم أكثر فأكثر، وقبضة الحكومة تتقلص شيئًا فشيئًا. لذلك أعتقد أنهم سيتوقفون الآن ويقولون: حسنًا.. سنحترم الدستور ونسعى لإجراء تغييرات قانونية، وهذا لن يحدث.

فورين بوليسي: أُنفِقَت موارد أمريكية هائلة على التدريب ودعم القوات الأفغانية. ويبدو الرئيس الأفغاني "أشرف غني" شخصية أساسية. ما هي قراءتك حول سبب أدائها الضعيف؟
ريان كروكر: الجيوش هي أشياء يصعب خلقها، ومن ثم يكون لها وظيفة. وبالتأكيد الأفغان يعرفون كيف يقاتلون، لكن القوات المسلحة في تشكيلها الحالي، هو شيء جديد كليًّا عليهم. ما هي العقيدة ؟ أين العوامل التمكينية؟ كيف يجري اتخاذ قرارات القيادة؟ أعتقد أنهم نوعًا ما سيتمكنون من كل هذا في مسيرتهم. ولكن من المهم أيضًا أن نلاحظ، مع الخسائر الفظيعة التي تحملوها، فهم يواصلون القتال. أتذكر الفترة بين الانسحاب السوفيتي عام 1989 وانهيار الجيش عام 1992. حاربوا دون مساعدة السوفيت أو المستشارين لمدة ثلاث سنوات. لكن الجيش انهار عندما توقف الدفع.

فورين بوليسي: إذا كان هناك انسحاب أمريكي كامل، مع بقاء نوع ما من الدعم الأمريكي، فهل من الممكن تخيل أنهم يستطيعون إبعاد طالبان؟
ريان كروكر: ربما. وعلى الرغم من ذلك، أعتقد أن الديناميكية مختلفة من أحد الجوانب المهمة، منذ أوائل التسعينات. حيث كانت سبعة قوى مختلفة تتنافس على السلطة في تلك الفترة. والآن لديك قوة واحدة، هي حركة طالبان. وبعد ما يقرب من 18 عامًا من التوحش، فلن تكون أكثر لطفًا أو وداعة، أو أقل تكريسًا. مرة أخرى، قد نتأكد من عدم توفير الملاذ الآمن لمجموعات مثل القاعدة. لكن بالنظر إلى حقيقة أن طالبان قد اختارت في عام 2001 أنها ستواجه الهزيمة في ساحة المعركة بدلاً من التخلي عن القاعدة، كما اقترحنا عليها، فهل يعتقد أحد أن طالبان ستكون مختلفة هذه المرة؟

فورين بوليسي: ما هو تأثير خطة الرئيس "دونالد ترامب" لتخفيض القوات الأمريكية إلى النصف في أفغانستان، والتي تم الإعلان عنها خلال الشهرين الماضيين، في المحادثات الحالية؟
ريان كروكر: أعتقد أن الديناميكية برمّتها توحي بأننا انتهينا في أفغانستان، وأننا سوف نخرج. دعونا نتفاوض على شيء يبدو– على الأقل– أنه اتفاق سياسي وليس استسلامًا شاملًا. لكن من الواضح أنه عندما يتحدث الرئيس عن خفض القوات إلى النصف، لا يمكنك فعل هذا بشكل تعسفي. أي نصف؟ ماذا يفعل النصف الذي يظل هناك؟ هل سينغلق متحصنًا لحماية نفسه؟ وماذا عن حلفائنا في الناتو الذين ظلوا معنا في أفغانستان؟ والأمر أشبه بسوريا، أعتقد أن الرئيس أشار إلى الوضع النهائي، إننا فقط نتفاوض حول الشروط الآن.

فورين بوليسي: كان هناك الكثير من النقاش حول محاولة إشراك طالبان أثناء وجودك هناك كسفير. كان الممثل الخاص الأمريكي السابق "ريتشارد هولبروك"، حتى يوم وفاته، يحاول الوصول إلى حل دبلوماسي. تحدث قليلاً عن ذلك.
ريان كروكر: عندما كنت هناك منذ عام 2011 حتى عام 2012 ، أوضحت أنني كنت مستعدًا للتحدث مع طالبان وغيرها، غير أنني أكدت أني سأفعل ذلك فقط بناء على طلب الحكومة الأفغانية. وكان لدينا اجتماعان، وقد أوضحت ذلك تمامًا لما بدا لي من أسباب واضحة. وإذا لم تكن الحكومة الأفغانية حاضرة في المفاوضات، فأنت بذلك ترفع من قيمة طالبان، لأنك تقوم بنزع الشرعية عن الحكومة.

فورين بوليسي: في ذلك الوقت، قوبل هذا الموقف بمقاومة شديدة من طالبان؟
ريان كروكر: لا، كان لدينا بضع محادثات. لم يبرحوا مكانهم.

فورين بوليسي: هل كانت حول هذه القضية؟
ريان كروكر: أعتقد أن الهوة كانت أوسع من أن نستطيع جسرها. ثم، ضع في اعتبارك، أنني المسئول في البلد. لذا فأي شخص تحدثت إليه، وكان هذا الشخص قد أجرى محادثات مع الحكومة الأفغانية، سيكون هناك فرصة للوصول إليه. لم يكن الرجال في كويتا (التي كانت مركز قيادة طالبان آنذاك) ليتوافدوا على اجتماع مفاجئ معي. ومرة أخرى، فإن ما دفعني في كل ذلك هو أنني لا أتحدث إلى أي شخص دون إذن من الحكومة الأفغانية.

فورين بوليسي: هل كان ذلك هو موقف إدارة أوباما أيضًا؟
ريان كروكر: في الوقت الذي كنت فيه هناك، كان موقفها كذلك.

فورين بوليسي: لقد ذكرت محادثات باريس للسلام ونهاية حرب فيتنام. ما مدى تشابه هذه المفاوضات بتلك؟
ريان كروكر: لن أدفعها إلى أبعد من ذلك كثيرًا.. لكن العنصر الوحيد الذي يبدو لي مناسبًا هو أنه مع كل المحادثات المؤلمة للغاية على شكل الطاولة وما إلى ذلك، كان ما نفعله واضحًا. أردنا الخروج. أردنا فقط أن يكون خروجنا مؤطرًا بطريقة لا تبدو وكأننا كنا واقفين على سطح الناقلة "ميسوري" نوقع بنود الاستسلام. وهو ما لا يمكن أن نقبله.

وتم استخدام الفيتناميين الشماليين والـ "فيت كونج" ممارسة لعبة طويلة. وكنا، في النهاية، لم نواجه مشاكل مع ذلك. لذلك مرت بضع سنوات عندما انتقلت [فيتنام] من عناوين الأخبار الرئيسية إلى صفحة الإعلانات المبوبة. لذا عندما سقطت "سايجون"، بكل ما فيها من آلام وتصورات، انتقلت القصة بالفعل إلى الصفحات الخلفية.

فورين بوليسي: هل لدى طالبان لعبة طويلة؟ أذكر بعد ذلك أن الغزو الأمريكي الأولي في أواخر عام 2001، والذي كان مدمرًا، توارت طالبان عن الأنظار لبعض الوقت.

ريان كروكر: المنطقة بأكملها، الشرق الأوسط الكبير، تعلمت منذ زمن طويل أن قوات السكان الأصليين لا يمكنها مواجهة قوى الغرب. لا يمكنهم إبعادهم. ضع نوعًا من المقاومة الرمزية، وتعرض لخسائر قليلة قدر الإمكان، واختفي، وكن مستعدًا للقتال في اليوم التالي أو الشهر أو السنة أو العقد التالي. لقد رأينا ذلك كثيرًا. في العراق، أنجزنا المهمة قبل أن يتأهب خصومنا لبدء الصراع. مثلما فعل نابليون في مصر، 1798. لقد تعلم أعداؤنا أنهم لا يمكنهم فعل شيء سوى الانتظار. فعلناها في العراق. فعلناها في لبنان. كنت هناك في جزء منه، حيث جرى تفجير المارينز عام 1983. وأعلنا أن المهمة مستمرة، ولكن بسبب التغيرات التي طرأت على ساحة المعركة ، فبدلاً من انتشارهم على الشاطئ، سيكون المارينز على متن السفن، وذلك في أوائل عام 84. ثم في أحد الأيام، عندما لم يكن أحد يهتم، كانت تلك السفن تبتعد. مرة أخرى، تعلّم خصومنا الدرس جيدًا.

فورين بوليسي: بعد طرد طالبان من المدن في أواخر عام 2001 بسبب الغزو الأمريكي، بدا أن هناك إمكانية للسلام. هل أدّى دور إدارة جورج دبليو بوش في العراق عام 2002 إلى الإضرار بتلك الفرص؟
ريان كروكر: هذا سؤال يمكن للناس الذين كانوا على الأرض في أفغانستان الإجابة عليه أفضل مني. لكن يجب أن تضع في الاعتبار أن عقيدة رامسفيلد كانت تطبق بالفعل في أفغانستان. كانت عقيدة رامسفيلد تستخدم الحد الأدنى من القوة اللازمة لإسقاط نظام عدو، وبمجرد الانتهاء من ذلك، كانت مهمتنا قد انتهت كذلك، لن نتدخل في بناء الأمة. القوات البريطانية كانت حاضرة في كابول في ذلك الوقت، كان لدينا فكرة عن قوة أكثر تعزيزًا، ربما كتيبتان. وهذا يكون فعالاً في جدار صخري. لذا، لست متأكدًا على الإطلاق إذا كان هذا هو السؤال الذي حيرنا في العراق. أعتقد أن أسلوب "الاقتصاد في استخدام القوة" كان حاضرًا في ذهن الإدارة بشكل واضح منذ البداية.

فورين بوليسي: إلى أي مدى كان عامل الدور الباكستاني فعالا ً– ما زالوا هناك يقدمون الدعم الرئيس لحركة طالبان؟
ريان كروكر: لقد فعلوا بالتأكيد. كنت سفيرًا هناك من 2004 إلى 2007، وكان لدينا كل هذه المناقشات العقيمة حول ضرورة أن يتحرك الجيش الباكستاني ضد طالبان. وهو ما لم يُقْدِموا عليه بالفعل. والرواية الباكستانية في ذلك هي، انظر، لقد رأينا هذا الفيلم من قبل. لقد تخليتم عنا بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي. لقد فرضتم علينا عقوبات بسبب برنامجنا النووي. لقد تركتم لنا حربًا أهلية رهيبة على حدودنا الغربية. إذا كنتم تفكرون فعليًا، أيها الأمريكيون، سنقوم بدعم طالبان – سنجعل منهم عدوًا وجوديًا – لمجرد مشاهدتك تعود بطائرتك مرة أخرى، إنكم مجانين. هذه هي سياستهم.

فورين بوليسي: وأنت لا تعتقد أن هذا سيتغير؟
ريان كروكر: كلا.

فورين بوليسي: سبعة عشر عامًا في أفغانستان. الكثير من الدماء الأمريكية والخسائر المادية. يبدو أن هناك إجماعًا في واشنطن على أنه يتعين على الولايات المتحدة تحديد طريقة لتقليص القوات. ما هي خطتك للتفاوض الناجح؟
ريان كروكر: بصراحة لا أعتقد أنه يمكنك إجراء مفاوضات ناجحة في ظل هذه الظروف. فحين أبدأ بالحديث، فسينتهي الأمر عند هذا الحد. ومن اليوم فصاعدًا إما أن تجلس مع الحكومة الأفغانية أو لن تكون هناك محادثات أخرى. أعتقد أن هذا ممكن نظريًا، لكنني لا أعتقد أن الإدارة تميل لهذه الطريقة على الإطلاق. مرة أخرى، إن التدخلات العسكرية لها عواقب وخيمة. عليك أن تفكر في هؤلاء قبل أن تتدخل، ولكن بمجرد أن تتدخل، عليك أن تفكر بعناية شديدة في نتائج الانسحاب، والتي يمكن أن تكون خطيرة أو أخطر من عواقب التدخل الأصلي. هذا ما رأيناه في العراق.

فورين بوليسي: خليل زاد لديه الكثير من الخبرة هناك. هل تعتقد أنه الشخص الذي سيرسم ذلك الخط؟
ريان كروكر: لا يستطيع ذلك. وستكون هذه مسألة مرة أخرى بالنسبة للإدارة. لا أعتقد أن هذا سيحدث. لا أعتقد أن يتاح له المجال. عندما يعلن "أشرف غني" الآن أنه يشعر بقلق عميق من أن هذا الأمر كله تسرع، فهو على حق.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق