الصحافة الفرنسية| ماكرون لا يعيش في تناغم مع حقبته.. وما هو مستقبل التحالف ضد داعش؟


١٢ فبراير ٢٠١٩ - ٠٧:١٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما

"السترات الصفراء".. شعب يرفض عالَمًا دائم التسارع

نشرت جريدة "لوفيجارو" تحليلًا جديدًا لحركة السترات الصفراء، حيث ترى "نيللي جارنييه" التي عملت في السابق معاونة للعديد من المكاتب الوزارية، وشغلت منصب مدير دراسات الحزب الجمهوري، أن تلك الحركة تُعد حركة تمرد ضد السرعة التي يسير بها العالم، ولا تكمن مشكلة الرئيس "ماكرون" في عدم التناغم مع حقبته؛ لأنه إذا تماشى مع وتيرة تسارعه فلن يأخذ في الاعتبار قسط عدم الراحة المرتبط به.

"إنه لأمر فظيع أن تكون أخصائيًّا معلوماتيًّا وذلك بسبب الحركة الدائمة التي نشارك فيها بكل سعادة. فهناك أناس سعداء بكل هذا التحرك الذي يجري حولهم طوال الوقت، لأنه تحدٍّ دائم، وهناك آخرون يشعرون بالضيق من هذا الأمر، هناك دائمًا أشياء جديدة وعلينا أن نتكيف معها، وإذا ما كبرنا دون أن نتكيف سنصبح نوعًا من النفايات الاجتماعية"... بهذه الكلمات أجاب الإعلامي "ميشيل أوليبيك" في عام 1994 على المذيع "لور أدلر" في برنامجه "دائرة منتصف الليل".

وتساءل التحليل: هل كان "أوليبيك" ذا بصيرة وتوقع ظهور حالة من ضيق التنفس الجماعي منذ التسعينات التي كان تتميز بتقديس الأداء وتطوير الإنترنت والانتصار الأيديولوجي لليبرالية؟ وبعد مرور عشرين عامًا على هذه الكلمات، وبعد أن أنهكه المجهود الدائم للتكيف، يبدو أن عالمنا بات يلفظ أنفاسه الأخيرة. وفي هذا السياق، يعد من المثير للاهتمام ملاحظة أن الحركات الاحتجاجية باتت تُترجم بشكل متزايد بحالة من الجمود؛ فبدءًا من حركة "احتلوا وول ستريت" بنيويورك، ووصولًا إلى مخيمات الساخطين من حركة "بوابة الشمس" في مدريد، ومرورًا باحتلال دورانات الطرق في الأشهر الأخيرة بفرنسا، يبدو أن أعددًا متزايدة من المواطنين يرفضون إملاءات السرعة والحركة؛ لأن الثورة ليست في حالة حركة؛ بل تفرض نفسها وتوقف ذلك المؤشر المجنون الذي يشير إلى المزيد دائمًا من الاستهلاك والنمو.

وأضاف التحليل الصحفي أنه مع بداية شهر يناير، وبعد ثمانية أسابيع من تعبئة "السترات الصفراء"، أعلن المتحدث باسم الحكومة "بنيامين جريفو" عدم الرغبة في تغيير آليتها فيما يخص الإصلاح وقال: "علينا بدون أدنى شك الذهاب لأبعد من ذلك فيما يخص التغيير؛ بحيث يكون أكثر راديكالية في مناهج عملنا وفي طريقة التنفيذ وفي أسلوبنا، ويجب الذهاب إلى أقصى الرغبة في تغيير الفرنسيين لأن هذه الرغبة هي التي جلبتنا إلى السلطة". ولا بد لنا من الاعتراف بأن هذا الوعد بالإصلاح هو الذي مكّن الرئيس ماكرون من اجتذاب تأييد جزء من ناخبي فرانسوا فييون في الانتخابات الرئاسية، غير أن الاعتقاد بأننا بحاجة إلى أن نكون أكثر راديكالية في تحول البلاد لا يعني استيعاب ما يعبّر عنه جزء كبير من الشعب.

ولا يعني استيعاب أن الفرنسيين لم يعودوا يؤمنون بخطاب التسعينيات المؤيد لقطاع الأعمال، ولم يعد الشباب يحلمون بأن يصبحوا مصرفيين في بنك سيتي. لقد عانت معظم الأسر الفرنسية من البطالة التي أضرت بواحد أو أكثر من أبنائها؛ فالأسر تعلم أن العثور على وظيفة بات أمرًا صعبًا، لذا لم يعد الفرنسيون يهتمون بخطاب "التحول" لأنهم لم يعودوا متأكدين من أنهم سيستفيدون منه شيئًا!

ماكرون لا يعيش في تناغم تام مع حقبته

يمكننا أن نقول إن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عندما وعد في عام 2007 بعمل إصلاحات نجح في اجتذاب نسبة جيدة من أصوات الشباب، حيث صوّت له 22% من الناخبين في المرحلة العمرية من 18-24 عامًا، و28 % من الناخبين في المرحلة العمرية من 25-34 عامًا في المرحلة الأولى من الانتخاب الرئاسية، ومن المستقلين حصل على نسبة 52% من المزارعين والتجار والحرفيين، ومن الموظفين 32 %، ومن العمال 26 %، وحتى من الناشطين 29%.

وقد وجدت هذه الفئات السكانية ذاتها في دعم "السترات الصفراء" كما هو مبين في دراسات الرأي الأخيرة، ولكن يجب أن نتذكر أنه في ذلك الوقت كان مقبولًا فكرة أن على فرنسا أن تبذل مجهودًا للخروج من مشكلة البطالة الجماعية وتلحق بركب الفائزين بالعولمة السعيدة.

أما "ماكرون" فلا يعيش في تناغم تام مع حقبته لأنه إذا تماشى مع وتيرة تسارعه فلن يأخذ في الاعتبار قسط عدم الراحة والخوف المرتبط به وسيسير في سياق من النمو شبه الصفري. فما الفائدة من الاستمرار في التشبث والمواكبة والتعجيل في مجتمع لم يعد ينتج النمو؟ لقد تضاعف عدد الأفراد الذين لم يشهدوا أي تحسن في حالتهم الاقتصادية في السنوات الأخيرة. والأسوأ من ذلك هو أن التفاوت أخذ في التزايد؛ ونيجة لذلك لم يعد مناخ عدم الثقة في الإصلاحات يعبّر عن أنانية فئوية أو محافظة، بل عن رفض مشروع لفقدان المكتسبات الفردية في ظل غياب الوعد بغدٍ أفضل.


ما هو مستقبل التحالف ضد داعش؟

استعرض "موقع راديو فرنسا" السيناريوهات المحتملة لمستقبل التحالف الدولي ضد داعش في ظل المستجدات على الساحة، حيث استقبلت واشنطن مؤخرًا المؤتمر الوزاري العاشر لدول التحالف الدولي ضد التنظيم الإرهابي والذي يتألف من 75 دولة، حيث يظل مصير هذا التحالف عقب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا معلقًا.

ومن المفترض أن يولي التحالف في المستقبل مزيدًا من الاهتمام ببعثات التدريب وإعادة الإعمار، لا سيما في العراق، أما فيما يخص الجانب السوري فإن مسألة الحفاظ على الوجود الغربي تعد الأكثر حساسية.

وإلى جانب الولايات المتحدة والأردن وبريطانيا العظمي وألمانيا ومصر والسعودية؛ كانت فرنسا في طليعة الدول المشاركة في الحرب ضد داعش. وتذكر باريس أن تفكيك دولة الخلافة على الأرض لا يعني نهاية داعش في سوريا والعراق، حيث قال "جون إيف لودريان" الوزير الفرنسي للشئون الخارجية والأوروبية: "نحن لم نتخلص من الإرهاب، ولم نقضِ على التيارات الجهادية؛ لأن داعش لا يزال موجودًا، ولا يزال هناك فرنسيون وبلجيكيون وتونسيون يقاتلون في المنطقة".

أما "إيلي تيننباوم"، الباحث في مركز الدراسات الأمنية بالمعهد الفرنسي للعلاقات الخارجية في باريس، فيرى أننا "نواجه تيارًا جهاديًّا يُعدّ (داعش) واحدًا من أنشط جماعاته. ولا يزال هناك جزء في إدلب يشهد نشاط هيئة تحرير الشام، الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا. أما في العراق فأعاد داعش هيكلة نفسه بشكل كامل وهرب إلى المخابئ في محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك. وفي ظل غياب مشروع سياسي قوي وقابل للاستمرار، سيكون من الصعب التكهن بكيفية تمكن العمليات الحالية من القضاء على هذا التهديد".

البقاء للقيام بأية مهام

وتُقر الدبلوماسية الأمريكية بضرورة تهيئة الظروف الضرورية الآن للتمكن من "هزيمة داعش"، وهو الأمر الذي أكد "ماكرون" أن بلاده ستشارك في تحقيقه، حيث قال: "سنظل متواجدين عسكريًّا في منطقة الشام في إطار التحالف الدولي وسنعمل على تكييف نظامنا العام وفق العمليات والوضع السياسي؛ لأن أي تسرع في الانسحاب سيكون خاطئًا". ويرى الخبير "إيلي تيننباوم" أنه "يجب أن تبقى فرنسا وكذلك بعض الدول الحلفاء في المنطقة للاستمرار في مساندة العراق في إعادة الإعمار وعملية الانتقال وإصلاح القطاع الأمني، وذلك عبر هياكل منظمة حلف شمال الأطلسي التي تمتلك القدرة على تنفيذ البعثات التدريبية.

التواجد الغربي في سوريا

على مدار السنوات العشر الماضية، ظل العراق شريكًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة، على العكس من سوريا التي تتحكم روسيا بمنظومتها العسكرية بشكل تام. ومن جانبه سارع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالثناء على القرار الأمريكي بالانسحاب، قائلًا إن وجود قواته في سوريا أمر شرعي لأنه جاء تلبيةً لرغبة السوريين، أما تواجد القوات الأمريكية فليس أمرًا مشروعًا. وفي هذا الصدد، أشار الجيش الفرنسي إلى أن "القوات الأمريكية لم تغادر سوريا بعد".

وأضاف أنه "قد يتم البدء التدريجي والمنظم في الانسحاب، وأن العمليات ستستمر حتى فصل الربيع". ولكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه الآن في المعسكر الغربي هو: كيف لا نترك انتصارًا كاملاً للروس وحلفائهم في المنطقة؟ ويتساءل الغربيون أيضًا عن كيفية حماية الشركاء الأكراد من قوات سوريا الديمقراطية في معركتهم ضد الجيش التركي مع الحفاظ على القدرة على مكافحة الإرهاب في شمال شرق سوريا. ولتحقيق هذا الأمر تحدث "ترامب" عن إنشاء "منطقة عازلة" في شمال سوريا، وأشارت فرنسا أيضًا إلى فرض "منطقة حظر طيران".

ويؤكد تيننباوم أن "مثل هذا الإجراء سيكون ممكنًا فقط إذا ما حدثت مفاوضات دبلوماسية أو سياسية بين مختلف الجهات الفاعلة (...) فالوجود الغربي على الساحة السورية لا يزال أفضل وسيلة للاحتفاظ بمكان على طاولة المفاوضات في هذا البلد، وقد تبقى الولايات المتحدة على قاعدتها في "التَنْف" التي تقع في منطقة متداخلة بين الأردن والعراق، أي داخل محور تتمكن الميليشيات الإيرانية المتواجدة بالعراق من خلاله بالوصول مباشرة إلى حزب الله في سوريا.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق