فورين بوليسي| لماذا خسرت أمريكا في أفغانستان؟


٠٦ فبراير ٢٠١٩ - ٠٦:٢١ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس
فشلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في استيعاب الدروس المستفادة من قصة نجاح منسية لمكافحة التمرد في فيتنام.

تستخدم إدارة ترامب الآن عملية هنري كيسنجر "الفترة الفاصلة" للتخلي عن إنهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان. الاستراتيجية بسيطة: التفاوض على اتفاقية سلام يعرض الحليف لهزيمة معينة على المدى البعيد، وفرض تلك الاتفاقية، وسحب القوات الأمريكية، وقطع المساعدات، وفي النهاية رفض إعادة الانخراط عندما يتحرك من حاربتهم الولايات المتحدة ذات يوم للسيطرة على البلاد.

في الثاني من يناير، بينما كان ينتقد وزير دفاعه المستقيل أثناء اجتماع وزاري، طرح الرئيس "دونالد ترامب" سؤالاً مشروعًا: لماذا لم تنتصر أمريكا في أفغانستان؟  لقد طرح ترامب المشكلة ببراعة: "يمكنك التحدث عن جنرالاتنا. أعطيت جنرالاتنا كل المال الذي أرادوه. لم يفعلوا مثل هذا العمل العظيم في أفغانستان. لقد كانوا يقاتلون في أفغانستان منذ 19 عامًا.. أريد نتائج".

لم تحقق واشنطن النتائج التي كانت ترجوها في أفغانستان؛ لأنها استخدمت استراتيجية خاطئة. فلم تنشر الولايات المتحدة أبداً استراتيجية فعالة لمكافحة التمرد لأنها لم تكن تمتلكها. إن معرفة كيف تقتل الناس لم تكن أبدًا كافية لهزيمة التمرد.

ومنذ انتهاء حرب فيتنام، حددت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية بشكل خاطئ جميع الطرق نحو النصر بأنها عملية فنية لإزالة العناصر الفاعلة العنيفة من منطقة تكتيكية تحت مسئوليتها. وكان التحدي الذي واجهته الولايات المتحدة في كلٍ من فيتنام وأفغانستان هو الحكومة الفاسدة وغير الكفؤة أكثر من المقاومة المسلحة. حيث كان الأول سببًا في ظهور الثاني.

لقد تغاضى خبراء الأمن القومي الأمريكي عمَّا هو ضروري لتحقيق الانتصار؛ لأنهم تناسوا تجربة فيتنام، بما في ذلك برنامج مكافحة العصيان المدني ودعم التنمية الريفية (CORDS) الناجح في قرى جنوب فيتنام بعد عام 1968.

لم يطبق الجنرالات الأمريكيون أبداً في أفغانستان (أو في العراق من أجل هذه المسألة) الاستراتيجيات والتكتيكات المستخدمة في فيتنام لهزيمة الفيتكونج – وخاصة CORDS، التي عززت سلطة سياسية لامركزية في القرى ونجحت في تعبئة الفيتناميين الريفيين ضد المتمردين الشيوعيين.

وفي أكتوبر 1966، اعترف وزير الدفاع "روبرت مكنمارا" للرئيس "ليندون جونسون" بأنه لا يستطيع وضع استراتيجية فعالة للدفاع عن فيتنام الجنوبية ضد العدوان الشيوعي. فالتفت جونسون إلى اثنين من المدنيين – وهما "والت روستو" و "روبرت كومر" –  اللذين قدما سريعًا استراتيجية أمريكية جديدة في الحرب: مكافحة التمرد التصاعدية الشاملة والمتكاملة، والمدنية والعسكرية.

تبنى جونسون توصيتهما، وغيّر أهداف الحرب الأمريكية لبناء القوة الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية للقوميين الفيتناميين الجنوبيين من القرى. وبمجرد تمكين الفيتناميين الجنوبيين، ستنسحب القوات الأمريكية من القتال.

بدأ هذا البرنامج في عام 1967، من خلال استخدام الانتخابات على المستوى الوطني بموجب دستور جديد وتمويل وحدات الدفاع الذاتي القروية، ومجالس الحكم الذاتي، ومشاريع التنمية الذاتية.  وبحلول عام 1972، انهار الفيتكونج كقوة تمرد فعالة. وبحلول وقت اتفاقية باريس للسلام عام 1973، لم يكن هناك سوى 25000 جندي أمريكيًّا متفرغًا، تركوا هناك في وحدات مستقلة. وكان عدد القوات المسلحة لدى الفيتناميين الجنوبيين 700 ألف، بالإضافة إلى مليون مسلح، ونساء وحدات الدفاع الذاتي المحلية. لقد انتصرت الولايات المتحدة في الحرب ضد هانوي بفعالية داخل جنوب فيتنام.

ولكن بفضل تنازل كيسنجر السري في 31 مايو 1971، أثناء المفاوضات السرية في باريس مع "شوان ثوي" من هانوي، كان الشيوعيون الفيتناميون يحتفظون ببعض قواتهم النظامية داخل جنوب فيتنام، مع مزيد من تحركات هوشي منه (الرئيس الأول لفيتنام الشمالية ورئيس الوزراء ومؤسس الدولة الفيتنامية الشمالية) في لاوس للحصول على دعم لوجستي للهجوم المستقبلي المخطط ضد القوميين.

وبصفتي كنت استراتيجيًّا من المستوى المتوسط في برنامج (CORDS) وكنت أعمل مع "وليام كولبي "، الذي كان آنذاك نائب قائد برنامج (CORDS) في القيادة المساعدة العسكرية الأمريكية ، كنت شاهد عيان لنجاح هذه الجهود. وعلى وجه الخصوص عملت مع حزب "تان داي فيت" الذي يقوده القوميون الفيتناميون، الذين تولوا مسئولية تنفيذ برامج القرى.

لقد دمج برنامج (CORDS) القادة المدنيين مع المهارات السياسية في آلة القتال الأمريكية، وهو أمر لم تفعله الولايات المتحدة في أفغانستان أبدًا. ونتيجة لذلك، دُمجت الجهود العسكرية الأمريكية مع السياسات الوطنية لجنوب "فيتنام" من خلال مجلس التهدئة والتنمية المركزي، الذي وجه الوزارات والقيادات العسكرية الإقليمية والإدارات المحلية وحكومة القرية لوضع الناس أولاً مقاتلين في الخطوط الأمامية ضد المتمردين. وأسفر برنامج  (CORDS) في الحكم الرشيد في قرى جنوب فيتنام، ورد سكان الريف بالمشاركة في الحرب ضد العدوان الشيوعي.

ولم يكن الفشل في تكرار برنامج (CORDS) في أفغانستان هو الخطأ الوحيد، فقد استسلم المسئولون الأمريكيون، أيضًا، إلى قصر النظر النرجسي. وفي التسعينيات، ركزت السياسة الخارجية الأمريكية ونُخَبُ الأمن القومي على نوعين فقط من القوة الأحادية الجانب: الصلبة واللينة. لقد سكنهم الغرور بأن العالم – بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وصعود الصين السلمي تحت سياسات "دنج شياو بينج" – كان أحادي القطب، وكان الأمريكيون هم القطب الأوحد للقوة الدولية. وهكذا، كان من المفترض أن تتوقع واشنطن من الآخرين أن يفعلوا ما كنا نريدهم أن يفعلوه بدافع الخوف من القنابل والطلقات الأمريكية أو بسبب حب القيم الأمريكية.

في أفغانستان، خلصت حركة طالبان إلى أنها يمكن أن تصمد أمام قدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة الصارمة، وأن واشنطن لا تملك القوة الناعمة لاستخدامها ضدها، وكانت الحركة على حق. ومن هنا، أصبح بديل البنتاجون عن استراتيجية ناجحة لمكافحة التمرد، إلى حد كبير، عملية لا نهاية لها. والآن أصبح الاستراتيجيون الأمريكيون متعبين ولا يملكون أي فكرة عن كيفية إلحاق الهزيمة بمقاتلي طالبان.

لقد أنفقت الولايات المتحدة قدرًا كبيرًا من الأموال في أفغانستان، وقد حاول العديد من الأمريكيين أن يساعدوا، لكنهم لم يتمتعوا بأي نوع من القيادة المدنية المطلوبة في المواقف القيادية في مكافحة التمرد أو منظمة مدنية عسكرية موحدة لتعبئة سكان الريف ضد طالبان.

اختارت الولايات المتحدة فعليًا حماية الناس من خارج مجتمعاتهم المحلية، وليس تسليحهم لحماية أنفسهم. تم تنظيم شبكة من 18 ألف مجلس تنمية محلي في جميع أنحاء البلاد باستخدام منظمات غير حكومية، غير أنها لم تندمج أبدًا في النظام الأمني.

ولم تجد حكومة الولايات المتحدة أبداً في أفغانستان طريقة لكبح جماح الخصومات العرقية، أو تدمير زعماء الحرب، أو تجنيد قادة محليين، أو إيجاد قواعد للعدالة تحفز السكان المحليين على محاربة طالبان. ولكن الطريقة الوحيدة لإنجاز كل ذلك هي السياسة، وليس القتال الحربي.

لا يزال من الممكن هزيمة طالبان بعد التوصل إلى اتفاق سلام وسحب القوات الأمريكية، لكن الولايات المتحدة تبدو الآن مرهقة جدًا– بل لا تزال أكثر غباءً– بما يمنع من إنجاز المهمة.
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق