بوليتيكو | لماذا قمنا بدعوة بابا الفاتيكان لزيارة شبه الجزيرة العربية.. السفير الإماراتي بواشنطن يُجيب؟


٠٣ فبراير ٢٠١٩ - ٠٩:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



في 1960, ذهب طبيبان أمريكيان إلى أعماق صحراء شبه الجزيرة العربية لإقامة مستشفى في مبنى من الطوب اللبن بأرض ترابية وسقف من سعف النخيل. بالنسبة إلى البدو المسلمين الذين عاشوا هناك, كانت هذه أول تجربة لهم مع الطب الحديث – وأول تواصل لهم مع المسيحية. وعلى مدار العقود القليلة التالية, بتشجيع ودعم زعماء القبائل المحلية, قام الفريق الطبي المكون من زوج وزوجة بتطويرالمستشفى, ما أنقذ الكثير من الأرواح وعزز إرثًا مستمرًا من الاحترام والإعجاب بين المسيحيين والمسلمين فيما أصبح لاحقًا دولة الإمارات العربية المتحدة.

هذا الأسبوع, سيُكرّم ذلك الإرث عندما يسافر البابا فرانسيس إلى شبه الجزيرة العربية – وهي الزيارة الأولى لأي حبر أعظم. سوف يقيم قداسًا في أبوظبي بحضور 120 ألف من ضمن أكثر من مليون كاثوليكي يعيشون في الإمارات, وسيزور الكاتدرائية الكاثوليكية المحلية التي افتُتحت عام 1965 على أرض تبرعت بها الحكومة.

إن زيارة البابا سترسل رسالة قوية عبر المنطقة والعالم: الناس أصحاب المعتقدات المختلفة يمكنهم العيش, والعمل والعبادة معًا. الخشوع والاحترام والعطف قيم مشتركة أساسية, والصلاة تجمع الشمل وتوحد في نفس الوقت.

لكن بطبيعة الحال لن يرحب الجميع بالرسالة أو لن يحتضنوها.

في أنحاء الشرق الأوسط, نواجه تهديد التطرف. وعلى الرغم من التفسيرات المتطرفة للإسلام تمثل أقلية ضئيلة ممن يعتنقون الدين. لكن في أكثر الأحيان الأصوات الصاخبة تكون الأعلى – سواء كانت على التلفاز, أو على الإنترنت أو في المسجد. إنهم يحرّفون ويحجبون حقيقة أن الإسلام دين سلام. مثلما أعلن مقال من مجلة " دابق," المجلة الإنجليزية لتنظيم داعش, لقرائه العلمانيين, "نحن نكرهكم, أولًا وقبل كل شيء, لإنكم كافرون؛ أنتم ترفضون وحدانية الله – سواء أدركتم ذلك أم لا."

هذه الأصوات المتطرفة تسعى لتحريض الأتباع المخبولين على تنفيذ تعليماتهم. حيث يتسببون في ظهور المتعصبين مثل الذين يرتكبون أفعالًا مليئة بالكراهية والعنف ضد الأقليات الدينية والعرقية.فقد تعرضت كنائس الأقباط في مصر للهجوم.كما  دُمرت الأراضي اليزيدية في العراق. وتعرض المتحف اليهودي في بروكسل لهجوم. وبشكل كارثي, المسلمون – السُنة والشيعة – هم من يتكبدون الثمن الأعلى لأفعال الأصوليين القتلة.

يُعد تجاهل التهديد أو التساهل معه في منتهى الخطورة ويغذي دائرة العنف الطائفي التي استحوذت على المنطقة لأكثر من جيل. إن التخلص من المتطرفين بالقوة ليس الحل طالما أن الأيديولوجية المسمومة والظروف التي تغذيها مستمرة.

إذن كيف نحطم هذه الدائرة؟ كيف نشجع الناس على تقبل, وليس شيطنة, "الآخر"؟
سوف تسلط زيارة البابا هذا الأسبوع الضوء على نهج قريب من مركز العالم المسلم. اليوم, الإمارات هي موطن 200 جنسية مختلفة, وأكثر من 40 كنيسة وحوالي 700 مركز خدمة مسيحي. تستقبل معابد السيخ والبوذيين مصلين متعددي الجنسيات. في العام الماضي, وضع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حجر الأساس لمعبد هندوسي جديد. تتواجد مراكز الخدمة المسيحية الإنجيلية بغزارة في البلاد. والجالية اليهودية نشطة وفي نمو.

بخلاف ضمان بيئة مفتوحة لممارسة الأديان في الوطن, تناصر الإمارات أيضًا حرية العبادة والتبادل بين الأديان على مستوى العالم.
وخلال زيارته, سيقيم البابا فرانسيس منتدى ديني مع مجلس حكماء المسلمين وقادة الأديان الأخرى. وسوف يلتقي بالشيخ أحمد الطيب, الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر, أكبر مؤسسة دينية للإسلام السُني.

في الصيف الماضي, حضر وفد من مسئولي الحكومة الإماراتية وزعماء دينيين مقيمين في الإمارات – يمثلون الإسلام, والمسيحية والسيخية – المؤتمر الوزاري لتعزيز الحرية الدينية الذي نظمته وزارة الخارجية الأمريكية في العاصمة واشنطن. كان أمرًا استثنائيًا – ومعبرًا – أن نرى دولة من الخليج العربي تمثلها هذه المجموعة المتنوعة. في ديسمبر, استضافت الإمارات المنتدى السنوي الخامس لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة, وهو مؤتمر عالمي لتعزيز حوار الأديان ورفض استغلال الدين في الصراع والحرب.

هذه الأفكار ومبادئ الاحترام المتبادل والتسامح الحقيقي يجب أن تصبح عالمية. إن الدين والإيمان هما أدوات الخير لتحقيق الأهداف النبيلة – وليسا ذريعة للموت والخراب. يجب أن تعلو أصوات الاعتدال والقبول فوق أصوات الانقسام والكراهية.

ولكونه مهد الديانات الإبراهيمية الثلاث, أصبح الشرق الأوسط اليوم قدرًا للصراع بين هذه الديانات وداخلها. يُعد الدين اليوم خط صدع غدار يقسم المنطقة. لكن الدين الحقيقي للمسلمين, والمسيحيين واليهود لم يكن يتعلق أبدًا بالكراهية أو التعصب. لا يوجد صراع بين الحضارات أو الأفكار – فقط موجة من الجهل ونقص في الشجاعة والقيادة الأخلاقية.

منذ ستين عامًا في قلب الصحراء, بنى الطبيبان المسيحيان وسكان البدو جسرًا بين الديانتين بأعمالهم التي إتسمت بالطيبة والتفاهم. يمكننا أن نفعلها مجددًا. في نهاية هذا الأسبوع, سوف يوحد البابا فرانسيس والإمام الأكبر أصواتهما في الدعاء والمواعظ لمليارات من الكاثوليك والمسلمين في أنحاء العالم. سوف تخرج من قلب العالم العربي في دولة تحتضن وتعيش هذه المُثُل كل يوم.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق