AEON | لماذا لا يجب تجاهل دور الحضارات القديمة فى تأسيس أفكار العالم المعاصر ؟


٠٣ فبراير ٢٠١٩ - ٠٨:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



 إن مركز أي خريطة يخبرك الكثير من الأمور، والأمر ذاته ينطبق على اختيار المكان الذي ستبدأ منه سرْد قصة أو تاريخ. لقد اعتاد الجغرافيون العرب على وضع بحر قزوين في مركز خرائط العالم. في إحدى الخرائط التركية التي يعود تاريخها للقرون الوسطى، وهي الخريطة التي أذهلتني منذ فترة طويلة، وجدنا أن مدينة "بلاسغون" -مدينة فى كازاخستان-  موجودة في قلب العالم. لقد باتت الطريقة التي يجدر بها تدريس التاريخ اليوم سؤالاً سيزداد إلحاحًا وأهمية بمرور الوقت.

في الصيف الماضي في الولايات المتحدة، ثار نقاش ساخن عندما أعلنت هيئة الإلحاق المتقدم (Advanced Placement)، وهي هيئة مؤثرة مسؤولة عن تنظيم الاختبارات، عن تغيير دوراتها الدراسية، وبمقتضى هذا التغيير، سيبدأ "تاريخ العالم" من العام 1450. من الناحية العملية، فإن بدء تاريخ العالم من العام 1450 يعني أن التركيز سينصبّ على قصة كيف هيمن الأوروبيون، ليس فقط على قارة واحدة؛ بل على كل قارات العالم، بينما سيجري تجاهل جذور الحروف الأبجدية والزراعة والمدن والحضارة.

قبل القرن الخامس عشر، كانت الحضارات غير الأوروبية هي من تقوم ببناء الإمبراطوريات وتطوير العلوم والطب والفلسفة، وكانت هي من سعت للاستفادة من وتوسيع شبكات التجارة التي سهّلت تدفق وتبادل البضائع والأفكار والمعتقدات والشعوب.

لقد تراجع مجلس الكلية (College Board) عن قراره. وذكر في بيان له ما يلي: "لقد تلقينا تعليقات متعمقة ومبدئية من الأساتذة في هيئة الإلحاق المتقدم والطلاب وأساتذة الجامعة". ونتيجة لذلك، فقد جرى تعديل بداية تاريخ العالم في الدورات الدراسية ليبدأ من العام 1200 ميلادية. وبالتالي يقول مجلس الكلية: "يمكن للأساتذة والطلاب أن يبدأوا الدورة بدراسة حضارات أفريقيا والأمريكيتين وآسيا، التي تُعد أساسية للعصر الحديث".
 
لكن لم يتضح بعد ماذا سيكون وضع أفلاطون وأرسطو واليونان القديمة وروما بعد هذا القرار، لكن يبدو أن أيًّا من هؤلاء لا يُعدُّ "عنصرًا أساسيًا للعصر الحديث". هذا في حد ذاته أمر غريب نظرًا لأن العديد من المباني الشهيرة في واشنطن (مثلاً) مصممة بأسلوب كلاسيكي من أجل تعمُّد استحضار حضارة العالم التي سادت منذ 2000 عام مضت، أو فلنأخذ مثلاً "مارك زوكيربيرج"، الذي يُعد أيقونة التقنيات الحديثة والقرن الحادي والعشرين، إذ يتخذ مارك من الإمبراطور "أغسطس" قدوة له.

كما جرى تجاهل الصين تحت حكم سلالة "الهان" (امتدت من 206 قبل الميلاد حتى 220 بعد الميلاد) وشبكات الطرق التي ربطت المحيط الهادي مع الهندي والبحر المتوسط قبل 2000 سنة مضت، وهو ما يجعلنا ندرك أن قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا كانت مرتبطة ببعضها قبل قرون عديدة، وأن العالم كان من الناحية الفعلية "معولمًا".

إن القرار أيضًا لا يجعل هناك مكانًا لحضارة "المايا" وثقافة وسط أمريكا أو مملكة "أجودوميجودو" في غرب أفريقيا، التي جرى تجاهل إنجازاتها الاقتصادية والثقافية والعسكرية والسياسية باعتبارها غير ذات صلة بـ "العصر الحديث". من يأبه بشأن بالإمبراطور الهندي "أشوكا"، أو سلالة "تشولا" في جنوب الهند الذي تمدّدت نحو جنوب شرق آسيا في القرن العاشر والحادي عشر؟ كما لم يهتم القرار بالعلاقات بين منطقة إسكندنافيا ووسط آسيا، وهي العلاقات التي ساعدت على انتشال كل شمال أوروبا مما كان يُسمى "العصور المظلمة". كما كان حظ تاريخ التغير المناخي سيئًا، إذْ سيجري إهمال كيف أدّت التغييرات في حرارة العالم منذ 1500 عام مضت لانهيار مدن وتشتت شعوب وانتشار الأوبئة.

إن التاريخ يكون أشدّ إثارة وإلهامًا للطلاب والأساتذة على حد سواء، عندما تكون هناك إمكانية لدراسة الترابط بين الثقافات، والتعرف على الإيقاعات والاتجاهات، واستكشاف الماضي عبر تحدّي الافتراض القائل إن قصة العالم يمكن رسمها عبر تقدّم خطي، وهو الافتراض الذي يبدو أن مجلس الكلية يتبنّاه عبر بيانه الذي يربط فيه بين العام 1200 و"العصر الحديث".

لو كنت ترغب في معرفة مدى حماقة وجهة النظر هذه، وكم هو مؤسف حصر نطاق تاريخ العالم، فما عليك سوى إلقاء نظرة على الصفحات الأولى لأي بلد في العالم اليوم. في الصين، تهيمن مبادرة الحزام والطريق على الأخبار، وهي عبارة عن خطة بقيادة الصين لإعادة تفعيل شبكات الطرق القديمة وتحويلها إلى طريق حرير معاصر: هناك آراء عديدة ومتباينة بشدة بشأن الأهداف والدوافع والنتائج المتوقعة لهذه المبادرة. إن هذا المشروع الصيني يعد بكل المقاييس أهم تطور جيوسياسي في العالم المعاصر اليوم، كما أن فهم سبب محاولة الصين استعادة سنوات مجد طريق الحرير (الذي يعود تاريخه لألفَي سنة مضت) يبدو أمرًا مثيرًا ومهمًا على حد سواء، لكن قصة طريق الحرير القديم لن تكون ضمن نطاق تاريخ العالم المعاصر.

يمكننا أيضًا النظر إلى الطرف الآخر من قارة آسيا، أي مدينة إسطنبول، حيث ينزل مئات آلاف الأشخاص سنويًّا للشوارع في تركيا لإحياء ذكرى معركة "مانزيكرت" التي جرى خوضها في العام 1071، وربما يكون مفيدًا معرفة السبب.

إن تقييم العلاقة بين روسيا وأكرانيا ربما يكون أيضًا مفيدًا، وذلك في زمن قامت فيه الأولى بضمّ جزء من أراضي الأخيرة، لقد اندلع خلاف كبير في الصيف الماضي بشأن ما إذا كانت "آن ملكة كييف" روسية أو أوكرانية. وقد توفت "آن" في العام 1075.

لا يتطلب الأمر أن تكون خبيرًا لترى تأثير القرن السابع على الشرق الاوسط، حيث حاول الأصوليون بناء "خلافة إسلامية" مرتكزة على نموذج العصر الإسلامي الأول؛ ما أدّى ليس فقط لتدمير الأرواح والمنطقة لتحقيق هذا الهدف، ولكن أيضًا الإقدام بشكل مقصود على تدمير التاريخ نفسه في أماكن مثل "تدمر". لكن الأمر، مع ذلك، يتطلب خبيرًا لمعرفة لماذا يحاول هؤلاء عكس عقارب الساعة للوراء 1400 سنة، وكيف سيبدو عالمهم الطوباوي المتخيل؟ هذا أمر مهم لأن هناك العديد من الأشخاص الذين يرغبون في فعل الشيء ذاته: على سبيل المثال، قال "عمران خان"، رئيس الوزراء الباكستاني الجديد: إنه يريد تحويل بلده، الذي يقطنه نحو 200 مليون نسمة تقريبًا، إلى "دولة رفاه مثالية" قائمة على النموذج الذي أسّسه النبي محمد (صى الله عليه وسلم) في المدينة في عشرينيات وثلاثينيات القرن السابع الميلادي، وهو النموذج الذي أسّس أحد "أعظم الحضارات" في العالم.

إن الطلاب الذين سيأخذون دورات دراسية عن التاريخ العالمي الذي بدأ في العام 1200، لن يتعلموا أيًّا من هذ الموضوعات، بالرغم من أن أقرانهم في مدارس وكليات حول العالم سيتعلمونها، فينبغي للتعليم أن يوسّع الآفاق ويفتح العقول، ومن المؤسف، في هذه الحالة، أن آفاق الطلاب يجري تضييقها وعقولهم يتم غلقها. ومن المؤسف أيضًا أن هذا يحدث في وقت يشهد تغيرًا عالميًا عميقًا، فقد أصبح فهم عُمق عالمنا المترابط أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق